الثقافة ليست ظاهرةً ماديةً ثابتة، بل إنها خاضعة في مدار دينامية التاريخ، وفي عوالمها المتعددة لتأثيراتٍ مُتولدة، تُوعز ببقاء أو انحلال شكلٍ محددٍ من أشكال الأنظمة والمجتمعات، وباعتبار أن للثقافة أهميةً تغييرية؛ بوصفها مجال تأثيرٍ ونفوذٍ تستحق التوقف عندها، وذلك لدورها المحوري في إحداث ثورةٍ في طبيعة الأنظمة الشمولية، والتقدم الإنساني، وفي طبيعة الضبط الاجتماعي والديني، فأي تغييرفي ميدان الثقافة سيشمل عناصر فكريةً، هي بالضرورة سيرورات عامة، دينا وفنونا وعلوما، لكن تغيرات أخرى مثل القوانين والعادات والرأي العام والتقاليد، تُوجب نشوء علاقةٍ بين الثقافة والأفراد؛ طرفاها النظرية والممارسة، وهما بطبيعة الحال تساعدان الإنسان على الانعتاق والتحرر، بيد أن المكونات الثقافية للأنظمة الشمولية، تُخضع تلك العلاقة لسلطتها، بغية الوصول لغاياتها. لقد تجسدت الثقافة في نهضة الغرب بصورةٍ ذات أبعادٍ ثلاثة، بعدها الأول: كان التغيرات في الاقتصاد السياسي، والبعد الثاني: المتغيرات في علم النفس الاجتماعي، أما البعد الثالث: ظهرفي صناعة الثقافة، التي مثلت العقل بمعناه الواسع؛ مختزلاً بوظيفته الأداتية؛ التي ترى العالم مؤلفاً من موضوعاتٍ؛ مهمة العقل فيه الكشف عن أفضل طريقةٍ للتعامل مع هذه الموضوعات سواء أكانت اجتماعيةً أم إنسانيةً أم سياسيةً، لكن هذا العقل خرج عن تلك الوظيفة فأصبح أداة تكيفٍ براغماتيةٍ موجهةٍ نحو النفعية عندما استطاعت تلك الأنظمة الشمولية إخضاعه والمكونات الثقافية لها، «فحين يلجأ ديكتاتوريو هذه الأيام إلى العقل، فإنهم يعنون بذلك؛ أنهم يملكون أكبر عدد من الزنازين، فهم من العقلانية بما يكفي لبنائها، وعلى الآخرين أن يكونوا من العقلانية بما يكفي للخضوع لهم»، هذا كلام ماكس هور كهايمر، الذي يرى أن العقل الأداتي لديه إلحاح السيطرة والتحكم، وهذا يقودنا للقول:
إنه أصبحت لدى (الآخرين) غريزة البقاء والتعود وحفظ الذات فتقبلوا استغلالهم مندمجين في المنظومة السلطوية؛ متعلمين الخضوع ليصبحوا أكثر عقلانية، بألا يهتموا بالقضايا التي تتطلب التفكير الواسع لمفاهيم الحرية والعدالة، بل بقولبتها مقاساً للسلطة، فأصبحوا بطانة ثقافية لها، تدعمها وتساندها، وحقيقة هذا ما مُورس على شعوبٍ كانت رازحةً تحت سيطرة أنظمة ديكتاتورية، وشعوبنا العربية التي ما زالت إلى يومنا كذلك، فتماهى عالَم السياسة الذي يمثل الدولة السلطوية التي تتخذ الشكل المغلق، مع العالم الثقافي الذي يمثل العقل، سك مصطلحاً قدحياً «صناعة الثقافة» بحسب تعبير (هوركهايمر)، فتلك الصناعة أدت دور أيديولوجيا العقل الأداتي، باعتبارها جزءاً من الحياة في إفراغ العقل من مضمونه ومن أثره الثقافي في طرح أسئلةٍ كثيرةٍ عن الحرية والحقيقة والكرامة البشرية والمساواة، فقدمت الأنظمة الاستبدادية القدح لشعوبها؛ برفدها لمنظومة إعلامية متكاملة من فنون وتقنيات وعوالم افتراضية، ومن إدراكها للأثر الذي تؤديه الثقافة في حث إدراكنا لما هو قيم معرفية لجأت إلى إضفاء طابعٍ جمالي على سياستها الشمولية.
العقل الأداتي لديه إلحاح السيطرة والتحكم، وهذا يقودنا للقول: إنه أصبحت لدى (الآخرين) غريزة البقاء والتعود وحفظ الذات فتقبلوا استغلالهم مندمجين في المنظومة السلطوية.
هذا النهج لم يكن بعيدا عن مجتمعاتنا العربية، التي تسيطر عليها ديكتاتوريات متعاقبة خرجت منها ثورات ما يسمى «الربيع العربي»، تقوم فيها صناعة الثقافة على المبالغة، وبمؤامرةٍ وحشيةٍ من البطانة الثقافية؛ نسجت خيوطها السلطة على الأفراد وعبر تحول فكري وذهني أرادته تلك الثنائية على كل الأصعدة الثقافية، صُبغت أعمال السينما والفنون والإعلام بعنصر التهويل، فالسينما مثلا بالنسبة لصناعها تسعى نحو الجماهير والأفراد، بغية التأثير فيهم من خلال ثقافة الصورة، فهي الرحم الذي يضم الصورة، فإذا ما أُسقطت فلسفة الصورة وتقنياتها، وجُيرت لمآلات السلطة، وتم لها ذلك؛ تصبح السينما والصورة حليفاً زائفاً للواقع بالمَشاهد المفروضة على إدراكنا الحسي الواعي، وتحت ضغط هذا التزييف تغدو كافة الصور كليشيهات بصرية وسمعية، وحتى نفسية تؤثر في الجماهير، فنرى مُخرجين من مجتمعات ثورتهم الربيعية اختزلت عندهم في تقديم مشاهد بصرية من أفلامهم بأسلوب جذاب مخادع، ظهر فيه التواطؤ بين عين السينما وعين الكاميرا وعين الإنسان بمونتاجٍ هو من دون شك بناء لوجهة نظرالعين الإنسانية (المُخرج) فالمونتاج هو تنسيقٌ مشتركٌ للصورة في تأثيرها العاطفي والحسي والحركي لدفع الجمهور إلى الميل لوجهة نظر المُخرج، بإدراجه صوراً خاصةً لِمَشاهد تمثيلية لأناسٍ مقطوعي الرؤوس؛ ورَفْدها بصورٍ تشكيليةٍ لشعاراتٍ دينيةٍ لدولة الخلافة مثلاً، الغرض منها إبعاد الجماهير عن الواقع الحقيقي، وإضفاء مناخ نفسي مَقصده إثارة الحزن والشفقة، وردود أفعالٍ انعكاسيةٍ للمشاعر الإنسانية تجاه الانتفاضات، لحصرها بتلك الصور الوحشية، بالإضافة إلى مشاهد العنف المسلح ضد المدنيين، التي يستند فيها المخرج إلى الصورة ذات التأثير العاطفي؛ لِنَقلِ المُشاهد إلى ضفة أخرى من الحقيقة المزيفة، ومَشاهد الخراب والدمار وسقوط القذائف على المدنيين والتركيز على صور الأطفال بعد التفجيرات، خصوصاً في المدارس المأخوذة من زاويةٍ واحدةٍ مركزيةٍ عند عدسة الكاميرا، وإغفال مشاهد قصف الطائرات والاعتداء على المتظاهرين والمجازر في الميادين والبلدات، إنه ضربٌ من مَيلٍ مُحرك على عصبٍ حساسٍ. إن صناعة السينما داخل أروقة تلك الأنظمة قائمة على كليشيهات ثابتة ومتغيرة في آنٍ معاً؛ تغيرها وفق دينامية الواقع السياسي والاجتماعي؛ ثباتها في استبداد مُطلق مغلق، فتحولت تلك الصناعة إلى أداةٍ لتخدير الجماهير ومصدرٍ لتسكين الأفراد وتهدئتهم. فآلت مجتمعاتنا بعد ربيعها الخريفي متشرذمة الميل، مغيبة الحقيقة، وفاقدة الذاكرة الحية.
تتحول الأفكار إلى سلعٍ استهلاكيةٍ تخدم السلطة، وتساير الواقع الجديد المفروض عليها، أفكار مفصلة ومروجة ومنسقة على شكل زي مُستهلَك في سيرورةٍ مغلقةٍ، تخدمها في صناعاتها الثقافية.
ونحن في هذا نضيع أثر أفكارنا في ديمومة عَيشنا إياها، لذلك تتحول الأفكار إلى سلعٍ استهلاكيةٍ تخدم السلطة، وتساير الواقع الجديد المفروض عليها، أفكار مفصلة ومروجة ومنسقة على شكل زي مُستهلَك في سيرورةٍ مغلقةٍ، تخدمها في صناعاتها الثقافية؛ تُنْسَجُ في معامل الديكتاتورية، وتُعْرَض في سوق الإنتاج السينمائي على أنها ضربٌ من التنوير، لقد تحولت صناعة الثقافة إلى قوة نكوصية رجعية بفعل تماهي المنظومة السلطوية مع العقل الثقافي؛ تجعل ما تسنده تلك المنظومة من أفكارٍ بعيداًعن الشك والمساءلة، فهي تريد استجابةً شبه آليةٍ للأفراد لأنهم يترجمون ويرددون رؤية الأنظمة الاستبدادية؛ التي يريدون من خلالها إعادة بناء الإنسان المؤدلج بفكرها ورؤيتها؛ الخارج عن إمكانية التقدم؛ المتمسك بالعقل الأداتي والمتغافل لأهمية فعل العقل التواصلي المنتج، الذي يمثل دور الثقافة الحقيقي وأثرها في التغيرات؛ ليكون (الإنسان) نواةً لمجتمعٍ مُعاد الهيكلة وفق مصالحها، فتخيم النظرة الأحادية والرأي الواحد لتلك الأنظمة على شعوبها، وهذا ما يجعل سيرورة التشيؤ تصل لحالة من التحقق الكامل في الثبات للواقع الاجتماعي والسياسي والفكري، بما يخدم تلك المعامل، ويُشرْعِن عملها، ويسوق صناعاتها، التي أوضحت ما للمجال الثقافي على المستوى المجتمعي من مؤديات وتأثيرات سياسية ارتبطت ارتباطاً محايثاً بها، لذلك غدا كل بديلٍ عن الوضع القائم عندها قد خُنق والحياة فيه غدت ذات بعدٍ واحدٍ وهو ما دأبت على ترسيخه، فلا بديل عن سلطتها ولاعن منظومتها الثقافية (البطانة) ولا عن الأمان والاستقرار إلا تحت لوائها، وكل ما عداها فهو في خانة الإرهاب، هي حالة التشوه الأمبريقي التي نعيشها، تعبرعن إخفاقنا في رصد الواقع وملاحظته بشكل دقيق، نوع من الوعي المزيف غلف الأدمغة، فحال حجاباً ستر عهر الاستبداد وساهم في إعادة إنتاجه وتعويمه، بعد أن حاولت هتافات الحناجر فضحه، ورداءً سترتديه مجتمعاتنا العربية لسنواتٍ مقبلةٍ، وهي تقول بكل فخرٍ صناعةٌ وطنيةٌ!
٭ كاتبة من سوريا