د. علي محمد فخرو
رحلات الاستجمام التي تقوم بها الجماعات العربية الميسورة طيلة العام، وعلي الأخص أثناء فصل الصيف، لم تعد شأناً فردياً وإنما أصبحت ظاهرة اجتماعية ثقافية تستحقٌ الدراسة. إن ظاهرة الاستجمام، بمعني حصول الإنسان علي وقت أو فرصة فراغ وتحُّرر من مسؤوليات كسب العيش وتوفير ضروريات الحياة الأساسية، أصبحت ظاهرة عالمية إنسانية بعد أن كانت في الماضي مقتصرة علي الأغنياء المترفين. إذن فالعرب يمارسون مايفعله الغير.
لكن المشكلة تكمن في فهم معني الاستجمام والهدف من وراء الاستمتاع به. فإذا كانت فترات الاستجمام تتبع فترات العمل والوظيفة وما يتبعها من مسؤوليات والتزامات وروتين ممل أحياناً، فإن الاستجمام لايعني عكس العمل، أي اللاعمل والدخول في راحة جسدية وذهنية تامة، بل ويضيف إليه البعض التحرر من أية قيود أخلاقية. ذلك أن المعني الراقي المتحضٍّر للاستجمام يعني القيام بأنشطة لايستطيع الإنسان القيام بها بسهولة ويسر أثناء فترات العمل. قد تكون أنشطة رياضية أو فنية أو تأملية أو روحية أو ممارسة هواية. إنها أنشطة تسمو بالإنسان وتوٍّسع مداركه وتصقل إنسانيته. إي أن الاستجمام لا يعني همود وتجمُّد حيوية الحياة في الإنسان وتقليد بعض الحيوانات التي تتوقف عن أي نشاط حياتي أثناء فترة فصل الشتاء، كما تفعل الدٍّببة مثلاً.
في فصل الصيف تنزاح الألوف العربية، إن لم تكن الملايين، نحو أوروبا. فماذا ينشد هؤلاء من وراء رحلات أصبح القيام بها أمراً يتطلب الكثير من مذلًّة النفس أمام مطالب سفارات أوروبا المعقًّدة القاسية الشبه تعجيزية والكثير من المال أمام الغلاء الفاحش المتصاعد في مدن أوروبا وأمام الإحساس الخفي الغامض الذي يشعر به كل عربي أو مسلم حال دخوله مطارات أوروبا من أنه إنسان غير مرغوب في تواجده في: جنة حضارة الآخر؟ مالذي ينشده العرب المرتحلون، ممًّا يستحق كل هذا العناء والكبد؟ لا يمكن أن يكون الهدف هو المطاعم والأكلات الأوروبية والدولية، فكل ذلك متوفر، بل وأكثر، في أكثر مدن وعواصم المنطقة العربية. وينطبق الأمر علي توفرُّ الفنادق والشقق الفاخرة ودور السينما وعلب الليل وتوابعها من شراب وجنس، بل وبلاجات وأنواع الترفيه للأطفال. ولاتوجد بضائع في أسواق ومجمعات أوروبا لاتتوفر في المنطقة العربية، فالعولمة الاقتصادية قد وحًّدت العرض والطلب والنًّهم في الإستهلاك. وحتي حرارة الجو التي يهرب منها الكثير من العرب أصبحت ظاهرة أوروبية، بل وخانقة في بعض الأحيان.
ومن جهة أخري، فمن المؤكد أن الغالبية الساحقة من عرب الاستجمام لم يأتوا لممارسة نشاط فني أو حتي الاستمتاع به، إذ تخلو قاعات الأوبرا وصالات الموسيقي الكلاسيكية والمسارح الوطنية ودور عرض الفنون التشكيلة من الوجوه السمراء العربية. ونادراً مايزور هؤلاء المتاحف ومعالم الآثار الكبري، إذ يري الإنسان جماعات سائحة من مختلف بقاع العالم، وهم يقفون كمستمعين للشروح بلغاتهم القومية، بينما لا أذكر قط أن رأيت شخصياً جماعة عربية تستمع لشرح بلغة الضاد. وينطبق الأمر علي دور بيع الكتب وعلي المهرجانات الفنيًّة الكبري في مختلف مدن أوروبا.
هل يعقل إذن أن الاستجمام الذي ينشده غالبية العرب في أوروبا هو المشي والتسوق في شارع اكسفورد في لندن أو التسكُّع ثم الجلوس في مقاهي شارع الشانزلزيه في باريس؟ في مثل هكذا أماكن ستجد العرب زرافات ووحدانا.
لا، لايعقل ذلك. هناك أسباب أخري هناك الجنون السياسي والصراع العبثي الذي أحال الكثير من مدن العرب إلي أرض يباب حيث يغيب العمران. هناك الثقافة المنغلقة المتخلفة التي يأكلها ويشربها الإنسان العربي في مدرسته وجامعاته ومن خلال وسائل إعلامه. هناك غياب الحرية الفردية وهذا التحريم العشوائي المتخلف بمقاييس الدين والدنيا.
ظاهرالإستجمام البليد الموتي المؤقت في الحياة العربية تضاف إلي كوارث العرب الحضارية التي يمكن علاجها في أرض العرب فقط.