الاستحقاق الانتخابي الثاني في سورية: انتخاب رئيس الجمهورية

حجم الخط
0

هيثم المالح

تكتسب مسـألة انتخاب رئيس الجمهورية في سورية أهمية كبيرة، نظراً لما أناط الدستور من صلاحيات في شخص الرئيس والتي حددها في المواد: 97 و100 و101 و104 و107 و108 و109 و111، بحيث تكون سلطة الرئيس واسعة مهيمنة علي سائر السلطات المكونة لأجهزة الدول. ولعلنا نستطيع تشبيه النظام في سورية، كما رسمه الدستور، بالنظام الرئاسي مع توسيع في الصلاحيات زيادة عن الحدود المفروضة لها، فمثلاً بعد أن كان إعلان حالة الطوارئ في القانون الصادر عام 1962 منوطاً بمجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية، ووجوب عرضها علي مجلس النواب في أول دورة انعقاد له ليري رأيه فيها، في حين أن الدستور أطلق يد الرئيس بإعلان الحالة دون عرضها علي مجلس الشعب. أطلق الدستور يد الرئيس في إصدار مراسيم تشريعية بين فترات انعقاد مجلس الشعب أو بعد انتهاء ولاية المجلس وبداية المجلس الجديد، وأمور أخري ليس هنا مجال لمناقشتها، ولذلك سأكتفي بمناقشة المواد المتعلقة بانتخاب الرئيس. حددت المادة 83 من الدستور شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية وهي: أن يكون عربياً سورياً. متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية. متماً الأربعين من العمر، وقد عدلت هذه المادة قبيل اعتلاء الرئيس بشار الأسد لسدة الحكم.

كما نصت المادة 84 علي أن الترشيح لرئاسة الجمهورية يصدر عن مجلس الشعب بناء علي اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث ويعرض علي المواطنين لاستفتائهم فيه، كما يجري الاستفتاء بدعوة من رئيس مجلس الشعب. إلا أن الفقرة 3 من هذه المادة نصت علي ما يلي: يتم انتخاب الرئيس الجديد قبل انتهاء ولاية الرئيس القائم في مدة لا تقل عن ثلاثين يوماً ولا تزيد عن ستين يوما.

كما يتضح من نص المادة السابقة فإنه يتبين وجود تناقض بين الفقرة 3 وما سبقها، إذ أن معني الانتخاب هو غير معني الاستفتاء وبالتالي فإن علينا أن نري تفسيراً لهذه المادة من خلال المادة 25 من الدستور وخاصة الفقرات 2و3و4 منها والتي تنص علي ما يلي: 1 ـ سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة.2 ـ المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.3 ـ تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

إذاً كيف لنا أن نفهم مجموع هذه النصوص السابقة، ونقارنها مع المواد الدستورية المتعلقة بانتخاب الرئيس، وحصر الترشيح بشخص واحد تقدمه القيادة القطرية لحزب البعث؟. تقرر القاعدة الحقوقية المعروفة إعمال النص خير من إهماله مبدأ أساسياً في تفسير النصوص وفهمها باعتبار أنه لا بد من أخذها جملة واحدة لا أن نقرأ كل نص علي حده ونفسره كما يحلو لنا أو نحرف النصوص لخدمة مصالح معينة. أن القراءة علي هذا النحو تؤدي بنا كمن يقول: ولا تقربوا الصلاة. معلوم أن المعاهدات الدولية تعلو علي القوانين المحلية حين تعارضها، وعلي هذا فإنني سأدرج هنا نصاً من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي انضمت إليه سورية بتاريخ 21/4/1969. وأدرج كذلك نصاً من الميثاق العربي لحقوق الإنسان والذي صادق عليه مجلس الشعب السوري بالقانون رقم 50 الصادر عن رئيس الجمهورية بتاريخ 15/12/2006: فيما يتعلق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فقد نصت المادة 25 منه علي مايلي: يكون لكل مواطن دون أي وجه من وجوه التمييز المذكورة في المادة 2 ، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة: أولاً ـ أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، اما مباشرة واما بواسطة ممثلين يختارون بحرية. ثانياً ـ أن ينتَخب أو ينُتخب في انتخابات نزيهة تجري دورياً بالاقتراع العام وعلي قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين. ثالثاً ـ أن تتاح له، علي قدم المساواة مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده. فيما يتعلق بالميثاق العربي لحقوق الإنسان فقد نصت المادة 33 منه علي ما يلي: لكل مواطن الحق في شغر الوظائف العامة في بلده. من قراءة هذه النصوص يتبين لنا: أولاً ـ أن لكل مواطن في أي بلد عربي صادق علي العهد المدني للحقوق المدنية والسياسية، وعلي الميثاق العربي لحقوق الإنسان أن يتقدم لشغل المناصب العامة.

ثانياً ـ فيما يتعلق بسورية فإنه يترتب علي القيادة القطرية لحزب البعث، ومن ثم مجلس الشعب أن يتسلما أي ترشيح من أي مواطن تتوفر فيه شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية ثم يعرض مجلس الشعب أسماء المرشحين علي المواطنين لإجراء الانتخابات، وهنا لا بد لنا من التذكير بأن اقتصار الترشيح علي شخص واحد يتعارض مع الاتفاقيات الدولية والعربية، ومع روح الدستور، ومتطلبات العصر، ويرسل رسالة واضحة إلي المواطنين بأننا نتبني نظاماً وراثياً وليس جمهورياً انتخابياً. أن المرحلة التي تمر بها سورية والمنطقة العربية بمجملها تدعو الجميع لأن يتفهموا متطلبات هذه المرحلة، التي أن استطعنا استيعابها وفهمها والتكيف مع متطلباتها، سوف تنقذنا مما يحاك لنا ولمنطقتنا من دسائس ومؤامرات تتخذ من شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان متكأ لفرض سيطرتها وأحكام مخططاتها وقبضتها، وعندها لات ساعة مندم.

ولئن نص الدستور في المادة 84 السالفة الذكر علي أن الترشيح يصدر عن مجلس الشعب بناء علي اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث فإنني أري أن الطريق القويم والذي يتماشي مع نصوص الدستور المبينة آنفاً، ولا أظنها تتنافي مع رؤية سيادة الرئيس الحالي الدكتور بشار الأسد والذي أعتقد أنه يرحب بمساواة المواطنين له في الترشيح للرئاسة كما يرحب بالمزاحمة السياسية الشريفة، إعمالاً للنصوص السابقة وخاصة مبدأ تكافؤ الفرص. ولعلي هنا اقتطف مقاطع من خطاب القسم للرئيس بشار الأسد حين توليه رئاسة الجمهورية: وعلي كل مواطن شريف أن يضع نفسه في موضع مماثل لما أشرت إليه وأن يحمل نفسه المسؤولية وأن يؤمن بالشرعية حتي لو يكن في وضع يسمح له بتطبيق أفكاره فالمنصب لا يعطي المسؤولية بل العكس هو الصحيح هو يأخذها من الإنسان الذي يمتلكها ويسمح له فقط أن يمارسها من خلال الصلاحيات التي يمنحها له: ولكن للقيام بالتحرك المطلوب ونحن واثقون من بلوغ النجاح لا بد من أن تتوافر لدينا مجموعة من الأدوات أهمها: الفكر المتجدد وأعني به الفكر المبدع الذي لا يتوقف عن حد معين ولا يحصر نفسه في قالب واحد جامد، وكم نحن بحاجة إليه اليوم وغداً لدفع عملية التطوير قدماً إلي الأمام، والبعض يعتقد أن الفكر المتجدد مرتبط بالسن أي يغلب وجوده عند الشباب وهذا غير دقيق تماماً فبعض الأشخاص يدخلون سن الشباب وقد تحجرت عقولهم باكراً: والبعض الآخر من كبار السن يفارق الحياة وعقله ما يزال يضج بالحيوية والتجدد والإبداع. لأن الخطأ بأشكاله المختلفة سيبقي ملازماً للحياة وإذا لم يعالج فإنه يتفاقم، والعلاج لا يهدف إلي الانتقام والتشفي وإنما للردع ولا يقصد به صاحب الخطأ فقط بل كل من يخطر في باله أن يقع فيه. فالمجتمع هو الطريق التي يسير عليها التطوير في حقوله العديدة. فإذا كانت هذه الطريق غير صالحة تعثر التطوير وتأخر أو توقف. وهذا بمفهوم النسبي يعني التراجع إلي الوراء. وهذه إحدي الصعوبات الموجودة في واقعنا ودراسة هذا الواقع تحتاج إلي التركيز علي المعوقات التي تبقيه علي حاله دون تغيير إلي الأفضل وهذا بحاجة إلي مشاركة فعالة من كل الجهات خارج إطار الدولة وداخله كي يساهم كل الفئات والشرائح في إيجاد الحلول. وهو منطق التعاون والانفتاح علي الآخرين وهو لا ينفصل عن الفكر الديمقراطي بل يتقاطع معه في مواقع عديدة. وهذا يعني أن امتلاك الفكر الديمقراطي يعزز الفكر والعمل المؤسساتي. فإلي أي مدي نحن ديمقراطيون وما هي الدلائل علي وجود الديمقراطية أو عدمها، هل هي في الانتخاب؟ أم في حرية النشر؟ أم في حرية الكلام؟ أم في غيرها من الحريات والحقوق؟ أقول ولا واحدة من كل ذلك. فهذه الحقوق وغيرها ليست الديمقراطية بل هي ممارسات ديمقراطية ونتائج لها وهي تنبني جميعها علي فكر ديمقراطي وهذا الفكر يستند علي أساس قبول الرأي الآخر، وهو طريق ذو اتجاهين حتماً وبشكل أكيد أي ما يحق ليّ يحق للآخرين، وعندما يتحول الطريق باتجاه واحد يتحول إلي أنانية وفردية. أي لا نقول يحق لنا كذا أو كذا بل يجب أن نقول يحق للآخرين حقوق معينة، فإذا كان هذا الحق يجوز للآخرين من وجهة نظرنا أصبح لنا الحق نفسه. فإذا الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا، والفكر الديمقراطي هو الأساس، والممارسات الديمقراطية هي البناء، وبكل تأكيد جميعنا يعلم أن الأساس عندما يكون ضعيفاً فإن البناء يكون مهدداً بالتداعي والسقوط عند أول هزة أو من دون أي سبب ظاهر.

مقترحات: إنني هنا من واقع فهمي لنصوص الدستور والقوانين النافذة ومن استقرائي لما ورد من كلمات الرئيس الدكتور بشار الأسد سيما بعد هذه التجربة التي مر بها في مسؤولية الرئاسة، أعتقد أن علي القيادة القطرية لحزب البعث أن تفسح المجال للمواطنين الذين يرغبون أن يرشحوا أنفسهم للرئاسة الأولي، بأن تمرر هذه القيادة أسماء هؤلاء المرشحين إلي مجلس الشعب الذي عليه أن يتحمل مسؤولية المستقبل وينهض بجزء من مهام التغيير الديمقراطي في سوريه انسجاماً مع المرحلة الدولية، ومواجهة التحديات الخارجية والداخلية. إنني أرنو إلي اللحظة التي تعطي الأولوية فيها للعودة إلي تأسيس النظام الجمهوري والابتعاد عن تكريس مبدأ الملكية تحت اسم الجمهورية، وإن في طرح شعارات إلي الأبد وما سواها تتناقض تناقضاً واضحاً مع النظام الجمهوري، فالخلط في هذا الموضوع لا يؤدي بنا إلي أي تغيير نحو مستقبل مشرق يعيد للشعب دوره الأساسي في المشاركة في بناء الدولة ورقابة السلطة بعيداً عن الاستبداد والإقصاء والانفراد بالرأي وتكريس الشخصنة. أن شعبنا في سورية يملك إمكانيات هائلة، وعقولاً فذة، وشخصيات هامة خاضت تجارب الحياة علي مدي حاضر الأمة، وهي جديرة بأن يفسح لها المجال لتقدم ما لديها من إمكانات وحلول لواقعنا المرير، وأنه من الظلم أن يجري احتكار الترشيح بشخص واحد ولعل ذلك يكون محركاً للتغير في المستقبل. وتأسيساً علي ما سبق فأنني أدعو كل مواطن يجد في نفسه الكفاءة لشغل منصب رئاسة الجمهورية أن يتقدم للترشيح عبر القيادة القطرية لحزب البعث ومجلس الشعب. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية