الاستخبارات والسياسة وما بينهما

حجم الخط
0

الاستخبارات والسياسة وما بينهما

د. محمد احمد جميعان الاستخبارات والسياسة وما بينهما ينحسر دور الأمن ومؤسساته الاستخبارية في الدول المؤسسية التي تتمتع بالديمقراطية والحريات واحترام حقوق الإنسان في جمع المعلومات والحصول عليها من مصادرها المختلفة تبعا للخطر المحدق بالبلاد او الخطر القادم والمحتمل في المستــــقبل ومعالجتها بالأوجه التي يقرها القانون في الدولة خدمة للوطن وشعبه ومؤسساته ويتم تقديم هذه المعلومات الي صاحب القرار السياسي علي شكل معلومات مجردة عند الحاجة او علي شكل معلومات للإنذار والتنبيه او علي شكل خيارات وتوصيات دون تدخل في صياغة قراره شكلا ومضمونا او انتقاء لخياراته الأنسب لصنع قراراته.وحين يقتضي الأمر تلجأ المؤسسات الاستخبارية ذاتها الي موافقات مسبقة من صاحب القرار السياسي نفسه للقيام بعمليات ما من اجل تعزيز معلوماتها او معالجة قضية تحتاج الي عمل استخباري، ولا يمكن لها بأي حال من الاحوال ان تتصرف وفق هواها وهوي المسؤولين فيها سواء من حيث طرق جمع المعلومات او طبيعة العمليات التي تقوم فيها والاهم من ذلك كله ليس لها يد او سلطة في القرار السياسي المتخذ او صياغته او تعديلاته او ما يمت الي ذلك بصلة سوي تقديم المعلومات او الخيارات او التوصيات.وإذا حصل خلاف ذلك كله فان السلطة الرابعة من الصحافة والإعلام له بالمرصاد إذ تعتبر ذلك رهنا للسياسة وضعفا في أدائه السياسي نفسه إذ يسلم قراره وإرادته للمؤسسة الأمنية لا سيما إذا ترتب علي ذلك ردود فعل غير محسوبة او مفاجآت او أوقع الدولة في حرج دولي او إقليمي او محلي او خلق نزاعات لا مبرر لها او افتعل صراعات مع قوي خارجية او داخلية سوف تؤدي ولا شك عاجلا أم آجلا الي ضعف الدولة وانتقادها وتخبطها.والسؤال المطروح هنا: لماذا لا يعطي الأمن ومؤسساته حيزا واسعا وسلطة فاعلة ويدا طولا ورجلا أطول للدعس علي الرقاب والتدخل في كل شيء وهي التي تملك المعلومات وتبذل الجهد والتضحيات في تحصيلها كما هو قائم في دول الامية القهر والاضطهاد والتخويف والمارد الأمني؟ ومن هو الأكثر امانا وصحة ودقة ومصداقية ولا يشكل خطورة علي الدولة؟ ان الأمن مؤسسة كباقي المؤسسات في الدولة تقدم خدمة محددة مؤطرة في القانون الي السياسي صاحب القرار الذي يحيط بعمل كافة المؤسسات وأدائها وإنتاجها وقدراتها ويعطيها الأوامر ويصدر لها القرارات التي تخدم الوطن والدولة.ولان السياسي يسعي الي الاستقرار في الدولة علي كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤسسية مدنية وعسكرية بما فيها الأمنية فانه الوحيد القادر علي الإلمام بوضع الاستراتيجيات اللازمة للعمل والاستقرار والإنتاج وخلق التوازنات بين قطاعات المجتمع ورجالاته كافة، دون هوي او مزاجية او تطلع او طموح سوي خلق الاستقرار وإدامته من اجل تفاعل وتصاعد النمو في قطاعاته المختلفة بينما يسعي الأمن بواجبه وطبيعته الأصلية الي تحقيق الإنجاز الأمني في جمع المعلومات ومعالجتها لدرء الخطر في إطار من رضا المرجعية السياسية وموافقتها.ولان الإنجاز الأمني بحد ذاته سلاح ذو حدين حد ايجابي معروف وحد سلبي قاتل يتمثل أحيانا في خلق فتنة او جلب نزاع او صراعات داخلية او خارجية قد تؤدي الي احتقان وحساسيات لا تظهر إلا بعد فوات الأوان، والأخطر ان بعض الإنجازات الأمنية في ظاهرها النصر والتفوق والمقدرة والقوة والاقتدار وما الي ذلك ولكن في باطنها الخطر الداهم وسوء التقدير الذي لن تظهر عواقبه إلا بعد حين، والوحيد القادر علي توزين الأمور والقضايا الذي يشكل صمام أمان للمجتمع هو صاحب القرار السياسي الذي ينظر بشمولية أوسع ومدي ابعد وحنكة اكبر وحكمة أعظم يلم بالمجتمع الخارجي والداخلي وهو القادر ان يضع السياسات علي ضوء ذلك كله. ان عوامل كثيرة تلعب دورا أيضا في سوء التقدير لدي تحقيق الإنجاز الأمني منها ما يتعلق بالنجومية ووهم العبقرية وصنع المعجزات التي يعبر عنها بالغرور أحيانا وأخري تتعلق بالطموح الشخصي الي منصب أعلي او ثراء اكبر او تصفية حسابات يجعله يتسرع في تحقيق إنجازات متهورة او لم يحن وقتها او مكانها او ظروفها او هي غير مناسبة أصلا تخلق النكسات والمتاعب وضيق الأفق وسوء المعالجة، وكان والدي رحمه الله علي بساطته وبداوته وصفاء فطرته يقول إذا اخطأ الرجل عندك في الملمات مرتين فلا تأخذ برأيه فإنما هو احد ثلاثة جاهل قليل العلم والخبرة او أهوج متسرع في طبعه او صاحب هوي ومطمع في نفسه. ان الغرب وصل الي ما وصل إليه من استقرار ونمو وازدهار إنما بفضل المؤسسية لديه التي ترسم لكل مؤسسة حدودها وتعطي للسياسي قدره في وضع الاستراتيجيات وبرامج العمل في إطار ديمقراطي حقيقي سليم[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية