الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بعد فوز الديمقراطيين: لا تغيير
محمد العبد الله الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بعد فوز الديمقراطيين: لا تغييرلم تأت نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي مفاجئة لأحد، فالمحللون والمراقبون كانوا يتوقعون هذه النتيجة، كما أن معظم استطلاعات الرأي أشارت الي توقع فوز الديمقراطيين وسيطرتهم علي مجلس النواب ولو بأغلبية بسيطة، لكن ما أتي مفاجئا هو سيطرة الديمقراطيين علي الكونغرس بمجلسيه (النواب والشيوخ).فهل سيؤثر فوز الديمقراطيين في السياسة الخارجية الأمريكية؟ سبق للديمقراطيين أن أشاروا خلال الحملات الانتخابية لمرشحيهم الي أنه في حالة حصولهم علي الأغلبية في أحد أو كلا المجلسين، ومن ثم الفوز برئاسة لجنة الشؤون الخارجية أو الاستخبارات أو غيرهما من اللجان، سوف يشنون حملة لاستعادة الرقابة علي أنشطة السلطة التنفيذية التي سيطرت علي السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الخمس الماضية. واستخدام الادارة لسلطة المخابرات قبل الحرب وقضايا مثل التمويل واعادة الاعمار في العراق ودور سلطة الائتلاف المؤقت في تلك العمليات بخاصة، كما سيكونون أكثر تشددا في عمليات التحقيق، الأمر الذي يعني أننا سنشاهد بلا شك توترا بين الادارة والكونغرس، فالعامان الأخيران من ولاية الرئيس بوش سيكونان الأكثر صعوبة له خاصة اذا ما علمنا أن القضايا التي تواجهها الادارة الحالية للرئيس بوش كثيرة وكبيرة ومتعددة ولا تحظي في معظمها بتأييد غالبية الشعب الأمريكي.فالكونغرس الأمريكي يلعب دورا هاما في صياغة السياسة الأمريكية، الداخلية والخارجية، فعلي الصعيد الداخلي مثلا يجب أن يوافق الكونغرس علي جميع القوانين المتعلقة بالضرائب، كما يمنح الدستور الأمريكي للكونغرس حق رفض التعيينات القضائية والادارية التي يجريها الرئيس بالنسبة للمناصب العليا والمناقشة فيها.وأما علي الصعيد الخارجي فلا يحق لرئيس الولايات المتحدة توقيع المعاهدات أو استخدام القوات المسلحة الا بموافقة الكونغرس (مع ملاحظة أنه يحق للرئيس الأمريكي دستوريا استخدام هذه القوات بدون موافقة الكونغرس لكن لمدة لا تتجاوز ستين يوما)، فالكونغرس مثلا أوقف الحملة التي قام بها الرئيس نيكسون ضد كمبوديا وأمر بسحب القوات واعادتها الي الولايات المتحدة.لكن هذا لا يعني أن صراعا سيدور حتما بين الرئيس والكونغرس في حال لم يسيطر حزبه علي الأخير، كما لا يعني أيضا أن سيطرة حزب الرئيس علي الكونغرس من شأنها أن تسهل ولاية الرئيس، فعلي سبيل المثال واجه كارتر الديمقراطي كونغرسا ديمقراطيا كان مغلقا في وجهه معظم الأوقات ووجد صعوبة كبيرة في التعامل معه.نعم ستغير سيطرة الديمقراطيين علي الكونغرس في سياسات الولايات المتحدة، حيث يمكن أن نري تغيرا في قوانين الضرائب أو تخفيض نسبة الفائدة بالنسبة للتعامل مع المصرف المركزي، كما قد نشهد تعاملا مع قضايا من نوع الهجرة مختلفا بعض الشيء عما قدمه الجمهوريون (بناء جدار عازل بين الولايات المتحدة والمكسيك مثلا).لكن ما يعنينا نحن العرب هو سياسة الولايات المتحدة الجديدة ازاء قضايانا، فالكونغرس الجديد لن ينهي احتلال العراق، ولن يغض النظر عن الملف النووي الايراني، وهو بالتأكيد لن يزيل حماس وحزب الله من قائمة المنظمات الارهابية، ولن يزيل كوريا وايران وسورية من قائمة الأنظمة التي ترعي الارهاب، ولن ينتهج سياسة أكثر عدالة تجاه القضية الفلسطينية، ولن تتوقف أميركا عن استخدام حق الفيتو لمنع صدور أي قرار يدين اسرائيل، باختصار فان الكيل بمكيالين باقٍ. فالتغيير الذي قد يطال سياسة الولايات المتحدة لن يشمل القضايا الاستراتيجية، أو أكثر تحديدا قضايا الأمن القومي ، فالاستراتيجية الأمريكية واحدة بالنسبة للحزبين فيما يتعلق بهذه القضايا حيث يشترك الحزبان برؤية واحدة في ملفات عدة أهمها:ـ مصلحة الولايات المتحدة أولا وفوق كل اعتبار.ـ لا مساومة بشأن برامج التسلح النووي بالنسبة لكوريا وايران وغيرها.ـ مكافحة الارهاب والقضايا المتعلقة بأمن الولايات المتحدة: فالديمقراطيون لن يتساهلوا البتة في هذا الملف، لكن مقاربته قد تكون مختلفة بعض الشيء عما فعله الرئيس بوش والمحافظون الجدد المتعطشون للحروب، فقد نلحظ توقفا عن قرع طبول الحرب، وميلا أكبر تجاه حل الأزمات بطرق دبلوماسية، الأمر الذي سيمنحهم ـ الديمقراطيون ـ في حال نجاحهم في الحفاظ علي أمن الولايات المتحدة ومكافحة الارهاب دفعا قويا في الانتخابات الرئاسية القادمة، حيث سيظهر الديمقراطيون بصورة المحافظين علي أمن البلاد دون كلفة بشرية ومالية كبيرة (320 مليار دولار كلفة احتلال العراق حتي اليوم).ـ الاستمرار بالهيمنة علي منابع الطاقة والثروة.ـ الالتزام بتفوق اسرائيل العسكري علي جيرانها العرب، لا بل ان الديمقراطيين أكثر تشددا من الجمهوريين بالنسبة للبند الأخير.اذا، فان رؤية الكونغرس الجديد تجاه مثل هذه الملفات لن تتغير، وانما قد تتغير الطريقة التي سيتعاطي بها معها، من هنا خطأ التحليلات التي رأت أن السياسة الأمريكية ستتغير، الأمر الذي حدا ببعض الأنظـــــمة بتنفس الصعداء بعد صدور نتائج الانتخابات، وكأن الادارة الأمريكــــية قد سقطت وحلت ادارة مسلمة مكانها، الأمر الذي بلغ بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الثناء علي هذه الانتخابات ونتائجها واعتبارها انتصارا للتنظيم. لقد سبق أن أوضح الأمريكيون أنفسهم هذه الرؤية، ومنها تعليق الكاتب الأمريكي توماس فريدمان علي الفوارق بين حزبي بلاده بقوله: ان الفارق الذي تراه بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي هو ذات الفارق الذي تراه حين تنظر الي زجاجتين فارغتين. كاتب ومعتقل سابق للرأي من سورية8