الاستراتيجية الأمريكية المستقبلية في العراق.. لن ننسحب

حجم الخط
0

د.

هيثم غالب الناهيلم يكن المقال الافتتاحي لصحيفة النيويورك تايمز في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 لنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن بالمقال العادي غير المهم. فعنوانه ‘ما الذي يتوجب علينا فعله من أجل العراق الان’ وموقع كاتبه السياسي والرسمي وموقع المقال ‘كمقال افتتاحي’ والصحيفة التي نشرته، كلها هذه حقائق تجعلنا نعتقد أنّه خطّة استراتيجية أمريكية للعراق والمنطقة باسرها للسنوات الأربع القادمة. فلقد تمكن بإيدن بمقال لا يتجاوز الالف كلمة من إعطاء نبذة حية للاحتلال الأمريكي منذ نيسان/ابريل عام 2003م ولحين كتابة مقاله الذي تزامن مع انتخاب النجيفي رئيسا للبرلمان وجلال الطلباني رئيساً للجمهورية الذي كلف المالكي بتشكيل مجلس الوزراء. ففي معرض الازمة الأمنية وعدم استقرارها أشار بإيدن بصورة عابرة لفشل الحكومات السابقة بهذا السياق، ثمّ استدار ليبين حقيقة عَجَز الإعلام بكافة أنواعه من بيانها وهي أنَّ القوات الأمريكية كانت تتعرض مع عام 2007م لحوالي 1600 هجوم أسبوعيا والان مع تشكيل الحكومة وبضغط أمريكي كما قال مختصرا نتعرض لما يقارب 160 هجوما أسبوعيا أي بواقع 23 هجوما في اليوم. وهو ما يؤكّد وجود مقاومة فاعلة تواجه الولايات المتحدة الأمريكية يوميا، الا أنَّ الإعلام لم يُسمح له بتسليط الضوء على ذلك. هذه المقاومة الشرسة التي تتعرض لها الولايات المتحدة الأمريكية وضعتهم أمام خيار لا غيره مفاده أنّهم سوف لن ينسحبوا قط من العراق، بل وجودهم متنام وأزلي وفق ما جاء بين سطور المقال.

هذه التحديات العسكرية المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية والرفض الشعبي لوجودها جعل بايدن يعبر عن خطته بالقول ‘لن ننسحب من العراق؛ ولكن طبيعة وجودنا ستتبدل من القيادة العسكرية إلى المدنية’. حقيقة تجعلنا نستذكر أنَّ الانسحاب الأمريكي لمئة ألف عسكري واستبدالهم بواقع 50 ألف عسكري كان الهدف الأساسي من إبقاء 94 قاعدة عسكرية فاعلة تتمكن من استخدامها متى ما ارادت وكيف تشاء. واجب هذه القوات المسلحة بأسلحة ثقيلة حسب زعمه، تقديم المشورة وحماية الممتلكات الأمريكية ‘التي لا وجود لها’ ومكافحة الإرهاب وبالطبع الإرهاب الذي تقوم به القوات الأمريكية نفسها لا يحسب ارهاباً قط.

من جانب أخر بدت ملامح السياسة الأمريكية في العراق واضحة المعالم اليوم أكثر من ذي قبل، لأن بايدن يصرّ على ضرورة تواجدهم وهم سائرون نحو هذا التأسيس بوجود دبلوماسي في كافة أنحاء العراق. متخذا من اتفاقية إطار العمل الاستراتيجية مادة أساسية لتفعيل الوجود الأمريكي في كلّ دوائر ووزارات ومؤسسات العراق المدنية، على الرغم من أنْ هذه الاتفاقية لم يطلع عليها لا مواطن ولا برلماني باستثناء المهتمين من أمثالنا بالوضع العراقي. فهي بلا مناص ستربط العراق بصورة أو أخرى بالولايات المتحدة الأمريكية من الابرة إلى الطائرة.

الاعتراف الخطير الآخر في الخطّة الاستراتيجية لبايدن تضمنها المقطع الأخير حين اعترف بالثمن الباهظ دون أرقام ‘ما عدا عدد القتلى’ الذي كلّفتهم الحرب العراقية. وبالتالي من الضروري التخلص من هذا العبء المالي الكبير المسبب للأزمة المالية وما سوف يليها. منهياً حديثه بتشجيع العراق ليكون محورا أمريكيا استراتيجيا في هذه المنطقة الحساسة، ومعولاً عليه ليكون ناشطاً إقليمياً مسؤولاً بحدّ ذاته. وهو بيت القصيد في هذا المقال، لأن العراق صار مرشحاً ليأخذ دور إسرائيل في تنفيذ المشروع الأمريكي الذي على رأسه إنشاء مشروع الشرق الأوسط الكبير وتفتيت دول وإنشاء دول عرقية وطائفية، فيا تُرى ماذا سيكون مخبأَ في السنوات الأربع القادمة من دور للعراق ليؤديه للولايات المتحدة الأمريكية ووجودها؟ سؤال مهم يستوجب الانتباه إليه ومتابعة ما سيحدث لأن النتيجة إذا لم تكن في صالح الولايات المتحدة الأمريكية بالصورة التي تريدها؛ سيكون الوبال مارقاً زاهقاً للمنطقة والعراق على حدّ سواء.

فحتّى يصبح العراق كما أراده بايدن محوراً أمريكياً استراتيجياً، فلا بدّ من أنْ يتمكن العراق من استثمار ثرواته الطبيعية الهائلة للمشروع الأمريكي القادم، لكي يتخطى الحاجز الأمني المروع ويطرح ممتلكاته للاستثمار وينعم بالاستقرار والانتقال إلى المرحلة المرجوة. وهذا لا يمكن أنْ يتم دون التدخل الأمريكي المباشر لجعل الازمة العراقية السياسية ضمن الحلّ المرجو. فهو يسند هذه الحقيقة باعترافه في لعب الولايات المتحدة الأمريكية بشخصه وشخص الرئيس أوباما دورا بارزا ونشطاً في تقريب وأحياناً أمر السياسين العراقيين بالتجاوب مع مقترحاتهم بحل الازمة السياسية؛ بالإضافة إلى جهود الوفود الامريكية الاخرى التي لم ينفك العراق خالياً منهم. وبالتالي زال مع هذا الاعتراف أي تبجح في موضوع السيادة والتدخلات الخارجية والإقليمية وغيرها من التصريحات التي دأب على إطلاقها الساسة من المنخرطين بالعملية السياسية. لكن هذا الاعتراف بيَّنَ في بواطنه حقيقة التخلي الأخلاقي السياسي الأمريكي عن التصريحات السابقة المتضمنة إصرار اوباما وساسة أمريكا على ضرورة تشكيل حكومة تعكس نتائج الانتخابات. وجاءت حكومة ضمن الاهواء والاتفاقات الدولية والإقليمية. إذ لم يتناس بايدن لمعالجة التخلي الاخلاقي عن التصريحات السابقة بالتعريج على ضرورة الوفاء بالالتزام لتقاسم السلطة وتشكيل المجلس الوطني للسياسات العليا وتحديد سلطاته وواجباته ليكون ملزما للجميع ضمن الرسم البياني الأمريكي.

لربما هذه الخطوة الأولى ليكون العراق محوراً استراتيجياً أمريكياً، لأن بايدن حدد بإمعان الضرورة التي بذمة الولايات المتحدة الأمريكية العمل عليها في العراق واوجزها بثمان نقاط أساسية هي: إجراء التعداد العام للسكان، دمج قوات الأمن الكردية في قوات الأمن العراقية، تنفيذ الالتزامات الأمريكية تجاه الصحوات؛ حلّ مسألة كركوك؛ إقرار قانون النفط والغاز؛ سن قانون الاستثمار الأجنبي في العراق؛ تنمية القطاع الخاص؛ وأخيرا إقرار موازنة مسؤولة مالياً. هذه النقاط التي اوجب بايدن تنفيذها؛ إذ ما تعثرت في بدايتها أو أُخل بأي منها تكون لا نهاية في واقع الأمر لإنهاء التزامات العراق ضمن القرارات الدولية التي أُصدرت خلال وبعد حرب الخليج.

الموجبات الثمانية التي يريد بإيدن تنفيذها ليصبح العراق محوراً أمريكياً استراتيجياً مهماً في المنطقة مشروطة بشرطين أساسيين: الأوّل قانون النفط والغاز والذي مسبقا سيطرت الشركات الامريكية على 60′ من الأراضي العراقية غير المكتشف البترول فيها؛ وثانيها الاستثمار الأجنبي دون ضرائب ودون محاسبة واستملاك لمعدات ومنشآت دون حساب. وإن تعذر الأمر ستكون الولايات المتحدة الأمريكية غير ملزمة مطلقاً في تنفيذ إخراج العراق من الفصل السابع ودفع التعويضات وإسقاط الديون وغيرها من الالتزامات الأخرى. وعليه ان هذا الأمر هو الذي يدفعنا للاعتقاد بأن مقال بايدن لم يكن مقالا بقدر ما كان تقريرا مختصرا لاستراتيجية أمريكية جديدة في المنطقة؛ تكون ثروات العراق وشعب العراق ومقدسات العراق أداة فاعلة لتنفيذها. وبالتالي مما لا يخفى ابداً أنَّ العراق ضمن هذه التشكيلة الواضحة أمامنا سياسيا وإداريا سينسلخ من الواقع العربي والإسلامي ويكون أداة طيعة بيد الولايات المتحدة الأمريكية ومخططاتها المستقبلية. إذ برأينا ومما فهمناه من النقاط الأساسية لمقالة بايدن التي استعرضنا جلها في متن ما سبق كتابته أنَّ العراق ينتظره مصير غامض يقع بين أمرين لا ثالث لهما. فالأوّل يتمخض بإلزام حكامه بتنفيذ ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية حرفياً ونصياً. أما الثاني فهو إذا ما فشل الأمر فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستنسحب كليا من العراق وتتركه ليكون صومالاً مقسماً لثلاث دويلات تتصارع إلى ما لا نهاية. خصوصاً وإن هناك دعوات وأصوات متعالية في الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من العراق وإنقاذ ما تبقى من وجه أمريكا الذي تمرغ في تراب أفغانستان والعراق؛ والزمن الجاري كفيل بكشف ماذا سيحدث.’ كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية