الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية في الحرب السادسة

حجم الخط
0

الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية في الحرب السادسة

د. عبد العظيم محمود حنفيالاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية في الحرب السادسة رغم أنه جري تحديث وتطوير بناء واعداد القوات المسلحة الاسرائيلية علي عدة أسس أهمها:1 ـ تكوين وحدات نيران برية وجوية، تملك وسائل لتدير آلاف الأهداف الموجودة في أرض العدو بعمق لا يقل عن 50 كيلومتراً وراء الحدود، وتعمل في الليل والنهار ومختلف حالات الطقس.2 ـ تفضيل التكنولوجيات الحديثة علي حجم القوة.3 ـ تفضيل النيران المستخدمة في التدمير من بعد علي نيران المواجهة المباشرة.4 ـ بناء القوات العاملة علي أساس زيادة قوتها النارية.5 ـ انشاء وحدات برية ذات قوة ضاربة وحاسمة.6 ـ انشاء وحدات جوية ذات قوة نارية ضاربة وحاسمة.7 ـ انشاء وحدات صاروخية ذات مديات قريبة ومتوسطة وبعيدة.8 ـ تعديل المذهب العسكري، وبخاصة جانبه القتالي من خلال التركيز علي النوعية في بناء القوة العسكرية.9 ـ تشكيل القوات الجوية والبحرية ووحدات الاستخبارات.10 ـ القدرة علي القيام بالضربة الاستباقية الاجهاضية.11 ـ اعتماد استراتيجية الاقتراب غير المباشر.12 ـ القدرة علي القتال في أكثر من جهة.فهل كانت المحصلة في المواجهات الاسرائيلية مع حزب الله علي قدر تلك الأسس؟الواقع أن أداء الجيش الاسرائيلي في تلك المواجهات يطرح عدة تساؤلات، فالمراقبون الاسرائيليون أنفسهم يرون في احتجاز جنود علي أيدي مسلحين فلسطينيين وعناصر من حزب الله علامات تراخ وثقة زائدة عند المجندين، خاصة وان حزب الله عبر بوضوح عن نيته في القيام بما قام به كما حاول ذلك في الماضي. كما أن الهجوم علي السفينة الاسرائيلية، وهي من نوع سار 5 المتطور، يطرح تساؤلات أخري. فقد أصابها صاروخ موجه بالرادار من طراز C802، وهو صيني الصنع. ولم تعرف المخابرات الاسرائيلية أن ايران زودت حزب الله بمثل هذه الصواريخ ومعدات الدفاع الالكترونية المتطورة جدا علي متن السفن الاسرائيلية مصممة للتدخل في مثل هذه المواقف، لكنها لم تكن حتي مشغلة لما أصيبت السفينة. ان ضرب حزب الله للسفينة الاسرائيلية قد لا يكون عسكريا حدثا كبيرا، لكن اثر ذلك الحدث النفسي علي الاسرائيليين كان كبيرا جدا. كما أن ارتفاع معدل الخسائر في المعارك البرية التي خاضتها القوات الاسرائيلية مع مقاتلي حزب الله في منطقة بنت جبيل اللبنانية الحدودية مع اسرائيل والتي كانت، كما وصفها الجنود الاسرائيليون المصابون فيها جهنم علي الأرض . هذا الأمر دفع الي توجيه انتقادات حادة للجيش الاسرائيلي بسبب عدم استخدامه للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة لتعزيز قدراته القتالية في المعارك البرية. في هذا السياق يقول المحلل الاسرائيلي صامويل جوردون في مقال نُشر في صحيفة جيروزاليم بوست بأن حزب الله نجح في تحييد التفوق التكنولوجي الاسرائيلي في مجال سلاح الجو . وطالب جوردون بان يكون هناك تنسيق أفضل بين وحدات برية خاصة صغيرة الحجم وبين سلاح الجو بدلا من القصف الجوي المكثف والعشوائي، بحيث تقوم الوحدات الخاصة بتحديد الأهداف وارسال المعلومات حولها الي الطيارين وقواعد اطلاق الصواريخ لكي تكون الضربات دقيقة وفعالة، حسب قول جوردون. ويقول المحلل العسكري الأكثر احتراما بين الأوساط الاسرائيلية زائيف شيف ان اسرائيل ابعد ما تكون عن تحقيق انتصار عسكري حاسم كما لم تحقق أيا من أهدافها حتي الآن كما يري بعض المحليين أن هناك عدم تناسب بين حجم القصف الجوي الكبير والعمليات البرية المحدودة التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي. وتبدو عمليات القصف الجوي التي تقوم بها اسرائيل شبيهة بالتي قامت بها الولايات المتحدة خلال حربي الخليج الأولي والثانية وتتماشي ما بات يعرف بعقيدة باول (وزير الخارجية الأمريكي السابق ورئيس أركان الجيش الأمريكي عام 1992) وتعتمد علي استخدام القوة القصوي، لكن اسرائيل تتفادي اللجوء الي القوة البرية القصوي. وبعكس عمليتي احتلال اسرائيل للبنان عامي 1978 و1982، تقدمت قواتها الي شمال نهر الليطاني في الأولي ووصلت الي مدينة بيروت في الثانية، فان اسرائيل هذه المرة تتفادي التوغل عميقا في لبنان، ويبدو أن ذكريات هاتين العمليتين لا تزال تلقي بظلالها علي تفكير القيادة العسكرية والسياسية الاسرائيلية. فقد قامت اسرائيل بارسال عدد محدود من الجنود الي داخل لبنان وبعمق عدة كيلومترات فقط لاقامة منطقة عازلة داخل لبنان لكن قواتها واجهت مصاعب لدي الاصطدام مع مقاتلي حزب الله المدربين والمسلحين جيدا. واضطر الجنود الاسرائيليون الي استخدام دبابات ميركافا المتطورة جدا كعربات اسعاف لاخلاء الجنود الجرحي. والمزاعم الاسرائيلية بأن منطقة بنت جبيل سقطت في يد القوات الاسرائيلية لم تصمد طويلا وكانت المعركة الشرسة في هذه المنطقة كفيلة باثبات العكس وقد يكون ذلك دليلا علي أن اسرائيل لم تجد ما تتفاخر به من الانتصارات بعد كل هذه الفترة من العمليات العسكرية. كما أن استمرار حزب الله في خوض الحرب الحالية، التي كانت اسرائيل تعتقد بأنها ستحسمها بأسرع وقت، وكذلك طول فترة المواجهات المستعرة مع عدم وجود بوادر أكيدة علي ضعف ميليشيا الحزب، رغم تصريحات اسرائيلية بأنه تكبد خسائر استراتيجية فادحة ، كما أثبت خطأ تقديرات الجيش الاسرائيلي بأن باستطاعته حسم المعركة لصالحه في وقت قياسي. من جانبه أراد حزب الله من القتال باستماتة في هذه المعركة أن يفوت الفرصة علي اسرائيل وأن يتثبت بأنه قوة يحسب لها ألف حساب وان المعركة البرية علي الأرض هي معركته. كل هذه المعطيات تلقي الضوء علي القدرات العسكرية الاسرائيلية وعلي الاستراتيجية التي اتبعها الجيش الاسرائيلي في هذه الحرب، فالاستراتيجية التي شنت بموجبها اسرائيل الحرب كانت تركز علي جانبين: الأول: توجيه ضربة عسكرية قاسية ومدمرة لحزب الله بوجه خاص، لتدمير قدراته العسكرية واضعاف خطره المتزايد عند حدودها الشمالية وابعاده عن حدودها وثانيا تدمير البنية التحتية اللبنانية عموما لقطع الامدادات علي حزب الله وتكثيف الضغط العسكري والسياسي وتأليب المجتمع اللبناني عليه. وقد استغلت اسرائيل حادثة أسر اثنين من جنودها لتصفية الحساب القديم /الجديد مع حزب الله ووجدتها فرصة للتخلص من جار مزعج لم يعد من الحكمة السكوت علي مشاكساته. كما أن المواجهات المستمرة مع الفلسطينيين وبلوغها أوجها باختطاف جندي اسرائيلي مؤخرا فشلت الآلة العسكرية الاسرائيلية في تحريره، كانت أيضا دافعا آخر ولو جانبيا لهذا الرد الاسرائيلي القوي علي حزب الله. أما بالنسبة للرد الشامل والمكثف فهو مبدأ أصيل في العقيدة العسكرية الاسرائيلية تلجأ اليه اسرائيل سواء في حروبها الخارجية أو وحتي في المواجهات مع الفلسطينيين. ولعلنا نتذكر كيف يكون الرد الاسرائيلي عنيفا عقب كل عملية فلسطينية استهدفت اسرائيل. وتلجأ اسرائيل لهذا الأسلوب الحربي لعدة أسباب منها: أولا بسبب عقدة التفوق العسكري التي تسيطر علي العقلية العسكرية والسياسية الاسرائيلية وهو ما تعتمد عليه اسرائيل في ردع أعدائها. لذلك فانه حينما تتعرض اسرائيل لضربة ما فانها ترد بأقصي ما تستطيع لتأكيد هذا التفوق. وثانيا كنوع من التأديب الذي يفوق الجُرم حتي تكون عبرة للآخرين بأن الرد سيكون موجعا وأليما وعليهم التفكير كثيرا قبل الاقدام علي أي عمل ضدها. وهناك عامل آخر يدفع اسرائيل للرد العسكري المبالغ فيه وهو ضغط الرأي العام الاسرائيلي علي الحكومة عقب كل عملية تستهدف أمن البلاد والمواطنين. كما أن هناك نقطة أخري مهمة في الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية تقوم علي أساس مبدأ الضربة السريعة الخاطفة لأن اسرائيل لا تقوي أصلا لأسباب كثيرة علي الدخول في حروب طويلة الأمدأداء الجيش الاسرائيلي مع المواجهات الحالية مع مقاتلي حزب الله يقودنا الي حقيقة سقوط أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر.وعلي ضوء أداء الجيش الاسرائيلي ـ حتي الآن ـ فان التوقعات تشير الي أن توازن الرعب النسبي قد أطال أمد الحرب وأن المعارك البرية بين اسرائيل وحزب الله قد أسقطت وهم التفوق العسكري الاسرائيلي.مدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات ـ القاهرة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية