الياس خوري
يحتل التوك شو، او الاستعراض الكلامي كل الشاشات الصغيرة، في الأرض والفضاء. لقد انتهت التلفزيونات العربية الي هذا البؤس الدائم. لا شيء سوي الكلام، وهو كلام للكلام، مثل الفن للفن. الهدف هو الوسيلة. الشاشات تملأ برامجها بأبخس الأثمان، والسياسيون والمثقفون وما تيسر من الشخصيات الاجتماعية، يخرجون من الظل الي الضوء. انه زمن ثقافة الحكي. قضايا مثل الصراع العربي الاسرائيلي، واحكام الردة في الاسلام، ومأساة العراق، والهاوية اللبنانية، تتحول استعراضا كلاميا. تري امرأة متجهمة تريد تذكير نفسها بقدرتها علي الصراخ، او شيخا معمما يعتقد انه يحل مشكلة العالم حين يصدر فتوي تلفزيونية، او سياسيا يعتقد ان الماكياج التلفزيوني يعيد اليه شبابه الضائع، والي ما هنالك. بحيث احتل المال النفطي والكلام الفضاء العربي بأسره.
والحقيقة ان شيوع التوك شو واحتلاله الصدارة، لا يمكن نسبته الي نفقاتها القليلة فقط. فالمحطات الفضائية الرئيسة مدعومة بالنفط والغاز وليست مسألة التوفيرالمادي من اولوياتها، بل يعود في رأيي الي سببين متداخلين:
الأول، استبدال الديمقراطية بالنميمة. المجتمعات العربية تعيش قحطا ديمقراطيا عاما، لا احزاب ولا نقابات ولا مؤسسات اجتماعية، النافذة الوحيدة المفتوحة هي التلفزيون. لذا تعمد الفضائيات الي حيلة النميمة، تضع شخصيات سياسية واجتماعية وثقافية تحت الاضواء وتترك لها حيز الكلام. وبدل ان يكون النقاش تحليلا هادئا يستنير به المتفرج علي فهم غابة السياسة العربية، يتحول نميمة. والنميمة تسلي الجمهور، ومشهد الخلاف والصياح يوحي بأن التلفزيونات صارت منابر للحرية. هذه اللعبة ليست غبية مثلما نعتقد، اذ انها تسمح للفضائيات بأن تقدم وهم الديمقراطية لمواطنيها. المواطن السعودي الذي لا تأتي فضائيات بلاده علي مشاكله، يشعر بعبير الديمقراطية حين يري نقاشا حول العراق او فلسطين او لبنان، والمواطن القطري، يقتنع ان لا ضرورة لبحث قضاياه لأن بلاده التي صارت بحجم شاشة تلفزيونية عملاقة، تلخص تناقضات الوطن العربي من المحيط الي الخليج. نميمة التوك شو هي الديمقراطية بالواسطة، او هي لعبة ايحائية، تحول الافتراض حقيقة، وتسمح للمواطن في الدول المستقرة، بفضل النفط والغاز والقواعد العسكرية الامريكية، بأن يتسلي بالدم العربي الذي يسيل علي التلفزيون، وبالكلام الذي يسيل جزافا الي جانب الدم.
الثاني، فتح الفضاء للثقافة الفقهية التي صارت الثقافة السائدة في المشرق العربي. والفقهاء يفتون في كل شيء، وهم اسياد الشاشة بلا منازع. عمائم وغيب وصلاح، ودعوة الي تطبيق الشريعة، وتقديم حلول لمشكلات الفقر عبر الزكاة واعمال الخير والاندراج في الجماعة، وتناسي المشكلات الاجتماعية.
علي المتفرج العربي ان يختار بين صراخ السياسيين وتمزق اوتارهم الصوتية وتهدج كلامهم، وبين المعممين الذين يميزون بين الحلال والحرام، ويصوغون احتمالات الحياة في هذه الفانية التي ليست سوي معبر الي الآخرة.
اما اذا اردت شيئا آخر فليس امامك سوي فضائيات الفيديو كليب، حيث نجحوا في ادخال الكاباريه الي المنازل، بحيث لم يعد هناك من حاجة للذهاب الي الحانات، فالنساء يأتين الي بيتك شبه عاريات يتلوين شهوة ودلالا وما عليك سوي ان تتلمظ وانت تشرب الشاي وتتفرج.
بديل التوك شو والشيوخ والمحجبات، هو الكاباريه، والطريف اللافت ان الثقافة الفقهية وثقافة الفيديو كليب تأتيان من المصدر المالي والسياسي نفسه، اي انهما وجهان لظاهرة واحدة اسمها اللغو.
لا اريد ان يفهم من كلامي انني احرض ضد اي شيء، ما اقوم به الآن هو تقديم قراءة نقدية للـــبؤس التلفزيوني العربي الذي يعكس بؤس الثقافة العـــــربية في زمن الأفول الذي تعيشه العرب.
التلفزيون ليس سوي اداة ثقافة تبسيطية وترفيهية، ولا ينتظر منه سوي ان يعكس الثقافة السائدة. غير ان البؤس ناجم من خصوصية الاعلام العربي، ففي ظل التورم في الثروة النفطية، تحول السوق الاعلاني احتكارا شبه مطلق، كما ان الضخ التمويلي لوسائل الاعلام المرئية والمكتوبة، جعل من الخضوع لقوانين السوق وهما. نحن لسنا في اعلام رأسمالي يخضع لقانون الربح والخسارة، كي يكشف لنا علامات الثقافة السائدة، بل نحن في سوق احتكاري شبه مطلق يقوم بتسييد نوع معين من الثقافة، فارضا مناخاته علي مساحة الفضاء العربي، وموحيا بأن الرأي العام العربي دخل في غيبوبة مديدة، وصار اسير الكلام الذي لا يعبر الا عن الرغبة في الكلام.
نجاح هذا الاعلام ناجم عن غياب القدرة التنافسية للاعلام الوطني الديمقراطي، وسببه ليس قلة المال، او غياب المواهب، سببه ان المشروع الوطني صار في خبر كان، بعد دخول مصر في غيبوبتها البريجنيفية التي يصنعها الانتقال الي نظام الجمهورية الوراثية، ودخول فلسطين في صحراء التيه، واحتلال بيروت من قبل الطوائف اللبنانية المنحطة، واخضاعها لشبح الخوف والقتل والتفجيرات.
وفي انتظار ان يستــــفيق النائمون، لن يكون امامنا سوي الكلام الفارغ، الذي يغطي دم العـــــرب المسفوك بأضواء التلفزيون.