الاستعلاء على الشعب: متى سننتهي من مثقفي «المهمّشين»؟

باتت مقولة «التهميش» مركزية في تفكير وخطاب جانب كبير من المتداخلين في الشأن العام، خاصة في العقدين الأخيرين، نتيجة للتغيرات الاجتماعية والأيديولوجية والتنظيمية الكبيرة، التي شهدها العالم منذ مطلع القرن الحالي. وما كان توجّها يسارياً محدوداً، أو تياراً ضمن تيارات متعددة، صار «التيار الأساسي»، مدعوماً بسلسلة طويلة من المنح الأكاديمية والثقافية، و»المنظمات غير الحكومية»، ومنتجات الثقافة الجماهيرية وصناعة الترفيه، وسط تحولات بنيوية في عالم العمل والإنتاج، وأنماط التطوير الحضري، والمؤسسات الاجتماعية الوسيطة. كل ذلك جعل من «المهمّشين»، أي المستبعدين والمُقصيين هيكلياً من مراكز السلطة، وفرص المشاركة الاقتصادية والسياسية والثقافية الكاملة، والذين يتعرّضون لتمييز ممنهج، ويعانون من الصور النمطية (حسب التعريف الناشطي الدارج) وريثاً، لـ»الشعب» أو «الجماهير»، اللذين ركز عليهما في ما مضى يسار التحرر الوطني، مُكسباً إياهما هالة رومانسية، عبر سلسلة من الخطابات السياسية والمنتجات الثقافية.

الاختلاف الأساسي بين «المهمشين» و»الشعب» أن الأولين يُنتَجون عبر عمليات إقصاء بنيوي، ويكتسبون هويتهم وهم يَعدّون جراح مظلمتهم التاريخية، أو يقومون بـ»رد فعل» ضدها، فيما «الشعب» قد يكون موجوداً طبيعياً، ذي روح أصيلة، يجب إعادة اكتشافها، وتخليصها مما علق بها من «شوائب»، كما في المقولات الرومانسية لقومية التحرر الوطني؛ أو بناءً سياسياً يجب إعادة إنتاجه، وتعريفه على عدّوه، كما لدى التيارات القومية والشعبوية واليسارية، الأكثر تطوراً من الناحية النظرية. على اختلاف هذه المنظورات، نبقى في الموقع نفسه، فنحن أمام ذات اجتماعية، تستحق التعاطف، أقرب لمقولة أوليّة صالحة لتفسير وتبرير كل شيء، والتعامل السياسي معها يتراوح بين إعادة التربية والتوعية؛ وصولاً إلى الاستماع إلى تجاربها ومقولاتها بتصديق غير مشروط، مع تعطيل أي آلية نقديّة في تلقيها، باعتبارها صادرة عن ذات مظلومة (ولا ندري العلاقة بين التعرّض للظلم، وافتراض الصحة والحق بشكل بديهي في خطاب وقول المظلوم).

توجد تنويعات كثيرة لـ»المهمشين»، مثل «سكان أصليين»، «غير غربيين»، و»مسلمين»، إلخ، تلتقي كلها بأنهم مجموعات مُقصاة من مركز مهيمن ما، مكاني و/أو هوياتي، يمتلك القرار والموارد والتمثيل والمعرفة المُعترف بها، والقدرة على تحديد «المعياري» و»الطبيعي»، يعمل على استغلال أو قمع أو تشويه هوامشه، وبالتالي فإن استبعاد «الهامش» عملية ممنهجة وليست عارضة، ولا قيام لـ»المركز» بدونها، والحل ليس المطالبة بإدماج الهوامش، وإنما بإعادة هيكلة المركز ليكفّ عن إنتاج التهميش. بعبارة أخرى ليس على المهمّشين أن يترجموا قولهم ومعرفتهم لتتفق مع تحديدات المركز ومعاييره، بل على الأخير أن يتغيّر، ليستوعب الاختلاف، وتعدديّة المعايير، ويمنح التمثيل والوصول للموارد إلى فئات أوسع، حتى لو كان ذلك عبر «تمييز إيجابي». ماذا عنى هذا عملياً؟ تجربة السنين الماضية لم تكن مشجّعة على الإطلاق، وأظهرت الثغرات الكبيرة في النظرية.
نشأت فئة ممن يمكن تسميتهم مثقفي أو ناشطي المهمّشين، ذات طابع «عالمي»، تتركز غالباً في المدن الكبرى، وتعمل أساساً على مسألتين: التفهّم وادعاء التمثيل. «التفهّم» يقوم على تقديم خطابات، تشرّح وتفسّر ما يقوم به «المهمّشون»، حتى لو كان تفجيراً إرهابياً أو مجزرة جماعية، عبر ربطه بظلم تاريخي واجتماعي ما، المركز مسؤول عنه؛ أما «ادعاء التمثيل» فيقوم على ربط المتكلّم نفسه بهوية المجموعة المهمّشة، ما يجعله متحدّثاً باسمها وباسم مظلوميتها بشكل مباشر، ومعفىً من برهنة أحقيته في تمثيلها.

وغالباً ما يستفيد مدعي التمثيل من مكاسب «التمييز الإيجابي»، عبر نيله المنصب أو المنبر أو المنحة المخصصة لهذا الغرض. نشأت بسبب ذلك «صناعات» كاملة في المؤسسات الغربية والدولية، التي تبنّت هذه الأيديولوجيا بحماسة، مثل «صناعة نزع الاستعمار»، التي تحدّث عنها المفكر النيجيري أولفيمي تايو؛ و»ناشطية المنحة» Scholactivism، بحسب تعبير أستاذ القانون البريطاني تارون خيتان؛ وما يمكن تسميته «اقتصاد المنظمات»، أي قطاعاً كاملاً لاقتناص التمويلات، وإدارة المساعدات الإنسانية، التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات في السنوات الماضية، والمقبلة من «المركز» طبعاً (6.7 مليار لمصلحة «المنظمات غير الحكومية» خلال خمس سنوات، في لبنان وحده)، ومن ثمّ إعادة توزيعها، ضمن شبكات من المصلحة والمحسوبية، تسود فيها أنماط مُحدثة من علاقات الولاء والتبعيّة. وبغض النظر عن هذه «الصناعات» والشبكات، فإن المنظور الفكري لـ»مثقفي المهمشين» يقوم أساساً على خطاب مبرمج مبدئياً على تبرير أي ظاهرة سياسية واجتماعية، بوصفها نتيجة بديهية لـ»التهميش»، وبالتالي الانحياز لها، بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يصبّ، في كثير من الأحيان، في مصلحة قوى سياسية متطرّفة، دينياً أو قومياً، بل أحياناً أقرب للفاشية البدائية. وهي قوى ليست «مهمّشة» على الإطلاق، بل لها إمكانياتها المادية والتنظيمية، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، على المستوى السياسي والاستخباراتي.
من جهة أخرى، يمارس «مثقفو المهمشين» عنفاً معنوياً ورمزياً كبيراً، تجاه أي طرح نقدي تجاه «المجتمعات المهمّشة»، بوصفه «استعلائياً»، أو «أبيض»، أو «عنصرياً». إنه أمر متوقّع بالنسبة لمتكسّبين، مادياً ومعنوياً، من مقولة «التهميش» وشبكاتها التنظيمية، ولكنْ هل نقد «المهمّشين» استعلائي فعلاً؟ ثم ما المشكلة في «الاستعلاء» نفسه؟

استعلاء «الشعبية»

يمكن اعتبار «الاستعلاء» تأسيسياً في أي نزعة شعبية، وذلك لأن «الشعب» ليس مجرد مجموع الأفراد والمجموعات والفئات، التي تعيش ضمن حدود بلد ما، بكل ما يحويه من تناقضات ووقائع، بل مقولة سياسية وأيديولوجية أساساً، تحوي مفهوماً عن ذلك المجموع، وسرداً معيّناً عنه، غالباً ما يُضفي عليه سمات ثقافية معيّنة. يربط «الشعبي» نفسه بذلك المفهوم والسرد، ويعمل على تحقيق «ارتقاء» الجماعات البشرية المعنيّة إليه، وتخليصها من «المظاهر السلبية» التي علقت بها، لتعود إلى ثقافتها وروحها الأصيلة المفترضة. «الشعبية»، بوصفها نزعة سياسية، تتضمّن بالضرورة نوعاً من التربوية تجاه «الجماهير»، سواء لرفع وعيها؛ أو لمكافحة «العادات والتقاليد البالية»، و»البدع» المنتشرة بينها؛ أو لحشدها وتنظيمها لتحقيق غاية معيّنة للأمّة. على «الشعب» أن يتطابق دوماً مع نفسه، أي مع الهوية المفترضة، المحددة نخبوياً، عبر عمليات سياسية واجتماعية وتعليمية، هي ما يبني «الشعب» في نهاية المطاف، وقد تقاسمت هذا المنظور كل الحركات الشعبية، القومية واليسارية وحتى الإسلامية.
انتبه ما يسمى «اليسار الجديد» إلى نزعة الاستعلاء والهندسة الاجتماعية في مفهوم «الشعب»، وقدّم نقداً عميقاً لها، محاولاً التخلي عن المفهوم، إما لحساب «جدل سالب» مستمر، ضد المفاهيم الجماعية المكوّنة للأمم والشعوب، على طريقة مدرسة فرانكفورت؛ أو لتعويضها بمفاهيم أخرى، ظن اليساريون الجدد أنها أقل استعلاءً وشمولية، من أشهرها مفهوم Multitude العائد لأنطونيو نيغري ومايكل هارت (يمكن ترجمته بـ»الكثرة المتعددة»)، أي شبكة من الذوات الفردية، المتصلة ببعضها، بفضل العمل بكل أشكاله، خاصة المعرفي والعاطفي؛ وأيضاً مفاهيم «الشعبوية اليسارية» الجديدة، التي تسعى لبناء ائتلاف سياسي متعدد الفئات والمطالب، يكون هو «الشعب»، الذي يحدد ذاته في مواجهة خصم، أو عدو، هو الأوليغارشية المتحكّمة؛ وبالطبع لدينا مفهوم «المهمّشين»، السالف شرحه، الذي يعتمد على تقديم فئات متعددة من الضحايا، وصولاً إلى تفتيت مفاهيم الشعب والأمة والحضارة السائدة في «المركز».

يمكن الدخول في جدل طويل مع كل من هذه المفاهيم، إلا أن أياً منها لم يتخلّص تماماً من استعلائيته، فسواء كنت ناقداً جذرياً لـ»الشعب»، أو ساعياً لتأسيس بناءات اجتماعية وسياسية جديدة، من الأفراد والفئات المتعددة، فأنت غير قادر بالتأكيد على القبول بكل المظاهر والأداءات والممارسات الدارجة في أوساط الكتل البشرية المعنيّة، ولا بد أن تقوم بعمليات فكرية وسياسية، لتصنيف تلك المظاهر، وإعادة تقديمها، وطرح غير المناسب منها، أو نقده، لكي توضّح حدود مفهومك. وبالتالي فإن «الاستعلاء» جانب مؤسِّس في موضوعك، والأجدى الكف عن اعتباره نقيصة أو تهمة، فلا أحد قادرا على الاندماج بـ»الناس»، كل الناس، حتى لو قدّمهم في خطابه بصفة ضحايا يستحقون التفهّم.
يحاول أنصار «المهمّشين» التحايل على هذه الإشكالية، عبر التفسير بـ»المظلومية»: نعم، توجد مظاهر سلبية، بل وإجرامية كثيرة، بين المهمّشين، ولكنها «ردة فعل» على ظلم طويل، والمشكلة في عدم قدرة «المركز» على فهم ذلك، وسعيه الدائم إلى التشويه والإقصاء. لهذا السبب نجد نقد «مثقفي المهمشين» باتجاه واحد دوماً، أي نحو الاستعمار والرجل الأبيض والإمبريالية، وغيرها من مقولات جاهزة، بما يذكّر بأكثر خطابات اليسار القومي خشبيّةً في القرن الماضي، التي باتت منذ زمن طويل أشبه بالنكتة السمجة. الأهم هنا أن اعتبار «المهمّشين» ضحايا، يتحرّكون بمنطق رد الفعل، هو أشد أشكال الاستعلاء، وأكثرها احتقاراً للبشر، فهو يقوم على مزيج من «الطفلنة»، أي اعتبار الناس قُصّراً، «غير مكلّفين» وفق العبارة الشرعية، لا يتحمّلون مسؤولية أعمالهم وخياراتهم، ويحتاجون دائماً إلى عطف وتفهّم ناشط المهمّشين؛ والأسوأ «الحيونة»، أي اعتبار الفعل السياسي، أو حتى العسكري، رد فعل غرائزي من كائنات غير قادرة على التفكير المنطقي الواعي، أو وضع الخطط والاستراتيجيات والبرامج. يحرم «مثقفو التهميش» جمهورهم من الولاية الذاتية، والوعي، والتكليف الأخلاقي، ويرفضون أو يجرّمون أي طرح يُصرّ على هذه العوامل في التعاطي مع الظواهر السياسية والاجتماعية. عملياً، يمكن اعتبار هذا الشكل الأكثر ابتذالاً من «كراهية الذات»، وأشدها اعتماداً على الاحتيال الأيديولوجي الرخيص.

وظائف احتيالية

يقوم الاحتيال الأيديولوجي الموصوف أعلاه على قدر كبير من التجهيل، إذ أن أي مراقبة أو تحليل، أو قراءة تاريخية واجتماعية، تُظهر بوضوح أن «المهمّشين» لا يتحرّكون بعفوية، أو بمنطق «رد الفعل» الغرائزي، وإنما يمتلكون بنيّة أساسية، لها جوانبها الأيديولوجية والتنظيميّة والاقتصادية. «المهمّشون» يمارسون السياسة، وهم جانب من علاقات القوة والهيمنة، مثلهم مثل أي بشري آخر، ويتحمّلون بالتأكيد المسؤولية الأخلاقية والسياسية والجنائية عن ممارساتهم.
تحاول ناشطية التهميش ترجمة كل خطاب وفعل، محسوب على «المهمّشين»، إلى لغة «المظلومية» التاريخية، لكي تبدو مفهومة ومبررة في «المركز»، الذي بات يدعم تلك اللغة، وبالتالي فهم ينكرون على البشر قولهم الذاتي، الذي يحوي في كثير من الأحيان تطرّفاً دينياً وقومياً؛ مواقف محافظة وعدائية تجاه الآخر، ومنكرة لأبسط الحقوق الأساسية؛ وصولاً إلى دعوات الإبادة الجماعية الصريحة. كل هذا ليس مجرد «رد فعل»، بل «فعل»، يُنتج ضمن البنية الأساسية لسياسة «المهمّشين»، وهو سابق بنيوياً، وليس بالضرورة زمنياً، على أي مظلمة تعرّضوا لها. بمعنى أن الظلم والاضطهاد لا ينتج بالضرورة «ردود فعل» متطرفة دينياً أو قومياً، أو داعية للإبادة الجماعية، فهذا النوع من الاستجابات كامن أساساً في قلب المنظور السياسي والأيديولوجي لأصحابه، وتعريفهم لذاتهم الجماعية وتطلعاتها.
يجعل كل هذا من ناشطية التهميش أقرب لفريق ملحق ببعض من أكثر القوى تطرفاً وقمعية، وعلى رأسها الميليشيات والتنظيمات الإسلامية، ويؤدي وظيفة محورية لمصلحتها، وهي ترجمة اللغة العقائدية، المحدودة بمعتنقي العقيدة، إلى لغة معلمنة، يمكنها الوصول إلى فئات أوسع. يناقض هذا في الواقع كل ادعاءات تلك الناشطية، سواء رفض «المركزية»، باعتبار أنها تتجاهل القول الذاتي لـ»المهمشين»، وتقوم بتقديم خطاب أقرب للغة المركز، العالمية والمعلمنة والإنسانية و»الغربية»، والتي ظهرت ضمنها نظريات «التهميش» أصلاً؛ وكذلك ادعاء الدفاع عن الفئات المستضعفة والمُستبعدة، إذ يتغاضى ناشطو التهميش عن معاناة فئات كثيرة، ومنها الأقليات الدينية، والنساء، والطبقات الأكثر فقراً، في سياق دفاعهم المخاتل عن ممارسات الإسلام السياسي؛ وبالطبع ينقض ادعاء مواجهة «الاستعلاء»، فهم في سياق مرافعاتهم الأيديولوجية، لا يقومون بإظهار جمهورهم «المهمّش» إلا بصفة الفاقد للأهليّة، الذي يعجز عن إنتاج ما هو أفضل من أنماط الأصولية والفاشية البدائية الدارجة. لا تحاول ناشطية التهميش «الارتقاء بالشعب» ليطابق مفهوماً سياسياً وثقافياً نخبوياً، بل «النزول» به، ليتماهي مع أكثر الممارسات همجية.
ربما آن أوان الخلاص من ناشطية التهميش، بمثقفيها وصائدي منحها ومؤثّريها، فقد كانت جانباً من مشهد مأساوي، عانت منه منطقتنا بشدة خلال العقدين الأخيرين؛ ونشرت مقولات وأدوات تفكير شديدة الرداءة، عطّلت القدرات النقدية، والطاقة السياسية لجيل أو جيلين من أبناء المنطقة؛ وما زالت حتى اليوم تلعب دوراً ذيلياً، لمصلحة قوى معرقلة لاستمرار الحياة. وقد يكون «الاستعلاء» على هذه الناشطية، للمفارقة الساخرة، الخطوة الأولى في مواجهة أثرها التخريبي.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية