الاستغناء عن تطوير القطاع العام في الأردن

لا أحد على مستوى الجمهور في الاردن يعرف اليوم اسباب خلفيات ذوبان وزارة مستحدثة منذ سنوات قليلة كان ينبغي ان تكون رائدة في مجال الاصلاح الاداري وتحمل اسم تطوير القطاع العام.
لا احد بالمقابل من المسؤولين في المستوى البيروقراطي يريد ان يلفت الانتباه إلى ان وزارة حيوية تذوب وتدفن بصمت تدريجيا فتبقى كجسم ومقر فيه بعض الموظفين مع مجموعة كبيرة من الوثائق الاصلاحية الادارية لكن دون أن تحظى باهتمام حقيقي من مركز القرار او حتى من رئيس او مجلس الوزراء.
وزارة تطوير القطاع العام في الاردن تعاقب عليها العشرات من كبار اللاعبين في السنوات الاخيرة وارتبطت مرة باسم وزارة ولدت ودفنت مبكرا معنية بتقييم الاداء الحكومي.
بين المشاهير الذين تولوا تأسيس هيكل وزارة تطوير القطاع العام وحملوا حقيبتها رئيس الطاقم الاقتصادي اليوم الدكتور عماد الفاخوري.
فجأة تحولت هذه الوزارة إلى ما يشبه دوري المظاليم، الامر الذي يؤشر على تجاهل دورها وحضورها وحتى ادبياتها ووثائقها وبصورة تظهر عدم الجدية مع ان كل الضجيج المثار بعنوان التطوير والاصلاح الاداري له علاقة مباشرة بعمل ووصفات هذه الوزارة المقموعة.
نعلم كأردنيين ما الذي يحصل عندما يقرر رئيس وزراء مثلا تسليم وزارة تطوير القطاع العام التي يفترض انها منتج اصلاحي اصلا كحقيبة اضافية او ثانية لوزير مشغول بحقيبة اخرى اكثر اهمية.
للأسف هذا ما حصل مؤخرا حيث أن وزيرة الاتصالات النشطة وذات الحضور الفاعل في مجال الاتصالات والتكنولوجيا المعلومات مجد شويكة هي نفسها وزيرة تطوير القطاع العام.
يبدو واضحا ان الوزيرة المعنية لا تزور الوزارة وتتابع بفائض الوقت المتاح شؤون وملفات هذه الوزارة التي كانت مهمة.
لا تلام الوزيرة شويكة على ذلك فهي اصلا منشغلة بملفات كبيرة لها علاقة بملف تحديات الاستثمار في قطاع الاتصالات وبملف الحكومة الإلكترونية الذي ثقب الاردنيون آذانهم من اجله دون ان يقدم لهم الحلق بعد.
يبدو مثيرا لشهية السؤال الاستفسار عن اسباب التجاهل البيروقراطي الكبير لوزارة تطوير القطاع العام ضمن مسلسل فوضى الحقائب رغم ان الاجتماعات الملكية المغلقة والمفتوحة وهموم الادارة برمتها معنية بهذه الوزارة.
سبق لي ان اطلعت في عهد ثلاثة وزراء لتطوير القطاع العام على الاقل على منجز وانتاج خبراء هذه الوزارة الخبيرة والرشيقة.
وبكل أمانة يمكن التصفيق للجهد الكبير الموضوع في اصدار وثائق مرجعية في البعد الاداري تتضمن بروتوكولات وتصنيفات وقيودا فنية وبرامج تقييم اداء وخطط اعادة هيكلة من النوع الذي نطالب فيه جميعا عندما يتعلق الامر بإصلاح الادارة.
آخر دليل مرصود على البؤس السياسي والبيروقراطي مع وزارة نوعية من هذا الصنف يمكن قراءته في اعلان نشرته صحيفة «الرأي» الحكومية ويتعلق بشروط اختيار وتعيين مسابقة وظيفية لها علاقة بمنصب الامين العام.
قبل هذا الاعلان كان شرط الامين العام في هذه الوزارة يتضمن ان يكون حاصلا على شهادة عليا في مجال الادارة او في مجال الهندسة الصناعية.. طبيعي جدا ان يتولى خبير ادارة وزارة معنية بالتطوير الاداري.
لكن الاعلان المشار اليه تضمن صيغة واضحة تشطب شرط الخبرة الادارية وتكتفي فقط بالهندسة الصناعية، الامر الذي قد يوحي ضمنيا بان العين على شخص محدد سيمتطي قريبا موقع الرجل الثاني في الوزارة التي يهملها وزيرها بحكم انشغاله بالاهم من وجهة نظره.
الغريب جدا ان صيغة الاعلان تخالف بوضوح البروتوكول المقر من قبل الوزارة نفسها سابقا لاختيار الوظائف العليا في هيكلها بحيث لا يحق لكبار موظفي الوزارة وخبراء واساتذة الإدارة الكبار التأهل اصلا لمسابقة الوظيفة.
ذلك يعني ان ضغطا سياسيا مورس في الداخل على مجلس الوزراء لكي تخالف وزارة تطوير القطاع العام الوثائق التي اعتمدتها هي واصبحت مرجعية بموجب اقرارها من مجلس الوزراء.
يحصل مثل ذلك كثيرا في الادارة الاردنية والاسباب تبقى مجهولة وهنا مربط الفرس لأن ما يحصل في الادارة العليا قد يكون مقنعا ومنطقيا إذا ما شرح للناس حتى يستوعب الجمهور بان الاصلاح الاداري الحقيقي يحظى بإرادة سياسية ولا يتعامل معه علية القوم باعتباره دعابة او مزحة او لعبة يمكن فقط التحدث عنها كما يحصل عندما يتعلق الامر بالإصلاح السياسي.
تآلفنا كأردنيين مع التذاكي والتلاعب بجزئيات الاصلاح السياسي ونقدر تلك الظروف الجيوسياسية والاجتماعية والاقليمية التي تدفع المؤسسات الرسمية للتعامل مع مستحقات الاصلاح السياسي وكأنها سهرة وناسة ومقررات وتوصيات قابلة للتأجيل.
بالمقابل عندما يتعلق الامر بالإصلاح الاداري لا يمكن فهم الاسباب والخلفيات التي تدفع لتكريس العبث ونمط عدم الجدية لأن المبررات التي تمنع الاصلاح السياسي الحقيقي لا يمكن اسقاطها على مساحة الاصلاح الاداري الذي يطالبه به الجميع من قمة ورأس الدولة إلى اعماق الفئات الاجتماعية حيث لا ذرائع او حجج تنفع في مثل هذا المقام.
غير معقول ان يكون المطلوب منا رؤية جسم وزارة لكنها غير موجودة في الواقع خصوصا إذا كانت وزارة قد تم تسويقها لنا باعتبارها من منجزات الاصلاح الاداري وتعتبر حلقة اساسية في تحديث وعصرنة البنية البيروقراطية.
للأسف انضمت وزارة تطوير القطاع العام إلى متحف الوزارات المهملة او التي يتم التعامل معها كتحصيل حاصل وفي ركن المؤسسات المهملة قد تسهر وزارة تطوير القطاع العام إلى جانب شقيقتها وزارة الثقافة او شقيقتها الكبرى وزارة الزراعة او إلى جانب ابنة عمها المتصابية وزارة البيئة.
لا حاجة لنا كمواطنين بهياكل وزارية غير موجودة في الواقع ولا بحقائب وزارية لا يوجد لها في الاساس وزراء او يوجد وزراء منشغلون عنها ويتلاعبون بها وفقا لمزاجهم الشخصي.
طبعا نفترض حسن النية في المؤسسات ونفترض ان ما يحصل بخصوص الوزارات المدفونة ليس اكثر من خطأ في الاجتهاد لكن هذا الخطأ ينبغي ان يتوقف الآن.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الاستغناء عن تطوير القطاع العام في الأردن

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية