الاستقرار المستحيل في غياب الحقوق الفلسطينية والكردية

قضيتان محوريتان تؤرقان الشرق الأوسط، هذا مع عدم انكار أهمية القضايا الأخرى، وتأثيرها على المواقف السياسية لدول الإقليم التي تسعى من أجل توظيفها لصالح أجنداتها، واستخدامها أوراقاً تفاوضية وقت اللزوم.
والمعني بهاتين القضيتين: القضية الفلسطينية والقضية الكردية، ولكل واحدة منهما خصوصيتها وصعوباتها وتحدياتها.
وقد جرت محاولات دولية وإقليمية لحل القضية الأولى، وتم التوصل إلى توافقات مبدئية بشأنها، لتكون مدخلاً لحل منشود ممكن، لن تستقر المنطقة من دونه. ومن هذه التوافقات أو الاتفاقيات المبدئية: اتفاقية أوسلو 1993 رغم سلبياتها الكثيرة، وهي الاتفاقية التي مكّنت الفلسطينيين بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية من امتلاك قرارهم، ولو في حدوده الدنيا، وذلك في سياق صراع مرير مع نظام حافظ الأسد الذي كان يريد بشتى السبل، وعبر تشكيل البدائل، الاحتفاظ بالورقة الفلسطينية، ليحظى بمكانة استراتيجة في الحسابات الإقليمية، كما يفعل النظام الإيراني في يومنا هذا.
وقبل أوسلو كان مؤتمر السلام في مدريد عام 1991. ومن ثم كانت مبادرة السلام العربية 2002 وهي في الأصل مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز. ولكن مع غياب القيادات المؤثرة القادرة على اتخاذ القرارات الصعبة  في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهي القيادات التي كانت قد وصلت إلى قناعة بأهمية الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، دخلت القضية المعنية مرحلة السبات الطويل، حتى اعتقد العالم بأنها قد انتهت لصالح إسرائيل؛ وكان الحديث عن صفقة القرن في عهد الرئيس الأمريكي السابق ترامب؛ وكانت اتفاقيات التطبيع العربية التي لم ينتفع منها الفلسطينيون .
وظل الوضع على هذا المنوال إلى ان كانت عملية «طوفان الأقصى» ومن ثم كانت الحرب الإسرائيلية على غزة التي تسببت حتى الآن في قتل نحو 50 ألفاً من المدنيين، وجرح وإعاقة مئات الآلاف إلى جانب تدمير العمران والبنية التحتية؛ فاستعادت القضية الفلسطينية حيويتها رغم كل المآسي التي ألمت بالمدنيين الغزيين، لاسيما الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى منهم.
أما القضية الثانية التي لا تقل أهمية عن القضية الأولى، بل هي أكبر من جهة الحجم البشري والجغرافي، هذا بالإضافة إلى التعقيدات الإقليمية المحيطة وتداخلاتها، إلى جانب الاهتمام الدولي بها. ولكن الفارق بين القضيتين هو أنه في الحالة الفلسطينية توجد دول عربية تمتلك موارد وثروات كبيرة، وتهيمن على ممرات مائية حيوية، وتتمتع بموقع جيوسياسي لا يمكن للعالم تجاهله؛ كما لا يمكن للدول المتقدمة صناعياً أن تستغني عن الثروات العربية خاصة النفط والغاز.
من جهة ثانية، يلاحظ أن الحكومات العربية، مضطرة من حين إلى آخر مراعاة المزاج الشعبي الضاغط ، فترفع الشعارات الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وتحاول الضغط في المحافل الدولية ضمن حدود المسموح والمستطاع، من أجل الوصول إلى حل ما، أو حتى الحصول على وعد، أو وعود، بمشروع للحل، هذا ولو أن حرب غزة أثبتت هلامية التأثير العربي، واخفاق الدول العربية في هذا المجال.
ومن بين ما يميز القضية الفلسطينية عن القضية الكردية علاوة على ما تقدم، هو أن الأولى تحدياتها وجودية، بينما الثانية لم تصل إلى هذه المرحلة رغم وجود نوايا، وتطبيق سياسات بهذا الخصوص.
كما أن الأولى تشكلت، واستمرت، وتفاقمت بفعل مشاريع القوى الدولية بالدرجة الأولى، لا سيما بريطانيا، ومن ثم الولايات المتحدة الأمريكية؛ في حين أن الدول الإقليمية، خاصة تركيا، وإيران إلى حد ما، أسهمت، في رسم ملامح القضية الكردية العامة الراهنة، وذلك من ناحية تقسيم الاجتماع والجغرافيا الكرديين بين أربع دول في الإقليم هي: تركيا، إيران، العراق، سوريا، وكان ذلك أولاً بفعل التوافقات التي تمت بين الامبراطوريتين العثمانية والصفوية في قصر شيرين عام 1639 والاتفاقيات التي كانت لاحقاً بين تركيا والحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى، وهي اتفاقيات ظلت في إطارها العام ضمن دائرة اتفاقية سايكس بيكو بين كل من بريطانيا وفرنسا.
ومنذ ذلك الحين، لم تعرف مناطق كردستان، ذات الأغلبية الكردية في الدول المعنية، الاستقرار وإنما كانت هناك الثورات والانتفاضات والحملات العسكرية، إلى جانب عمليات الإعدام الجماعي، والأنفال والهجمات الكيماوية؛ هذا بالإضافة إلى التدمير والتهجير والتغييب.
وكان الكرد قد تفاءلوا خيراً بأنباء عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني في عهد تورغوت أوزال في تسعينات القرن الماضي، وقبل ذلك في عهد سليمان ديميريل، وبعد ذلك في عهد أربكان. ولكن المباحثات الأهم الواعدة كانت في عهد حكم حزب العدالة والتنمية؛ وكانت هناك رغبة تركية جادة في ذلك الوقت للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بطريقة ما، لذلك قامت حكومة حزب العدالة باتخاذ خطوات جريئة قياساً إلى العهود السابقة، تمثلت في فتح أقسام اللغة الكردية وثقافاتها في الجامعات، والسماح بحرية النشر، والبث التلفزيوني والإذاعي الخاصين بالكردية، إلى جانب اعتماد سياسة غض النظر عن جهود تعليم اللغة الكردية من قبل الجمعيات والمؤسسات التربوية الخاصة؛ هذا بالإضافة إلى فتح قناة تلفزيونية كردية رسمية، وتخفيف الضغوط عن المناطق الكردية، والاهتمام بها، لتكون مستقبلاً جزءاً حيوياً فاعلاً لمصلحة تركيا بأسرها.
ولكن الذي حصل هو أن تلك العملية تعثرت، واندلع الصراع مجدداً؛ وكانت الاغتيالات وعمليات حفر الخنادق من قبل أعضاء وأنصار حزب العمال في المدن الكردية، إلى جانب التهجم على سياسات حزب العدالة والتنمية، الأمر الذي أكد وجود جهة ثالثة لها قدرة التأثير على حزب العمال، ومتضررة من أي اتفاق سلام بين تركيا وكردها، والمقصود بهذه الجهة إيران بالدرجة الأولى، وبعض المراكز المؤثرة في الجيش التركي والأجهزة الأمنية التركية، إلى جانب قيادات في حزب العمال ممن أدركوا أنه لن يكون لهم دور بعد انتهاء القتال، بل ربما يتعرضون للمساءلة والمحاسبة.
وهكذا أُغلق ملف المفاوضات الخاصة بالقضية الكردية، ولم يسع حزب العدالة البحث عن شركاء كرد آخرين، رغم وجودهم، سواء من الأحزاب أو النخب المجتمعية ورجال الأعمال والباحثين والمفكرين ورجال الدين وغيرهم، ولم يحاول الحزب ذاته تقديم مشروع يلخص وجهة نظره حول القضية الكردية في تركيا، بل تعامل مع الموضوع الكردي وكأنه غير موجود.
أما عن العلاقة بين تركيا والمجتمع الكردي السوري على المستويات المجتمعية والتجارية وحتى التعليمية فهي علاقات لم تنقطع في أي يوم. وخلال أعوام الثورة السورية، انتقل الكثير من الكرد السوريين إلى تركيا، حيث حصلوا على الجنسية التركية استناداً إلى قيود أجدادهم؛ واستقروا هناك، وهم اليوم يمارسون مختلف الأعمال. ومستقبلاً ستستمر هذه العلاقة رغم الحملات التضليلية والعدائية المبالغ فيها التي يسوّقها إعلام حزب العمال الكردستاني عبر واجهاته السورية، حتى أن تلك الحملات أثرت في الكثير من الناس ممن يجهلون التاريخ وأهمية الجغرافيا، ولا يفهمون مدى حيوية المصالح الاقتصادية، ودرجات التداخل بين المجتمعين الكرديين في كل من سوريا وتركيا. فقد كانت المنطقة خلال العهود الإسلامية المختلفة، ومن ثم في ظل الدولة العثمانية في ما بعد، موحدة، ولكنها تعرضت للتقسيم لاحقا بعد الحرب العالمية الأولى كما أسلفنا.
وقد نصت الاتفاقيات الفرعية التي كانت ضمن إطار اتفاقية سايكس بيكو على حق المواطنين في كل من تركيا الحديثة التي قامت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وسوريا الدولة المستحدثة، في اكتساب جنسية إحدى الدولتين، والاحتفاظ في الوقت ذاته بأراضيهم الزراعية في الدولة الأخرى، كما اعترفت بحقهم في نقل البذار والمواشي بين الدولتين من دون أي عرقلة، وكل ذلك لم يتم تطبيقه في الواقع العملي.
بقي أن نقول: إن حل القضية الكردية في تركيا على أسس عادلة سيسحب البساط من تحت أقدام حزب العمال الكردستاني، الذي تحول في واقع الحال إلى أداة بيد القوى الإقليمية والدولية، ينفذ مشاريعها، ويلتزم بأوامرها، وهو يتصرف في هذا المجال كشركة أمنية، بعد أن تخلى عن أيديولوجيته اليسارية، ومطالبه القومية، وبات حزباً براغماتيا، على استعداد كامل لعقد الصفقات مع إيران في العراق، ومع الأمريكان في سوريا. وفي الوقت ذاته يتعامل مع الأجهزة الأمنية السورية رغم الشعارات الكبرى البراقة التي يحاول من خلالها التغطية على حقيقة دوره الوظيفي، والمهام التي قد كلف بها.
وبالعودة إلى ما بدأنا به حديثنا هنا؛ يُلاحظ أن تسليط الضوء على القضية الفلسطينية في مرحلة ما قد يساهم في تخفيفة على القضية الكردية، والعكس صحيح، وهذا أمر طبيعي؛ ولكن مع ذلك لا بد من الاعتراف بأنه من دون الوصول إلى حل عادل لهاتين القضيتين، مع مراعاة خصوصية كل قضية بطبعية الحال، ستظل منطقتنا في عين العاصفة بفعل تعارض برامج ومشاريع القوى الإقليمية والدولية المتربصة.
*كاتب وأكاديمي سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية