بذل الناقد محمد جبير جهدا ملحوظا في تحضير وتقديم تسمية جديدة لطرحه النقدي «الرواية الاستقصائية» من خلال التحليل والتعريف المقارن بين الصحافة الاستقصائية كونها الحقل الأصلي للمصطلح ومن ثم عملية ترحيل المسمى إلى الفن الروائي وما يقتضيه من نسق سردي جديد في إطار الدرس، وزاده على المستوى التطبيقي اختيار نماذج روائية من الراحل سعد محمد رحيم، لكنه كان حذرا جدا عبر تطبيقاته في ترسيخ ما هو استقصائي سردي في العمق، بالقدر الذي سعى فيه إلى ما سماه الإطاريات والمقاربة بين المدخل والإجراء فإذا كانت مادة التحليل والتعريف المقارن بين النصين الإعلامي والروائي قد نضجت إلى الحد الذي تفرز صيغة جديدة معينة لتؤشر تفّهم الاستقصاء الروائي وعلاماته في النص أو الخطاب، فإن المعالجة التطبيقية جاءت في حدود تأطير فنية أو تقنية من الضروري استكمالها في درجة التأثير في الواقع، أو نسبة خطابها مع الواقع، وربما هذه الصيغة التي أنشأها جبير تجعل الباحث ـ أي باحث – أن يتصدى لاستكمالها على المستوى التطبيقي في أكثر من اتجاه حكائي وقصصي ولحيثيات عديدة في مجملها، إن النقدية العراقية لم تعتد نحتا اصطلاحيا داخل بيئة الثقافة بسبب من تلاحق التيارات الوافدة التي تحمل منظوماتها المعرفية معها وتعبئ مع التغليف الحسن من يتصدى لها بالضرورة ما وصم الفكر النقدي العراقي بالتراجع والاقتصار على ما هو مدرسي وأكاديمي من جهة، وبعض المحاولات التبيئية التي لم تلق اهتماما من جهة أخرى، ومنها على سبيل المثال محاولة الناقد إسماعيل إبراهيم التي تسعى إلى تطبيع الفكر النقدي مع البيئة الثقافية.
يعمل التحقيق الاستقصائي في تغيير الصور النمطية للدول من خلال فضح معلومات خفية عنها.
ولعل من أهم ما تناوله جبير في كتابه الجديد «الرواية الاستقصائية/تأصيل المصطلح وتطبيقاته» هو الإسهاب في تبيين ما هو إجرائي فني من خلال بناء النص الإعلامي والروائي في تقنية الاستقصاء والبحث والتعقب والتقفي من جهة، في ما تتجلى عملية التلقي من جهة أخرى بوصفها بيانا لنوع النص الإعلامي أو الروائي، وبذلك فإن هدفية الاستقصاء في الإعلام غيرها في الرواية من الجانبين الفني والتقني، ربما يشتركان في أكثر من عنصر ظاهري بين الواقع والخيال، ووحدات بناء النص، ولكن تأثيرهما في النهاية ما يحدثانه من تغيير في الرأي العام الإعلامي والأدبي، فالصحافة الاستقصائية باشتراط علم الاتصال تبحث وتطرح شبكة من المعلومات الجديدة الموثقة التي تكسر الذهنية السائدة عن إدارات الدول والطبقات السياسية وتفاجئ الرأي العام بصورة جديدة لم تعد نمطية، أي أن الصحافة هنا هي التي تظهر ما خفي من الواقع وتجعله حقيقة حية تتجسد في سلوك الرأي العام نفسه، فضلا عن أن السلطات لم يكن بمقدورها النفي والإنكار لما تحمله الوثائق المسندة بالتقنية الإلكترونية.

إذن، كان الاستقصاء الروائي من خلال تمهيد الناقد محمد جبير الإجرائي يقود إلى نقطة ما قصية في العمل السردي، سوف يستدعيها النص من خلال تشاكل بنياته إلى النص نفسه، كما يعبر الكاتب في بداية ونهاية الكتاب «من النص إلى النص» وإذا كانت الصحافة الاستقصائية تستند في تشاكل وإظهار شبكة المعلومات الخفية مع الواقع، فإن النص الروائي الاستقصائي يتقفى نقطته القصية، من خلال صيرورته الفنية واكتشافها عبر عملية الخلق داخل بناء النص.
ومع ذلك، فان هذا ليس كل شيء، على سبيل المثال لقد استدعى بطل الجريمة والعقاب نقطة قصية مخفية تماما عن السياقات القضائية الدولية عبر صيرورته الفنية وقتله المرابية العجوز، إذ تستطيع الجريمة أن تمضي بمرتكبها الخبير والعارف بالقانون في مسح الآثار وإعماء البصيرة الجنائية ما يجعله هو الآخر، يمضي بجريمته بدون أن يطاله العقاب، غير أن الرواية لا تنتهي عند هذا الحد عبر هذه الشخصية المعروفة، إنما تبحث عن استقصائها المنشود في معيار الضمير المختبئ فيظهر، والراكد ليهتز حتى يكتسح النظام الجنائي بأجمعه ويغدو أعلى من القانون ما مهد لفقهاء القانون الدولي اكتشاف هذا المبدأ «الضمير أعلى من القانون» وأضافوه إلى متبنياتهم الأساسية من خلال هذه الشخصية في رواية «الجريمة والعقاب» لدستويفسكي، لقد انتقلت النقطة القصية من الرواية لتبلغ مداها في القانون الدولي ولولاها لم يتحرك الفقه القضائي هذه الخطوة.
إذن النص الذي يستدعي نقطته القصية يؤثر فيها كثيرا بالواقع، كما يعمل التحقيق الاستقصائي في تغيير الصور النمطية للدول من خلال فضح معلومات خفية عنها.
ولكن ماذا لو كان الاستقصاء معكوسا، أي تتحرك النقطة القصية من الواقع – واقع التسلط المطلق- لتغدو على نحو معين اشتراطية مكبلة للنص الروائي، وهذا ما حدث للرواية العراقية في جل مراحلها السابقة قبل 2003، حيث تعمل المنظومات الأيديولوجية التسلطية على توجيه رسائلها إلى المباني الروائية، لتشكل عناصر طبيعتها وحركة شخصياتها وشكل تحديثها، وتعكس صوتها السري الزائف لتجميل نزوعها التسلطي، الانقلابي والدموي من خلال شرعات الأمل وأوهام استشراف المستقبل وإيقاظ أحلام الفقراء، فكانت السلطات العراقية قد خطفت الرواية من قاعدة المجتمع والطبقة الوسطى في بدايات القرن الماضي، وألحقتها ببنائها الثقافي، ولذلك تجد تلك المباني الروائية قد آلت سريعا للانهيار في إثر منظوماتها، وظل المجتمع العراقي مرتعا متخيلا واسعا لم تبلغه الرواية بعد كما بلغته على نحو معين روايات عربية مماثلة في قراءة إيقاع مجتمعها عبر عقود حديثة، بحيث تجاورا أو مضيا في مسافة متقاربة.
ومن أغرب ما حدث في العراق بعد عملية خطف الرواية وتكبيلها، هو علو قامة القص القصير على عمارة الرواية وخطفها لها وتكبل القصة القصيرة أيضا ووقوعها في المشكلة، إذ اتجه الروي لتكثيف رؤيته الأصيلة في مضمار القصة القصيرة لأن فيها إمكانية للالتفاف والتحايل الفني على الرقيب واختزال الأحلام مثل تشفير وألغاز عالم في ما يشبه الغيبوبة، وكانت أغلب الروايات العراقية الخارجة عن المنظومات الأيديولوجية قد كتبت وفقا لمعايير القصة القصيرة، فضلا عن تسيد القصة القصيرة.
حقا نحتاج إلى جدل استقصائي جديد.
٭ كاتب عراقي