الاستقواء بالخارج أم استضعاف الداخل؟
د. خالد شوكاتالاستقواء بالخارج أم استضعاف الداخل؟ تهمة الاستقواء بالخارج، التي عاد إلي ترديدها نظام الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا، بمعية بعض الأنظمة العربية المشابهة، لإدانة القوي السياسية الساعية إلي التغيير الديمقراطي، تهمة مخجلة وبائسة تفضح واقع مردديها أكثر مما تمس من قيمة ومصداقية المتهمين بها، فقد كانت هذه الفرية تاريخيا قرينة الأنظمة الاستبدادية الآيلة للسقوط، ونذير الشؤم الذي ينعق به كل من أدركته النهاية المحتومة نتيجة ما ارتكب من كوارث وآثام وجرائم في حق بلده وشعبه وعصره.ولكل متأمل في سير الملوك والرؤساء، أن يصل إلي هذه النتيجة الفاضحة، إذ ليس ثمة نظام ديمقراطي عادل تسلح في مواجهة معارضيه بتهمة الاستقواء بالخارج هذه، بينما كان الطغاة القدامي والجدد وحدهم من سخروا زورا مثل هذه الترهات، التي يدرك أصحابها قبل غيرهم أنها مفبركة وفاسدة وحتي مضحكة، ومن عمل باستمرار للهروب من مواجهة المشكلات والقضايا والاستحقاقات الحقيقية المطروحة، إلي اختلاق أسباب وتعلات ومسرحيات سيئة الإخراج بهدف قلب الحقائق وتمييع وتسويف المطالب ومواصلة القبض علي السلطة بلا حق أو شرعية. وحدها إذن الأنظمة الطغيانية التي لا تكل ولا تمل من الزعم بوجود مؤامرات تتوخي قلب نظام الحكم بالقوة، والتخابر لصالح جهات أجنبية من أجل زعزعة أمن الدولة، والعمالة لقوي دولية تحركها غيرتها من إنجازات السيد الرئيس العظيمة وعبقريته التي غطت علي العالم بأسره وتوجيهاته ونصائحه التي حرمت باقي شعوب الأرض من الاستفادة منها، فتحركت باتجاه استمالة ناكري الجميل والمعروف ومرضي القلوب وضعاف النفوس لضرب نهضة وتقدم وعمار أوطانهم السعيدة بحكم الخالدين والقادة والرموز التاريخيين.الرئيس بشار الأسد أبدي في احد حواراته الأخيرة مع صحيفة غربية، أنه مستعد لتحريك سريع لكافة الملفات الخارجية، والمقصود أولا ملف السلام والتطبيع مع الدولة العبرية، فضلا عن ملفي العراق ولبنان بطبيعة الحال، أما الملف الوحيد الذي يتطلب علاجا متأنيا حسب الزعيم السوري، بالنظر إلي الظروف الداخلية غير السانحة، فهو ملف الإصلاح السياسي والديمقراطي، الذي ربما استحق أربعة عقود أخري هي عمر الرئاسة المفترضة للابن، قياسا برئاسة الزعيم الأب.قول الرئيس بشار ليس شاذا في السيرة الرئاسية العربية، فعدد كبير من الرؤساء العرب يرددون الحجة ذاتها، ويستشهدون بما يجري في العراق للتأكيد علي مصداقية حججهم التأجيلية التي لا تنتهي، فالعرب برأي رؤسائهم ـ وخلافا لما تعتقده الدكتورة كوندوليزا رايس ـ ليسوا مؤهلين لحكم أنفسهم بأنفسهم، وهم لا يحتاجون إلا إلي الغذاء والدواء كما قال صديقهم جاك شيراك، والسوريون وأشقاؤهم العرب لديهم ـ ولله الحمد ـ قدر لا بأس به من الكلأ والأسبيرين.المعارضة الديمقراطية السورية ـ وعموم المعارضات العربية ـ ملامة كل اللوم لأنها تحاول جاهدة شرح أوضاع بلدانها للعالم، وهي ملامة أكثر لأنها تسعي إلي فتح نوافذ للنور والهواء والماء في جدران بلدانها التي تحولت إلي ما يشبه السجون الكبيرة، وهي تستحق الجلد الجماعي لأنها لم تتورع عن خدش صور أنظمتها الزاهية والمساس بمصالح أوطانها العليا في الخارج، لكون صبرها قد نفد ولم تنتظر خمسين سنة أخري لتكون ظروف المجتمع مهيأة لإجراء إصلاحات سياسية تعزز منظومة حقوق الإنسان والديمقراطية.مثقفو السلطة العربية يتهمون قادة المعارضة والمجتمع المدني بالاستقواء علي بلدانهم باليورو والدولار، وهم محقون كل الحق في اتهامهم هذا، فقد كان علي هؤلاء المعارضين البحث عن فرص لهم داخل بلدانهم والسعي إلي القبض بالجنيه والدرهم والدينار، أما العملات الصعبة فالحري بهم تركها إلي بنوك الأنظمة المركزية والتجارية، وعائدات الصفقات الوديعة الآمنة المودعة بأرقام سرية في المؤسسات المالية السويسرية.الصحف السلطوية ووسائل الإعلام الرسمية العربية تشيد بصداقات الأنظمة مع الدول الغربية، وتقدير هذه الدول للإنجازات الرئاسية وللأدوار الطليعية للإخوة القادة والزعماء، لكنها في الوقت ذاته تشن حرب إدانة ضروسا لكل من لم يعرف قدره وحاول تزويد الغرب بقراءات ورؤي ووجهات نظر مخالفة للفرمانات السلطانية، ولا يجد محدود الفهم قدرة علي فهم نقص الثقة في النفس هذا، وكثرة الجزع من ثرثرات معارضين لا قيمة شعبية لهم، في مجالس ديبلوماسية ضيقة. بطولات بعض الأنظمة العربية في مواجهة القوي الامبريالية الدولية، تبدو مفارقة في غالب الأحيان، فهي صديقة هذه القوي وأثيرة لها وعزيزة جدا علي قلبها في نشرات الأخبار التلفزية، بينما تظهر معجزة في التصدي لمخططاتها الشريرة والتضامن مع الشعوب الشقيقة المحتلة من قبل قواتها وإبطال مؤامراتها علي دول العروبة المستقلة، في مقالات الصحافة المكتوبة وافتتاحيات رؤساء تحريرها الجهابذة، الذين ما انفكوا يبكون بمرارة الزعيم الخالد الأسير، ولا يمانعون أبدا في تلبية دعوة لطيفة من ممثلي الامبريالية العالمية وشرب كأس من النبيذ مع قليل من السلمون المدخن أو الكافيار في احتفالات الرابع من تموز (يوليو) من كل سنة. في بعض الدول العربية التي كتب لها معايشة عمليات انتقال نحو الديمقراطية، مثلما هو حال المغرب أو لبنان، اكتشف أن عملية الاستقواء بالخارج قد توقفت ـ للأسف الشديد ـ بمجرد قيام حكومة ديمقراطية منتخبة، وأن المستقوين بالخارج يمكن أن يكونوا وزراء أولين ووزراء ونواب في البرلمان ومواطنين صالحين يعملون بجد من أجل نهضة بلدانهم، ولا يعلم إلي حد الآن ما إذا كان التقدير السابق القائل بأنهم عملاء وخونة للوطن هو الصائب، أم التقدير الحالي بأنهم بناة ديمقراطية وبلد جديد يسع كافة أبنائه لا يخشي الخارج، لأنه مطمئن للداخل وواثق فيه تماما.وفي بعض الدول غير العربية أيضا، كالبرتغال واسبانيا واليونان وتشيلي وأوكرانيا وألبانيا، تحولت حكايات الأنظمة الديكتاتورية السابقة، وخصوصا ما دون في سجلات الأجهزة الاستخباراتية العتيدة منها، إلي أعمال كوميدية ساخرة، تذكر الأجيال الجديدة بغباء الحكام البائدين، الذين جعلوا من مجرد توجيه لاقط البث التلفزي نحو الغرب جريمة يعاقب عليها صاحبها بعشرات السنين من السجن والأعمال الشاقة.نظام الرئيس بشار، وأنظمة أشقائه من الذين يصرون علي السير في الاتجاه المعاكس لنسق التاريخ، لم يكلف نفسه عناء السؤال عن دوافع استقواء مواطنيه بالخارج عليه، علي افتراض أن هذا الاستقواء موجود من الأصل، تماما كما قد يتساءل أهل النظام في هولندا أو بلجيكا أو فنلندا عن دوافع مواطنيهم في حال ارتكبوا الجريمة ذاتها.في العالم العربي، تسمح الأنظمة لنفسها بالتسلط، ومصادرة الحريات، وانتهاك الحقوق، واحتكار وسائل الإعلام، والزج بالمعارضين في المنافي والسجون والمعتقلات الرهيبة، وتجيير الثروة الوطنية لمصلحة العائلات الحاكمة، وتزييف الانتخابات، وتهميش القضاء والمؤسسات، والعبث بالدستور والقوانين، وإرهاب المواطنين وبث الخوف والذعر فيهم، والتفريط في الممتلكات العامة وتوقيع عقود دولية ومحلية مشبوهة، وإغراق البلاد والأجيال القادمة في الديون، وتأليه الحاكم وتأبيده علي الكرسي، وفي مقابل كل ذلك تطلب من معارضيها أن يصبروا علي القسوة والطغيان والجبروت، وأن لا يحدثوا أنفسهم حتي بمجرد نقل صورة صحيحة إلي ما وراء الأسوار عن بلادهم السعيدة، أم أن الخارج لا يصبح سيئا ومتآمرا إلا إذا حدثه المعارضون؟ ثمة طريق واحد لقطع الطريق أمام الذين يستقوون بالخارج علي بلدانهم، هو طريق عدم استضعاف الداخل بإتاحة المجال أمامه للتعبير عن نفسه واختياراته بكل حرية ونزاهة ومساواة، لكن هذا الطريق كريه علي الأنظمة العربية القائمة يستدعي دوام ذمها، وتكله أعين القادة العظام حماة جبهة الصمود والتصدي الأشاوس، فلا نامت أعين المتآمرين المستقوين بالخارج الجبناء…ہ كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطيةفي العالم العربي ـ لاهاي8