الاستهتار بحياة الادريسي في ‘بكره’ وربيع عربي مفاجئ في باريس

حجم الخط
0

عادل العوفيقليلة جدا بل نادرة تلك الأغاني الموجهة للإنسان وحريته وكرامته وتجعل من الانتصار لحقوقه هدفها الاسمى، وحتى وان وجدت فإنها تجعل من كل تلك القيم مجرد غطاء لتمرير أشياء أخرى هي ابعد ما تكون للنبل والإحساس بالمسؤولية.

ومؤخرا صارت موضة جمع عدد كبير من المطربين في اوبريت للغناء من اجل مناسبة أو حدث ما أمرا شائعا رغم أني شخصيا لم انجذب إلا لأعمال المخرج المصري احمد العريان والتي لاقت نجاحا كاسحا على الصعيد العربي والدليل أن اوبريت ‘الحلم العربي’ على سبيل المثال لا تزال تحظى بشعبية استثنائية رغم أن سنوات عديدة مضت على إنتاجها في بادرة طيبة ومجهود يستحق الثناء وفي زمن يعتبر الأحلام جريمة كبرى لا تغتفر كيف لا وأنت في حضرة أنظمة لا ترحم وتأتي على الأخضر واليابس من اجل إرساء وتثبيت ‘ديكتاتورياتها’ عفوا اقصد ‘ديمقراطياتها’. وفي سعيي الدائم وراء البحث عما أصنفه الأجود استوقفتني الدعاية الضخمة والهائلة لاوبريت تحت مسمى ‘بكره’ ولأني إنسان لا استسلم بسهولة وأهوى النبش في هكذا أشياء خصوصا حينما علمت أن منتج العمل هو الأمريكي كوينسي جونس، طبعا هذا فتح الباب على مصراعيه للعديد من التساؤلات من قبيل ما الهدف الأساسي والغاية من إقدامه على هذه الخطوة؟ وما قصة انسحاب الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي التي شاركت في كتابة كلمات الاوبريت بالتعاون مع الشاعر حبيب يونس بعد علمها بإمكانية عرضه على فضائيات إسرائيلية؟ وهذه النقطة تحديدا ستضع معادن الكثير من الفنانين المشاركين فيه أمام اختبار حقيقي في مدى الولاء والانتماءوالوطنية الصادقة طالما أن الأمر يتعلق بالكيان الصهيوني ومسألة التطبيع معه بأي شكل من الأشكال، بالمقابل استغرب ألا يقابل قرار المطربة اللبنانية بما يستحق من تحية وهي أصلا المعروفة بمواقفها المشرفة دوما في زمن تفاهة وسطحية الغناء العربي، ولعل الأمر الأخر الذي يبعث على الضحك (وشر البلية ما يضحك كما يقال) هو تهافت بعض الفنانات للإعلان عن انبهار المنتج الأمريكي (عبقري زمنه) بأصواتهن كشهادة ‘بل وسام’ يعتززن بها كثيرا، وهذا ما زاد من حدة شكوكي أن الانضواء تحت عمل يشكل جونز مهندسه الأول ربما هو الذي دفع بالكثير من الفنانين لقبول المشاركة في الاوبريت كيف لا وهو الحائز على جائزة’غرامي’ عن النسخة الانكليزية من ذات المشروع.

وكلنا يعلم جيدا الصراعات الخفية والمعلنة التي يخوضها الفنانون العرب في ما بينهم قبل المشاركة في أي اوبريت والتي غالبا ما تكون مادة دسمة للصحافة وعلى أشياء لا يمكن وصفها إلا بالتفاهة من قبيل وضع الاسم في تتر العمل ومساحة الظهور وغيرها من الأشياء التي تترك انطباعات سلبية لدى المشاهد، وهنا يبرز جليا أن الهدف المعلن عنه وراء المشاركة وكل تلك القيم التي يدعونا أنهم يسعون إلى ترسيخها في أعمالهم هي أصلا خارج التصنيف لديهم، وفي هذا الإطار بالذات لم نجد في كلمات الأغنية جديدا يذكر عكس كل تلك الضجة التي صاحبتها فالغناء للسلام والأمل وغيرها من الشعارات ليس بشيء جديد علينا وللأسف نخرج بذاتالنتيجة وطرحها في هذا الوقت بالذات سيف ذو حدين والعالم العربي يعيش حراكا وانتفاضات غير مسبوقة في تاريخه ثم اليس جديرا بهؤلاء مخاطبة ومسايرة واقع الإنسان العربي الراهن الثائر في وجه أنظمة قمعية لا ترحم وشباب يواجه الموت بصدور عارية جعلته حديث العالم بأسره، وربما هذا السبب تحديدا له تأثير كبير لدى بعض الفنانين الذين اختاروا الوقوف بجانب الطغاة ضد إرادة الشعوب التي انتصرت وستنتصر في نهاية المطاف كحال تامر حسني في مصر مثلا واعتبروها الفرصة المناسبة لكسب ود الجمهور وعربون مصالحة، عموما كثيرة هي التساؤلات التي خلفها هذا العمل وراءه لتكون خير دليل على الفنانين العرب يعيشون في كوكب أخر وغير مدركين لحقيقة ربما يعتبرونها مرة ويحاولون التهرب منها بشتى الطرق وهي أننا نعيش عصر خلاص الإنسان العربي من الخوف الذي استوطنه لفترة طويلة من الزمن مما يعني حتمية التغيير في كافة المجالات وهنا يبرز دور الفن والفنانين لمواكبة كل هذه المتغيرات.

نقطة أخرى اعتبرها مؤلمة حقا وهي رؤية عملاقة من حجم المطربة المغربية الكبيرة السيدة حياة الإدريسي وهي تظهر في مشاهد جد بسيطة وليست في مستواها البتة وهنا استغرب لماذا لم تعطى حقها الكامل كباقي الذين يصنفون نجوما الغناء العربي حاليا؟ قمة الاستهتار والعبث.. مهرجان ربيع السينما العربية: لماذا باريس؟

من الطبيعي جدا بعد أية مرحلة مهمة من تاريخ أي امة أن نلجأ إلى توثيق تلك الحقبة خصوصا وان أفرزت متغيرات ومعطيات كبيرة وقلبت الموازين وأرخت أسلوب حياة جديدة ومفاهيم جديدة بعد فترة طويلة من العيش تحت واقع مرير للتخلف والجهل والقمع فيه النصيب الأكبر وفي شتى المجالات، ومن هنا يتجلى دور الفن في مجاراة هاته التغييرات وطرحها وان اختلفت التأويلات بين مؤيد لضرورة انتظار نتائج ومستقبل هذه الثورات لان المشوار أمامها لا يزال طويلا (وما تعيشه مصر حاليا اكبر دليل) ومعارض لكيفية هذه المعالجة ويرى فيها نوعا من الإجحافوالبحث عن الربح التجاري على حساب القيمة الأخلاقية لهاته الثورات.

ولأنني من أنصار الفن الجاد الملتزم فقد كنت متربصا وأتحين الفرص لاصطياد أعمال فنية تناقش الواقع العربي الذي يعيش أزهى حالاته بانتفاضة شعوبه التي سئمت من حكام الفساد والظلم والجبروت، وفي لحظات انتظاري تلك فاجأتني قناة فرنس 24 بتغطية مكثفة لمهرجان قالت انه يحمل اسم ‘ربيع السينما العربية’ طبعا فور علمي بان باريس هي محتضنة التظاهرة لم يبقى للدهشة مكان كيف لا والقناة تدين بالولاء لفرنسا؟ والحقيقة أني دائم التوجس لكل ما يرتبط بفرنسا تحديدا لذلك كنت أتابع يوميات المهرجان وقلبي شديد الانقباض وأسئلة عديدة تلح علي من قبيل كيف لباريس الغارقة حتى العظم في فضائح يندى لها الجبين تمس الإنسان العربي الذي هو نفسه تدعي الاحتفاء بتحريره وتخليصه من قبضة طغاة هي ذاتها من نصبتهم بل إن أياديها ملطخة في جرائم مشتركة معهم؟

ومن الأشياء التي أثارت الانتباه هي الإقبال اللافت للمبدعين السوريين لعرض أعمالهم وعلى رأس الحضور المخرج القدير هيثم حقي والذي عبر عن امتعاضه لمنع فيلمه ‘الليل الطويل’ من العرض داخل بلده وهو الحائز على عدة جوائز دولية نظرا لموضوعه السياسي الراهن جدا وهو الواقع المزري الذي يعيشه السجناء في سورية، وهنا لن نستطيع إلقاء اللوم على هؤلاء المخرجين الذين يبحثون لأنفسهم عن ملاذ امن لجني ثمار الجهود الجبارة التي بذلوها أثناء انجازهم لتلك الأعمال ضاربين بعرض الحائط كل الأشياء الأخرى التي يمكن أن تعكر عليهم صفو فرحتهم بالتتويج الأكبر والمتمثل في لحظة العرض للجمهور وهو الامتحان الأهم الذي يتوق أي مخرج لاجتيازه بثبات، طبعا هذه الأمور تحيلنا على إشكالية أخرى من نوع خاص وهي غياب احتضان حقيقي لهاته الأعمال التي تطرح همومنا وتناقش أزماتنا وتناشد الأمل ذاته الذي نتطلع إليه جميعا ولذلك فالمطلوب تبني كل هذه الأشياء في مهرجانات تستضيفها عواصم عربية لما لا؟ وهي تتقاطع في ابسط الحيثيات والتفاصيل لن أقول أني ضد التعريف وتسويق أعمالنا عالميا على غرار مهرجان باريس ولن اعتبر ذلك كنوع من نشر الغسيل العربي الوسخ ‘ذلك أن أنظار العالم كل مسلطة علينا ومناطق النزاع الأكثر سخونة فيه نحن مركزها’ طبعا ‘لا نتباهى بكل تلك الانجازات العظيمة’ ولكن الشيء الذي أود الوصول إليه ولا أظن أحداقادرا على إقناعي به انه لا باريس ولا غيرها متيمة بسواد عيوننا وإنما استضافتها هذه وفي هذا التوقيت بالضبط تحمل مضامين ورسائل عديدة لا يجب أن تمر مرور الكرام طبعا هذه الأسئلة لا تحمل اتهامات للجمعية التي سهرت على الإشراف على هكذا تظاهرة ولكن من حقي أن أتساءل وببراءة شديدة أين كان كل هذا والشعوب العربية ترزح تحت وطأة القهر والمعاناة والقمع؟ في تلك الفترة كان المبدعون العرب والشباب تحديدا الذين يحتفي بهم المهرجان بحاجة ماسة إلى من يحضن أفكارهم ويرعاها لكي يتحدى بها أنظمة الاستبداد تلك وكي تلهم الشعوب كي تثور وتنتفض لمواجهتها.. ويبقى السؤال الأبرز متى سنتحلى بالشجاعة كي نعترف بأخطائنا؟ ومتى نناقش واقعنا العربي على حقيقته ودون املاءات الآخرين؟

فدوى سليمان بطلة على ارض الواقعفرق شاسع بين الذي يجيد التنظير ورفع الشعارات والتفنن في الظهور والتنقل بين فضائية وأخرى وادعاء بطولات زائفة على حساب الآخرين، وبين من يمضي في طريق الحرية التي ينشدها لنفسه ولشعبه ضاربا بعرض الحائط كل التي الحسابات التي يراها ثانوية ولا تستحق الالتفات إليها.

منذ فترة وأنا مصمم على المبادرة بالحديث إليها وعرض فكرة إجراء حوار صحفي معها صحيح عرفتها إنسانة ذات مبادئ وقناعات لا تفرط فيها مهما كانت الظروف، بادرتها بالاستفسار عن أحوالها وعرفتها بنفسي وبعد أن غمرتني بلطف ليس بالمتوقع في عرف الفنانين ‘ليس الكل طبعا’ عاد حسي الصحفي ليطغى على أسلوبي في الكلام فلم أجد نفسي إلا وأنا اسألها عن سر غيابها عن الشاشة مؤخرا.. طبعا توقعت أعذارا سئمنا سماعها من الكثيرين، لكن المفاجأة أنها وبعفوية منقطعة النظير أجبتني بالحرف الواحد:’لأن الفساد مستشر وأنا لا اقبل الفساد..’أحييك على جرأتك هكذا كان جوابي فأردفت قائلة بلهجتها السورية الرائعة: ‘وهي يللي ما عم تخليني اشتغل.. بس على الأقل بنام ورأسي مرفوع..’هنا أحسست بحجم المعاناة التي تثقل كاهل هذه الفنانة وأنني في حضرة إنسانة لا تؤمن بالأقوال فقط بل تتعداها إلى ترجمتها كأفعال على ارض الواقع، ضربنا موعدا جديدا لإجراء حوار صحفي في المرة المقبلة، لكن أملي خاب و لاتفاجأ بها تخاطب الشعب السوري الثائر من مدينة حمص الأبية على قناة الجزيرة معلنة إضرابها عن الطعام احتجاجا على الأوضاع المزرية لأهلها وقائدة للمظاهرات في وجه نظام قمعي لا يرحم وآلة وحشية لا تميز بين الأطفال والشيوخ والنساء.

رسالة غنية بعثت بها الفنانة السورية فدوى سليمان للجميع مفادها أن البطولة الحقيقية ليست على ورق مؤلفين يخترعون عالما لا يمت للواقع بصلة ومن نسيج خيالات مسيرة وفق أهواء أسيادهم، هي أدارت بظهرها وقالت لا في وجه الجميع.. ربما كانت في انتظار هذه اللحظة التي توجتها نجمة سوريا الأولى بامتياز ولتذهب تصنيفات كل نقاد العالم وأرائهم إلى الجحيم.. فدوى سليمان.. فعلا وكما قلت.. بكرا أحلى.. بإذن الله.. كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية