الاستهجان في عصر العربي المهان
د. مضاوي الرشيدالاستهجان في عصر العربي المهان رغم ان معظم الانظمة العربية وقادتها قد فضلت دفن رأسها في الرمال امام حقيقة شنق صدام حسين يوم عيد الاضحي المبارك الا ان النظام السعودي المتورط في المأزق العراقي منذ بدايته في التسعينات وحتي قبل ذلك في الثمانينات آثر علي ان يخرج تصريحا مبتورا يكرس مقولة شر البلية ما يضحك. لم يستطع النظام المتخبط ان يبوح بأي فكرة سوي انه يستهجن ان يتحول صدام حسين الي قربان او اضحية ليوم العيد. اذا كان الاستهجان ينحصر في التوقيت فقط دون التعرض لتطور الاحداث منذ الاحتلال الامريكي ومهزلة المحاكم والاحكام الصادرة عنها. لا يعترض النظام السعودي علي الشنق اذ ان مشانقه التي تقام في الاماكن العامة وخاصة في بعض المدن الكبيرة والصغيرة مشهورة ومدونة في ارشيفات مراكز حقوق الانسان. الفرق بين المشانق السعودية ومشنقة صدام هو ان الاولي لا تطال الا الصغار من الناس، خاصة اولئك الذين لا حول ولا قوة لهم بينما مشنقة صدام أتت لتغير مسيرة حبال المشانق خاصة بعد ان التفت علي رقبة ثخينة اذا تبنينا المصطلح العراقي العامي.ليت النظام السعودي انضم الي الجوقة الصامتة الرسمية في معظم البلاد العربية لكنه دوما يحرك من قبل خفايا ذاته وخاصة غريزة الخيلاء اذ انه دوما يحرص علي التعاطي مع معطيات الجوار العربي بتصريحات ولو انها دوما مبهمة وباهتة وفاقدة للوضوح والصراحة. الخيلاء السعودية تقف دوما كدافع يحرك المسؤولين والذين قد همشتهم تداعيات الحرب الامريكية علي العراق، لم يعد لهؤلاء القدرة علي مواجهة اعاصير هذه الحرب والتي ستعصف بالقريب والبعيد ولن تستطيع الآلة العسكرية الامريكية كبح جماحها لانها سترحل وتترك المنطقة تحت تصرف مرتزقة مهمتها تفعيل المخطط الامريكي نيابة عنها.عكس الاستهجان السعودي والصمت الرسمي العام حقيقة العلاقة القائمة بين الحكام العرب الذين لا يكفون عن ترديد شعارات الوحدة والاخوة بين كياناتهم الهشة المشخصنة وفي الخفاء ينسجون المؤامرات ضد بعضهم البعض. قامت هذه العلاقة خلال القرن العشرين علي طبقية واضحة حيث تربع اصحاب البترودولار علي قمة الهرم بسبب قوتهم الشرائية الكبيرة والتي استعملوها لتقويض مشاريع الوحدة وضرب الشريحة الحكامية الفقيرة، حيث تحول هؤلاء الي مجموعة من التابعين لاصحاب النفط. هذه المعادلة البسيطة بين التابع والمتبوع نجحت في كثير من الحالات الا في حالة صدام الفريدة. صدام وحده خرج عن المعادلة التي حاولت السعودية تعميمها علي مجموعة الزعماء العرب اذ انه وحده امتلك من الثروة المالية والبشرية ما كان باستطاعته زعزعة فكر التابع والمتبوع والممارسة المرتبطة بمثل هذه العلاقة.حاولت السعودية ان تحول صدام الي تابع مستغلة بذلك حربه الشرسة مع ايران فأغدقت عليه الاموال والمساعدات مغذية بذلك ثمانية اعوام من الدمار والخراب الذي انهك الفريقين المتحاربين. ولكن هذا الانهاك لم يكبح جماح صدام حينها بل خرج منه اكثر تحديا لمن كان يدعمه في السابق وهدد امن القوم الذين ساندوه في حروبه السابقة. وبينما كان الزعماء العرب الآخرون يتمرغون في تزلفهم لصاحب الثروة النفطية الا ان خيلاء صدام كانت اكبر واكثر شراسة من خيلاء حكام الرياض الذين لم يجدوا فيه خنوع الباقين واستسلامهم لبريق الدولار. عندها كانت المصادمة حتمية والصراع امرا لم يستطع الفريقان تجاوزه حتي يضمن الجميع استمرارية المعادلة الحقيقية المطبقة في علاقة الحكام العرب بعضهم ببعض. لا يتعامل النظام السعودي مع حكام العرب من مبدأ الند للند ولكنه يحاول دوما ان يخلق منهم تابعين تماما كما هو الحال مع الرعية السعودية والتي هي ايضا تحولت تحت بريق هذا الدولار الي تابعين مجردين من اي شأن ومكانة سوي مكانة العبد المأمور.اخلت العلاقة بين النظام السعودي والرئيس العراقي السابق بمفهوم التبعية المعمول به والذي لم تستطع ان تقاومه اكبر الدول العربية وحكامها. خذ مثال مصر وهي صاحبة الريادة في العالم العربي منذ فترة لكنها لم تقاوم الهجمة السعودية وسقطت في مستنقع العلاقة الوحيدة المسموح بها في تعامل النظام السعودي مع الفرقاء العرب. اما في عراق صدام فكان الوضع مختلفا تماما لذلك تعثرت العلاقات السعودية ـ العراقية وان بدت في بعض الاحيان كعلاقة ودية الا ان التشنج صاحبها منذ البداية. وعندما كان الخطاب المصري يروج لمصر كأم الدنيا كان صدام يطرح ان العراق مثل بروسيا بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معاني القوة والهيمنة. تصادمت عندها الخيلاء العراقية مع الخيلاء السعودية وان كانت الاولي مبنية علي الحديد والنار الا ان الثانية ارتكزت منذ بدايتها علي النفط. وفشلت الدولارات السعودية في تحويل العراق الي دولة تابعة ونظام يتزلف في البلاط السعودي حتي بعد ان انهكت حروب صدام العراقيين الذين وقعوا تحت الحصار والمجاعة والهجرة والتشرد في اصقاع العالم. لذلك كان علي السعودية ان تتبني مشروع اضعاف بروسيا العرب تارة بمساندة الحصار وتارة بمساندة المنشقين عن صدام واخيرا بالصمت المطبق تجاه احتلال العراق من قبل القوات الامريكية. وان عول النظام السعودي علي هذا الاحتلال في تحويل العراق الي دولة ضعيفة يسهل فيما بعد استقطابها وادخالها الي الحظيرة السعودية المبنية علي مبدأ التابع والمتبوع. والان لم يبق للنظام السعودي سوي تصريحات الاستهجان من باب الحفاظ علي ماء الوجه والتشبث بالقناع المعهود. لا تقبل السعودية بعراق قوي، بل هي تطمح الي رؤية الكيان العراقي مبعثرا مشتتا منقسما علي ذاته ومفككا كما تفككت بروسيا سابقا وهي علي امل ان لا يطالها هذا التشتت ويبقي محصورا في الحدود العراقية. وان هي فشلت في التعامل مع صدام العراق سابقا لكنها لن تجد في الوضع العراقي الحالي ما يدغدغ احلامها السابقة في تثبيت رؤيتها السياسية ومشروع التبعية والتي تحاول دوما ان تفرضه علي جاراتها العربية والخليجية. وكما افلتت الدول الخليجية الصغيرة من القبضة السعودية ولنا في قطر مثال حي ها هو العراق قد افلت من القبضة السعودية وهو تحت الاحتلال ومشروع التمزيق الحالي لن يمر بسلام ولن يبقي محصورا في الاطار الذي رسمته السياسة الامريكية للمنطقة العربية بالتشاور والحوار مع المبعوثين السعوديين الي واشنطن. صدام العراق كان وحده في المشرق العربي الذي لم يركع للمناورات السعودية لذلك جاء التخلص منه يوم العيد مستهجنا من حيث التوقيت وليس من حيث المبدأ. خلص حبل المشنقة النظام السعودي من رجل رفض التبعية حتي في احلك الظروف والمآسي وظل هذا الرجل يدغدغ المشاعر العربية الطامحة لاعادة مجد سابق وتاريخ تلوثت صفحاته منذ قرون بعيدة وما زادها تلويثا سوي النفط المصادر والثروة المسلوبة. ولم تستطع فتاوي تكفير صدام السعودية واشهرها فتوي مفتي السعودية السابق عبدالعزيز بن باز ان تزعزع شعبية هذا الرجل في العالم العربي ولا في الهند وباكستان ونيبال كما ظهر واضحا في المظاهرات التي خرجت احتجاجا علي شنقه. وان كانت لنا عبرة في حبل المشنقة فانها تشير الي مصير ينتظر اولئك الذين يقاومون الابتزاز السعودي ومعادلة الدولار مقابل الخنوع وربما يعتبر الزعماء العرب ويتبنون الحيطة والحذر في تعاملهم وعلاقاتهم المستقبلية مع حكام الرياض. وان لم تلجأ السعودية الي الحل الاخير اي حبل المشنقة فهي بالفعل مستعدة لتبني اساليب ملتوية منها مثلا تدبير انقلابات عائلية قد تزيح الزعماء الذين لا يستسلمون لمعادلة الخنوع السعودية في العالم العربي. رفضت السعودية صدام ليس لسياسته الداخلية واخطائه الاقليمية بل رفضته بعد ان استعصي عليها تدجينه كما دجنت ما تبقي من الجوقة العربية الحاكمة. دللته واغدقت عليه المساعدات علي أمل ان تكسب رضوخه تحت ضغط الدين الذي ورطته به ولكنها وجدت نفسها قد سقطت في حفرة حفرتها بيديها وخططت لها مع حليفتها الازلية. اثبت مشروع استيعاب صدام انه المشروع الوحيد الذي لم ينجح كما خطط له رغم حلقات الغزل والابتزاز السابقة ورغم فتاوي علماء السلاطين وعقود تجويع شعب عربي اثبت ان له من تراث المقاومة وفكرها ما يجعله يصمد حتي مع امعاء خالية واشلاء مقطعة. للعراق تراث وتجربة تاريخية تفتقد لها السعودية تحت حكامها الحاليين الذين يسعون جادين لتفريغ البلاد من هذا التراث واستبداله بتراث الزحف علي الكروش المصابة بتخمة العصر. استهجنت السعودية شنق صدام ولكنها لا تقبل ولا تتعايش الا مع العربي المهان.ہ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية9