الاستيطان في الأغوار.. “السهل الممتنع”

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

الأغوار الشمالية/ “القدس العربي”:

ستؤدي حكومة بنيامين نتنياهو السادسة اليمين الدستوري غدا بعد أن قدمت برنامجها للكنيست الإسرائيلي، أما الفقرة التي استهلت به الحكومة برنامجها الحكومي فكانت جملة تقول التالي: “للشعب اليهودي الحق الحصري غير القابل للنقض، على كامل أرض إسرائيل”.

ولا أدل على هذا الشعار إلا ممارسات الميدان ووقائعه، ومنها ما شرع مستوطنون، اليوم الأربعاء، بفعله من خلال تسييج أراضٍ في “خربة سمرة” في الأغوار الفلسطينية الشمالية وهو ما يعني أنها تحولت من أرض يملكها فلسطيني إلى “بؤرة استيطانية” أو مشروع مستوطنة إسرائيلية.

وبحسب تعليق المحلل السياسي عصمت منصور فإن الحكومة الجديدة ستعمل على تطوير وتقدم الاستيطان في كل اجزاء فلسطين المحتلة، الجليل، النقب، الجولان، والضفة الغربية أيضا.

وبحسب الحقوقي الفلسطيني المختص في شؤون الأغوار فإن المستوطنين شرعوا بتسييج أراض مملوكة للمواطنين بـ”الطابو” إلى الشمال من “خربة سمرة”، تمهيدا للاستيلاء عليها.

وبسهولة يمكن رؤية أسيجة حديدية زرعت في أرض تربتها حمراء وهو أمر قد يعني أنها ستكون بداية على شكل مزرعة للبقر.

وإلى جانب المشهد السابق قام مستوطنون، يوم أمس الثلاثاء، بتسييج أرض رعوية قرب مستوطنة “شيدموت ميخولا”، شرق خربة الفارسية في الأغوار.

ويبدو ذلك أسهل على المستوطنين من إقامة بؤرة استيطانية جديدة في منطقة الأغوار حيث الأراضي الشاسعة ذات الانتشار السكاني القليل.

ويقول الناشط دراغمة “جاء كل ذلك بعد نصب المستوطنين لخيمه قبل شهرين بالقرب من مستوطنة “شيدموت ميخولا”.

وتابع: “المستوطنون يسيجون أراضي في منطقة كان جزء منها مغلقا عسكريا في سنوات سابقة، لكن الفلسطينيين قاموا بالتوجه إليها في الفترة الأخيرة من أجل التنزه والرعي”.

ويستشف المهتم من حديث الناشط دراغمة أن إقامة بؤرة استيطانية في الأغوار مسألة غاية في السهولة ومسألة تنتمي لمصطلح “السهل الممتنع”.

ويعني مصطلح “السهل الممتنع” الشيء المتميز والصعب الذي يصل إليه الناس بسهولة من دون أي تعقيدات.

ولهذا الغرض طور الاحتلال مفهوم “الاستيطان الرعوي” الذي يعتبر شكلا جديدا من أشكال الاستيطان الاستعماري في منطقة الأغوار.

وبحسب الباحثة هدى خالد مباركة فإن ظاهرة “الاستيطان الرعوي” أداة جديدة من شأنها أن تساهم في توسيع فهم التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، خاصة في منطقة الأغوار.

واعتبرت مباركة هذا المفهوم بأنه “نموذج” وبمثابة أحد السبل المتطورة في تسخير تنظيم “شبيبة التلال” نفسه لما يتلاءم مع البيئة الجغرافية المتاحة واتباعه كنمط حياة، من أجل التوسع الاستيطاني النابع من الأيديولوجيا والممارسة الصهيونية وبالعودة إلى التاريخ القديم والبعد الديني.

وفي رأي الباحثة فإن هذا النموذج يختلف عن النماذج الاستيطانية الأخرى بأنه يوظف الثروة الحيوانية في التوسع على الأرض والسعي لإثبات ملكية المستوطنين عليها، بواسطة ثلاث طرق رئيسية هي القانونية عبر سن القوانين وتشريعها، والتاريخية من خلال العودة إلى الماضي، والثقافية عبر محاكاة الفلسطيني الأصلاني.

يوم سياحي أيضا

ورصد دراغمة دعوات أطلقها المستوطنون قبل أيام لتمضية يوم سياحي في منطقة الاغوار، ويؤكد أن “أهدافهم تتمثل في جلب المستوطنين من أجل تشجيع السكن في مناطق الأغوار”.

ونصت دعوات اليوم السياحي بمناسبة “عيد الأنوار” اليهودي على “حانوكا (الأنوار) في أريحا” وفيها أنشطة بيئية ودينية للكبار وأخرى فنية ومسرحية للصغار إلى جانب جولات تشرف عليها سلطة الطبيعة الإسرائيلية.

يذكر أن المستوطنين ينتهجون سياسة الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي الأغوار بطرق عدة، حيث استولوا على آلاف الدونمات الرعوية والزراعية في مناطق مختلفة من الأغوار الشمالية خلال السنوات الماضية، عبر طرق مختلفة، ومنها تسييج تلك الأراضي، وجعلها مناطق تابعة للمستوطنات القريبة، أو إقامة بؤر استيطانية جديدة فيها.

وفي سياق متصل، اقتحمت سلطات الاحتلال منطقة ذراع عواد (المكسر) في الأغوار، وأجرت أعمال بحث عن فتحات مياه في المنطقة، بهدف إغلاقها.

وتعد الأغوار الشمالية واحدة من أكبر الأحواض المائية في فلسطين، وهذا سبب أساسي في جعل تلك المناطق تزخر بالزراعة المروية، ما جعلها مطمعا للاحتلال ومستوطنيه.

وفي ذات السياق كشفت منظمتان حقوقيتان إسرائيليتان، يوم أمس، عن إنشاء بؤرة استيطانية زراعية جديدة في منطقة الحديدية في الغور قرب أريحا، لمنع الرعاة الفلسطينيين من رعي ماشيتهم في المنطقة.

وجاء في بيان نشرته منظمة “نشطاء غور الأردن” ومنظمة “محسوم ووتش” أن البؤرة الاستيطانية الجديدة أقيمت بالقرب من طريق 5787، قريبًا من منطقة الخدادية وتلال العرقوب وزهرة الميدان وقرية مرج النعجة، وقد تم بناء مبنيين ومظلة، ووحدة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.

وقالت المنظمتان إن نشطاءهما رصدوا مستوطنًا في البؤرة، وكلبًا، و8 أغنام، وثلاث سيارات ومقطورة بها خزان مياه كبير موصول بأنبوب مياه مصدره كيبوتس “حميدت”.

وبحسب المنظمتين، فقد تم مد خط الأنابيب في الأسبوعين الماضيين، حتى قبل إنشاء البؤرة الاستيطانية الزراعية نفسها.

وبحسب دراغمة فقد قام مستوطنون بمد خطوط مياه من مستوطنة “حميدات” نحو البؤرة الاستيطانية في “خربة موفيه” شرقي الحديدية، وعلى مساحة أكثر من 10 كيلومترات.

وفي المقابل شهدت المنطقة بحسب ما رصده دراغمة ممارسات قامت بموجبها سلطة المياه الإسرائيلية ترافقها جرافة بالبحث طويلا عن فتحات مياه في منطقة “المكسر” لإغلاقها لكون الفلسطينيين قاموا على استغلالها.

ويعتبر الاستيطان الرعوي جانبا رئيسيا في منع أسباب الحياة في الأغوار، مثل زراعة الأراضي والرعي، هذا عدا عن الاعتداءات الليلية والسرقة والاعتداء على الرعاة بالضرب.

ولا يكاد يمر يوم واحد من دون أن يتم مطاردة المزارعين الفلسطينيين والرعاة ومصادرة وسائل تنقلهم وهو “تركتور زراعي”.

وفي ذات السياق استولت قوات الاحتلال الإسرائيلي على جرارين زراعيين وصهريجين وشاحنة في الأغوار الشمالية.

وأفادت مصادر حقوقية، بأن قوات الاحتلال اقتحمت خربة أم الجمال، واستولت على شاحنة تعود للمواطن عادل محمد عوض.

وأضافت المصادر ذاتها، أن قوات الاحتلال اقتحمت منطقة حمامات المالح القريبة من أم الجمال، واستولت على جرارين زراعيين وصهريجين.

اتفاقات حكومية

وكشف مؤخرا عن أن اتفاق انضمام حزب الصهيونية الدينية إلى الائتلاف الحكومي القادم برئاسة بنيامين نتنياهو ينص على ترخيص البؤر الاستيطانية في غضون 60 يومًا بعد أداء الحكومة الجديدة القسم القانوني أمام الهيئة العامة للكنيست إلى جانب فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتوسيع الطرق الاستيطانية بميزانية قيمتها 8 مليارات شيكل.

ويرى خبراء ونشطاء فلسطينيون أن إنشاء هذه البؤرة هو مؤشر لاحتمالية تزايد إنشاء مثل هذه البؤر من أجل الحصول لاحقًا على ترخيص لها من حكومة الاحتلال والجيش.

وكشفت الإذاعة الإسرائيلية العامة، صباح الأربعاء، بنودًا جديدة من الاتفاق الائتلافي بين حزب الليكود وحزب الصهيونية الدينية الذي انضم بموجبه الأخير إلى الحكومة القادمة بقيادة نتنياهو، وتتعلق بتوسيع الاستيطان في الخليل وتمرير قانون يخص الأسرى من القدس والخط الأخضر.

وأوضحت الإذاعة أن الاتفاق بين نتنياهو وسموتريتش تضمن نصوصًا تتعلق بتوسيع الاستيطان داخل البلدة القديمة في الخليل، وكذلك في مستوطنة “كريات أربع”، وربط المستوطنات في الخليل بشوارع إضافية مع القدس وبئر السبع وعسقلان، إلى جانب نص بأن يدعم حزب “الليكود” وحزب الصهيونية الدينية تمرير قانون جديد يقضي بإبعاد الأسرى من أبناء القدس وفلسطينيي الداخل إلى الضفة الغربية بعد انتهاء محكوميتهم على خلفية نشاطاتهم في مقاومة الاحتلال. وقانون إبعاد الأسرى يُضاف إلى قانون آخر تم الاتفاق على الترويج له ودعمه من الليكود وحزب القوة اليهودية بقيادة ايتمار بن غفير، وهو قانون إعدام منفذي العمليات الفلسطينيين.

ويُتوقع أن تؤدي حكومة اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو اليمين الدستوري يوم غد الخميس.

وفي مسار مواز رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا، طلب الحكومة الإسرائيلية، بإرجاء إصدار قرار بشأن إخلاء البؤرة الاستيطانية “حوميش”، شمالي مدينة نابلس في الضفة المحتلة.

وأبلغت رئيسة المحكمة إستير حيوت، وزارتي “الأمن” و”القضاء”، أن جلسة الاستماع المقررة يوم الإثنين المقبل حول موضوع إخلاء مستوطنة “حومش” ستنعقد في موعدها المقرر، علما بأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة تسعى للسماح بعودة المستوطنين إلى المستوطنة.

وبحسب مراقبين فإن هذا القرار يضع حكومة نتنياهو الجديدة التي ستتشكل على أساس تحالف الليكود مع المستوطنين من حزبي “الصهيونية الدينية” و”عوتسما يهوديت”، أمام أول التحديات التي قد تواجهها، في ظل مساعي الائتلاف المتشكل إلى تعديل القانون الذي سنّه الكنيست في 2005، والذي نظم خطة الانفصال التي فككت إسرائيل بموجبها المستوطنات الأربع في شمال الضفة.

وكان أعضاء كنيست من حزب الليكود والصهيونية الدينية في الكنيست الجديدة، أعلنوا عزمهم تسوية أوضاع البؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة الغربية المحتلة، في محاولة لتبييضها، بما يشمل “حوميش”، التي أقام المستوطنون فيها معهدا دينيا منذ عام 2009، كموطئ قدم دائم لهم في المنطقة.

وفي 13 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، قدمت أحزاب اليمين التي تسعى لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، برئاسة نتنياهو، مشروع قانون يهدف إلى إعادة إقامة مستوطنة “حوميش” ووقع عليه 35 عضو كنيست من أحزاب الائتلاف المقبل، بينهم نتنياهو.

فيما صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلية، اليوم، على مشروع قانون تغيير المسؤولية على الشرطة، الذي قدمه رئيس حزب “عوتسما يهوديت” المتطرف إيتمار بن غفير، والذي بات يعرف باسم “قانون بن غفير” ويقضي بأن يوجه بن غفير كوزير الأمن القومي في الحكومة المقبلة، سياسة الشرطة الإسرائيلية وتحديد سياسة تحقيقاتها.

ويهدف بن غفير من هذا القانون إلى منع الشرطة الإسرائيلية من تنفيذ قرار تتخذه الحكومة بإخلاء بؤر استيطانية عشوائية في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب استهداف المواطنين الفلسطينيين في أراضي الـ1948، خاصة في النقب.

تغيير جوهري

وفي سياق متصل كانت وسائل إعلام إسرائيلية، قد كشفت أن صلاحية إصدار تراخيص البناء في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية انتقلت إلى سموتريتش، زعيم الصهيونية الدينية، الذي سيكون مسؤولاً عن “الإدارة المدنية” في الحكومة القادمة.

واعتبرت مصادر عبرية هذه الخطوة تغييرًا جوهريًا في آلية منح تراخيص البناء الاستيطاني في الضفة الغربية المتبعة منذ 25 سنة، إذ كانت تراخيص البناء تتطلب موافقة رئيس الحكومة ووزير الجيش، لكن الآن تقلصت مشاركة رئيس الحكومة نتنياهو وكذلك وزير الجيش في إصدار التراخيص، وأصبح الملف تابعًا لسموتريتش.

وفي دراسة صادرة عن معهد الأبحاث التطبيقية القدس (أريج) حملت عنوان “تقرير حول البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية” (2022) فإن البؤرة الاستيطانية هي عبارة عن تجمع شيد في الضفة الغربية دون قرار رسمي أو موافقة من الحكومة، وهي ظاهرة تفشت عام 1998 على أثر دعوة أرائيل شارون الذي كان يشغل منصب وزير الطاقة والبنية التحتية في حكومة نتنياهو آنذاك، للاستيلاء على التلال والمرتفعات الفلسطينية في الضفة الغربية.

وبحسب التقرير فإن رحلة البؤرة من بدايتها إلى لحظة نيلها المشروعية تمر بثماني مراحل وهي: إقامة بؤرة جديدة، اكتساب الحقوق على الأرض، إعداد لمخططات والموافقة عليها، إصدار رخص بناء، إنشاء البنية التحتية، بناء المنازل وبيعها للمستوطنين، الصيانة اليومية وتطوير البؤرة الاستيطانية، شرعنة البؤرة الاستيطانية بأثر رجعي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية