يُطلق الاسلام السياسي على حركات اواحزاب سياسية تؤمن بان الاسلام ليس دينا فقط، وانّما هو نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يجب ان تُبنى الدولة على اساسه، وتُستقى من الشريعة الاسلامية جميع القوانين التي تحكم كافة مفاصل الدولة والمجتمع؛ هذا هو التعريف الغربي لذلك المصطلح الذي تمّ تبنيه في بلداننا واعلامنا، ولكن وفق ذلك المفهوم لم يشهد العصر الحديث اي تجربة من هذا القبيل؛ اما الحديث عن دول بعينها على انّها تطبق الشريعة الاسلامية فهذا صحيح اذا نظرنا الى تلك الانظمة من بعيد فقط؛ في حين نجد على ارض الواقع انّ الاسلام يُستغل فيها لتكريس ديكتاتوريات من نفس طينة الاحزاب الشمولية، اما الشريعة إن طُبّقت فيها فتطبّق على الضعيف وتترك الشريف، ناهيك عن كون اقتصاداتها ربوية وتترك الشورى، اهم مبادئ الشريعة الاسلامية السياسية وتتبع سنة معاوية في توريث الحكم؛ وتحاول جاهدة ان تظهر امام شعبها والعالم بمظهر الاسلام، وتخفي تحت عباءته انظمة قمعية لا تقل فظاعة وفسادا عن نظرائها في المنطقة ودول العالم الثالث. ظهر في العصر الحديث الكثير من الحركات او الاحزاب الاسلامية في اغلب الدول التي يدين شعبها بالاسلام، بدءا من حركة ديوباندي في الهند اواسط القرن التاسع عشر، مرورا بحركة المودودي في باكستان في اوائل القرن العشرين، وليس انتهاء بتنظيم الاخوان المسلمين المصري ونسخه في معظم الدول العربية وغيرها. تعرضت تلك الحركات لشتى انواع القمع والتنكيل، وكثيرا ما حُظر نشاطها، ثم عادت لتظهر تحت اسماء وربما قيادات جديدة، يتهمها خصومها من الليبراليين والعلمانيين بانّها تسعى الى الوصول الى الحكم والاستئثار به وانشاء دولة دينية تطبّق فيها مفهومها للشريعة الاسلامية. ظنّ الكثيرون انّ الاحزاب القومية العربية ستكون البديل عنها، ولكن مرّت السنين وسقطت تلك الاحزاب وداست الايام ديكتاتورييها؛ ومع تطبيق اولى التجارب الديمقراطية، ظهر واضحا مدى تأييد الشعوب لها، ولكن عند وصول الاسلاميين للسلطة في مصر، مثلا، لم يطبقوا الشريعة الاسلامية ولم يخططوا لذلك، بل أتوا من خلال القوانين العلمانية وحكموا من خلالها، بما يشبه تجربة حزب العدالة والتنمية التركي؛ فتلك التجربة لا تتعدى استلام زمام السلطة من قبل اشخاص يطبقون الاسلام في حياتهم الشخصية قلبا وقالبا؛ اداروا بلادهم بنزاهة وحكمة فنهضوا بها واصبحوا مثالا يُحتذى، ولم يغيّروا قوانين بلادهم فبقيت تعيش علمانيتها. أما قانون السماح بارتداء الحجاب الذي سُنَّ بعد عشر سنوات من وصولهم الى السلطة فلا يتعدى منح الحرية الحقيقية لابناء الشعب ليعيشوا حياتهم الخاصة كما يشاؤون، وهي ليست كحرية الغرب حيث تتعدد عندهم المكاييل حتى في التعاطي مع الحريات. ففي فرنسا بلاد النور يصبح ارتداء الملابس الدينية قنبلة نووية تهدد قيم الحرية والعلمانية للدولة. كان من اهم اسباب نجاح التجربة التركية هو امساك حكومة العدالة والتنمية بكل مقاليد الحكم، وهذا ما يقتضيه القانون فحكمت وادارت البلاد لوحدها، ولم يظهر في وجه قراراتها ما اصطدم به الرئيس مرسي من حواجز وعقبات الدولة العميقة، ورغم تعرضها للكثير من الازمات السياسية الا انّها ظلّت ماضية تقود شعبها بثقه نحو مستقبله، الذي ابهر العالم اشراقه. اما في مصر فلم يُترك الاخوان ليمارسوا حقهم في قيادة بلدهم ووجدوا انفسهم في مواجهة دولة مبارك العميقة، في كل قرار رئاسي وكل خطة حكومية تقريبا، وكان خصومهم يهاجمونهم لمجرد الهجوم فقط؛ ثم اتى الانقلاب لينسف حلم الديمقراطية المصري نسفا وظهر معه الكثير من النفاق الاعلامي، فاصبحت التهم التي كانت توجه الى حكومة الرئيس مرسي هي اوسمة فخر على صدر حكومة الانقلاب، فسد النهضة الاثيوبي مثلا كان ابان عهد الرئيس مرسي الطامة الكبرى التي ستهلك الحرث والنسل وكله بسبب الاخوان، اما في عهد الانقلاب فالببلاوي يرى فيه مشروعا ستستفيد منه مصر اكثر من اثيوبيا نفسها، ويسعى للمشاركة في بنائه، وامست اتفه خطة لحكومة الانقلاب هي نقلة استراتيجية الى المستقبل، والدنيا في كنف السيسي بالف خير ولا ينقص البلد الا السلاح الذي تعهد حلفاؤه بامداده بالمليارات لشرائه، رحم الله السياب اذ قال: ‘حديد لمن كلّ هذا الحديد’. على مدى عشرات السنين من عُمْرِ تنظيم الاخوان المسلمين لم يُدان اي فرد من اعضائه بقضية فساد واحدة، ولم يدخل احدهم السجن الا بتهمة سياسية دائما ما كانت مُلفقة، وظهر واضحا انّهم لا يطلبون السلطة لاغراض المنفعة الشخصية، وتجلى دورهم القومي بمساندتهم بما استطاعوا لقطاع غزة ابان العدوان الصهيوني عليها في تشرين الثاني/اكتوبر 2012، ولعل هذا ما عَجَّلَ بالانقلاب عليهم، فالغرب على ما يبدو لن يسمح بنظام كهذا على حدود كيانه الصهيوني. اشتقت تجربة الاخوان المسلمين المصرية، فظهرت تنظيمات مشابهة لها في دول اخرى، ولكن لم تكن في اغلبها بنفس قوة وحضور التنظيم المصري الذي ظلّ صامدا على ارض وطنه رغم كل ما تعرض له من قمع ومحاولات اجتثاث، ففي سورية توجد مادة في الدستور تحكم بالاعدام على كل مَنْ ينتسب الى تنظيم الاخوان المسلمين، وبعد مذابح 1982 غادر مَن نجا منهم سورية وانعدم نشاطهم في الداخل السوري بشكل كامل في ظلّ الدولة القمعية. وحدث ما يشبه هذا مع اسلاميي تونس الى ان عادوا بعد سقوط النظام فيها، ولكن امامهم الكثير، فدولة بن علي العميقة ما تزال قائمة راسخة، وبدا انّه لا سبيل للاطاحة بها حتى عن طريق صناديق الاقتراع. انّ الناظر الى تلك التنظيمات الاسلامية بكلِّيّتها سيجد انّ قياداتها من اكثر نخب المجتمع علما وثقافة، يُميّزها التأييد الشعبي الواسع لها، ويوجد على النقيض منها ما يُعرف بالتطرف الاسلامي او الفكر التكفيري الذي يُؤرِّق الغرب والعالم، او هكذا يُسوّق له في الاعلام، ويزيد في شعبية تلك التنظيمات الارهابية – كما تسمى – مواقف الغرب من القضايا العربية والاسلامية، بدءا من معضلة فلسطين الى احتلال العراق والموقف العالمي المتخاذل من الفظائع في سورية وميانمار، اضافة لما حدث في عقد التسعينات في البوسنة وكوسوفو والشيشان وغيرها، فاذا الغرب امام فرصه تاريخية واستراتيجية في حال دعمه للتنظيمات الاسلامية التي يسميها الاعلام بالوسطية، مثل تنظيم الاخوان المسلمين ونسخه العربية مثلا، فان كانوا جادين في محاربة التطرف والارهاب فهذه اسهل طريقة واولى الخطى الحقيقية على ذلك المسار، ولكنّنا نجد انّ العكس هو الذي يحدث، فهذا جون كيري بعد طول صمت ينطق بما كان يعتمل في صدور الساسه الامريكيين على الدوام؛ فهو يرى انّ الاخوان قاموا بمصادرة ثورة 25 يناير واقصوا باقي الفرقاء الذين شاركوهم فيها، من اي منطلق يتحدث ذلك السياسي العتيق؟ فلو فاز رجل من كل حزب او تنظيم سياسي شارك في ثورة 25 يناير بالانتخابات الرئاسية، كنا سنجد ربما عشرات الرؤساء لمصر، وهل هكذا تُساس الدول وتُحكم الشعوب؟ ولكنهم عملــيا يفعـــــلون النقيض من ذلك وما تقــــوم بـــــه طائراتهم التي من دون طيار مثلا من ارهاب وقتل لا يمكن الا ان يزيد في كراهية جموع المسلمين في مكان لهم، فحتى ان قتلت احدى تلك الغارات احد قيادات التنظيمات الارهابية فسيجدون انفسهم امام المئات من ذوي الضحايا الابرياء لتلك الغارات مستعدين لتفجير انفسهم طلبا للثأر لاقاربهم . يُؤرّق الغرب كثيرا تجمّع الجهاديين في سورية والحضور المتزايد والمتعاظم لتنظيم القاعدة فيها، وهم يبحثون عن حل لتلك المعضلة – التي تسببوا بها ربما عن قصد – اكثر مما يبحثون عن حل لحماية اطفال السوريين من المذابح المستمرة، ولكن ليس عليهم بعد تأسيس الجبهة الاسلامية، التي تضم اكبر الفصائل المقاتلة على الارض، والتي تأسست بمباركة حلفائهم في المنطقة، الا ان يبدؤوا بحوار معها ان كانوا جادين فعلا في مواجهة اولئك التكفيريين، ويجب ان يدعموها لتكون البديل الطبيعي عن سيطرة القاعدة والفكر المتطرف على سورية، ولكن هذا حلم لن يتحقق فهم لم يسمحوا لتنظميات سياسية صرفة، لم يكن لاي فرد من افرادها اي تجربة قتالية بالوصول الى سدة الحكم، فهل سيسمحون لذلك التنظيم بحكم سورية، فاذاً ليعيد من كان متفائلا بحل قريب للازمة السورية حساباته. لن يخفى على احد بعد تصريح كيري الاخير الدور الخفي والاساسي للولايات المتحدة في انقلاب السيسي، فالجيش المصري يدين بالولاء لمن يدعمه بمليار ونصف دولار سنويا، اكثر مما يدين به من ولاء لشعبه وهم يدعمون اي احد يحول دون وصول الاسلاميين للسلطة في اي مكان من العالم، خاصة في دولٍ تَحدّ اسرائيل. انّ الغرب لا يحارب الفكر المتطرف الاسلامي، لكنه في الحقيقة يحارب كل من يحمل خلفية اسلامية، خاصة المعتدلين وهم ليسوا مستعدين لان يروا دولا ناهضة متطورة قادتها من الاسلاميين في شرقنا العربي.