الاسلام اليوم: من أهل الفقه الي أهل الكهف

حجم الخط
0

الاسلام اليوم: من أهل الفقه الي أهل الكهف

د. مضاوي الرشيدالاسلام اليوم: من أهل الفقه الي أهل الكهفجاءت إطلالة اسامة بن لادن الأخيرة لتذكر العالم انه ما زال علي قيد الحياة. كان خطابه موجها للمسلمين والولايات المتحدة معاً. تزامن هذا الخطاب مع سلسلة من العمليات العسكرية في العراق والتي برهنت علي تطور ملحوظ ونجاح كبير في قدرة المسلحين علي انزال اضرار مرئية منها اصابة المروحيات والطائرات الامريكية مباشرة دون اللجوء الي التفجيرات المعروفة والتي شهدتها الساحة العراقية. ربما تعتبر هذه التطورات خلفية مهمة وراء عرضه للهدنة الموجهة الي الولايات المتحدة والذي استبقه باعلانه عن عمليات جديدة في قلب امريكا. ومن المؤكد ان لامريكا وبن لادن حسابات قد يصفيها الطرفان بطريقتهما الخاصة. كذلك ربما لبن لادن حسابات خاصة مع الأنظمة العربية سيتم التعاطي معها كل حسب قدرته وامكانياته. ما يهمنا هنا هو ظاهرة بن لادن والتي هي في طور التغير ولا نستطيع ان نجزم انها وصلت الي مرحلة اخيرة في طريقة نموها. ما يلفت الانتباه ليس الجبهات المفتوحة هنا وهناك والعراق احد هذه الجبهات ولكن معني ظاهرة بن لادن هذه للاسلام نفسه. فلا نستطيع ان نعزلها عن الاسلام مهما حاولنا ان نؤصلها ونرجعها الي اسباب سياسية اقتصادية او اجتماعية. انقسم المحللون في تعريف هذه الظاهرة المسماة ببن لادن. طيف اول ارجعها الي جذورها التاريخية المعروفة اسلاميا. فكتب برنارد لويس مثلا وتصريحات المسؤولين السعوديين تؤصل للظاهرة وكأنها الامتداد الطبيعي لما يسميه الأول التطرف الاسلامي وما يسميه الثاني بالخوارج. هذه المغالطات لا تصمد امام التحليل الواقعي للظاهرة هذه وكيفية كونها نتاجا حديثا لمعضلات حديثة. الطيف الثاني يبرئ الاسلام من ظاهرة بن لادن ويحاول ان يعزي ظهورها واستمراريتها الي حالة انتهاك ديار المسلمين سياسيا واحتلال هذه الديار واستغلال مواردها يغلب علي هذا الطيف من التحليلات الرغبة في ابعاد هذه الظاهرة عن حيز الاسلام وتجريم المسؤول الأول عن ظهورها كالغرب مثلا او الحكومات المحلية التي تنتهك حرمة البلاد ومواطنيها. غلبة الطابع الذرائعي واتجاه التبرئة هذا يصور البنلادنية وكأنها استمرار لمرحلة المواجهة بين الامبريالية والرأسمالية العالمية وبين الشعوب المضطهدة الخاضعة لهذه القوة العالمية. يتصدر هذه التفسيرات في الغرب العلماء الذين ما زالت افكارهم اليسارية وحتي الشيوعية المناهضة للهيمنة الامريكية الحالية معششة في مخيلتهم. فمرة يتصورون بن لادن وكأنه احد اعمدة الحركات الاناركية الهدامة او البلشفية الشيوعية او حتي حركات التحرر القومية ومنهم ايضا من يصور البنلادنية وكأنها فاشية اسلامية جديدة او حتي نوع من الغضب المشابه لذلك المرتبط حاليا مثلا بحركات مناهضة العولمة او البيئيين الخضر المتطرفين.نشكك بمصداقية الطيف الأول والثاني من التفسيرات الرائجة عن البنلادنية. هذه الظاهرة يجب ان تفهم من واقع العالم الاسلامي الحالي. البنلادنية ظاهرة حديثة وليست استمرارا لتاريخ التطرف المزعوم كذلك هو وفكره ليسا طيفاً من مقاومة الرأسمالية العالمية.يجب ان نضع بن لادن في الواقع الاسلامي الذي تميز في العقود الاخيرة من القرن العشرين ليس فقط بتفكك الخطاب الاسلامي بل حتي بزوال هيبة أهل الفقه ذاتهم. والمقصود هنا المختصين بالعلم الشرعي والذي ازدادت أعدادهم وبينهم قضاة ودعاة وفقهاء ومعلمون من ذوي الاختصاص الشرعي. الكل يعلم ان الحضارة الاسلامية هي حضارة تميزت بالانتاج الفكري الفقهي وليس بالصناعة او الموسيقي او حتي فن العمارة. الفقه او ما يسمي حاليا بسيادة القانون هو الجانب الطاغي علي النتاج الثقافي الاسلامي رغم ازدهار الجوانب الثقافية الاخري من رسم ونحت وعمارة وشعر وأدب. فدراسة الحضارة الاسلامية تبدأ قبل كل شيء بدراسة الكتاب والسنة ومن ثم تنتقل الي مجلدات الفقهاء وهي نتاج بشري واجتهاد علمي يملأ رفوف المراكز العلمية الدينية. مركزية الفقه في الثقافة ادت الي تبوؤ الفقهاء مكانة مميزة في المجتمعات الاسلامية اذ انهم هم همزة الوصل بين الرسالة والبشر ويكبر دورهم كلما ابتعدنا عن المركز الاسلامي والمقصود هنا العربي اذ ان هذا البعد يولد اعتمادا اكبر علي هؤلاء الفقهاء وخاصة ان اللغات المختلفة للمسلمين قد تقف حجر عثرة في طريق الاتصال المباشر مع المصادر الدينية وخاصة العربية اللسان. ونري بوضوح كيف ان أهل الفقه يحتلون مركزا قويا بين الجاليات المسلمة غير الناطقة بالعربية اذ ان هذه الجاليات تصلها الرسالة فقط من خلال هؤلاء الفقهاء علي عكس العربي والذي ربما ان حصل علي تأهيل لغوي متوسط يستطيع بعده ان يتواصل مع الرسالة دون وساطة أهل الفقه رغم انه مضطر ان يعود اليهم في الأمور المعقدة في فقه العبادات والمعاملات وغيره.مع بروز الدولة الحديثة فقد اهل الفقه استقلاليتهم وأصبح معظمهم موظفي دولة مجردين من استقلالية ادارية واقتصادية بل تحولوا الي مجموعة معتمدة اعتمادا كليا علي السلطة. هذا التحول الجذري افقد أهل الفقه هالتهم المعهودة وانقض عليهم عندها طيف كبير من المنتقدين منهم ذوو الثقافة الحديثة المستقاة في جامعات ناشئة بالاضافة الي ما سمي بالثوريين والمناضلين والذي وجدوا فيهم نموذجا يساند السلطة ويشد علي يدها. وجاء بعد هؤلاء دور المثقف الاسلامي او المناضل الاسلامي والذي هو ايضا صب جام غضبه علي اهل الفقه بسبب تواطئهم مع السلطة التي يطمح هذا بتقويضها وزعزعة دعائمها. تقوقع اهل الفقه في مساجدهم ومحاكمهم ومجالسهم وطلبوا الحماية خلف علمهم الفقهي. فعندما اعلن بن لادن الجهاد العالمي علي اليهود والنصاري راح هؤلاء ينبشون مجلداتهم ويفصلون انواع الجهاد وصفاته وشروطه وقوانينه ليظهروا عدم شرعية النداء البنلادني ويصرفوا شباب المسلمين عن تلبية هذا النداء. ربما يكون بن لادن المسمار الأخير في نعش علماء المسلمين والله اعلم ـ خطاب بن لادن خطاب يتصدي لأهل الفقه اينما كانوا وخاصة في السعودية. ورغم انه لم يتصادم معهم في بداية مشروعه الا ان التصادم كان حتميا فيما بعد.اختطف بن لادن الاسلام من اهل الفقه وكسر احتكارهم للعلم الشرعي تحت مظلة الدولة. وان تساءلنا اين يصنع الحدث اليوم ومن يستولي علي الاضواء الاعلامية. هل هم أهل الفقه في مجامعهم ومؤتمراتهم السنوية ام في محاضراتهم الدورية في مراكز العلم الشرعي او حتي علي الفضائيات العالمية؟ خلال اكثر من نصف قرن تحت مظلة الدولة الحديثة في العالم العربي لم يحتكروا الاضواء ويتصدروا الحدث ففي الغرب مثلا عرف الجميع اسم ناصر في الستينات وفيصل في السبعينات وصدام في الثمانينات ولم يسمعوا باسم اي عالم من علماء الفقه في العالم العربي والاسلامي. كان هذا مؤشرا واضحا للتغيرات التي طرأت علي دور هؤلاء تحت مظلة السلطة السياسية. في التسعينات جاء اسم بن لادن ليملأ الفراغ ويزيح دور أهل الفقه ربما للمرة الاخيرة. لا يتميز بن لادن بعلم شرعي اكتسبه عن طريق شهادات علمية كذلك لا يتميز ببطولات عسكرية خيالية رغم بعض القصص عن بطولاته في الساحة الجهادية الافغانية. لماذا اصبح بن لادن حديث الغرب والشرق إذن؟استطاع بن لادن ان ينتشل الاسلام من المحلي وينقله الي ما هو عالمي في عصر له خصوصياته ابرزها الاتصال المعلوماتي والاعلامي والفكري والاقتصادي. استطاع ايضا ان ينتشل الاسلام من ايدي الفقهاء واحتكارهم الي المسلم العادي البسيط. خطاب بن لادن له رواج في العالم الاسلامي وحتي بشهادة المختصين الغربيين ذاتهم لأنه نقل الاسلام من المجمع الفقهي الي حيزين.الحيز الاول هو العالم بأسره والحيز الثاني هو الانسان الخاص. ان يتفاعل الصومالي في الصومال والباكستاني في ليدز والمصري في المانيا وما يسمي بالسعودي في مكة مع هذا الخطاب يدل علي خصخصة واضحة. اصبح الاسلام مع بن لادن مشروعا شخصيا منفردا خارجا عن قيد الفقيه او السلطة السياسية. يحمله هذا الانسان ويرحل به في زمن الترحال الحالي ربما توصله أسفاره الي ميناء عدن او مومباسا او صخب بانكوك او نيويورك. كذلك يرتحل به الي صحراء النفوذ ويستقر به في جبال مكة ثم يأخذه معه الي صقيع الشيشان وادغال الفليبين وبالي.وهذه الخصخصة والشخصنة كسرت طوق الهويات المحلية من مذهبية وقبلية ومناطقية. فرغم ان مريدين بن لادن يصرون علي كنياتهم المحلية والقابهم التي ترمز الي جذورهم الا انهم أناس تمردوا علي المحلي قبليا او مذهبيا او حتي جغرافيا. يمثلون المسلم المرتحل المسافر والمهاجر الفار من الوطن والجغرافيا وقيود الفقهاء واجتهاداتهم وبطش السلطة ورجالها. البنلادنية لا تدافع عن الجغرافيا بل هي ثورة ضدها رغم كل خطابات بن لادن عن ارض المسلمين المحتلة. بن لادن يستقي رجاله من تلك المجموعة المسافرة المهاجرة التي لا تعرف الحدود المرسومة. كذلك لا يضر هذه المجموعة فقدانها لهويتها المحلية فما اسرع ان يتحول ابو القعقاع الجهادي الي ابو الكاكا علي ثغور تورا بورا وأبو الدرداء النجدي يصبح او دادا في كوبتا البلوشية وابو الخطاب العربي فجأة يتحول الي ابو كتّاب مع برد الشيشان القارس.كذلك بن لادن لا يحارب الامبريالية كما حاربها غيره في السابق وفي الوقت الحالي. بن لادن ليس ضد الرأسمالية كنظام اقتصادي وكيف يكون كذا وهو صاحب الثروة والمشاريع الاقتصادية. بن لادن يطمح ويعمل الي خلافة ميتافيزيقية ليست سجينة للجغرافيا او النظم الاقتصادية المعروفة والمهيمنة حاليا. هو يصبو الي اسلام معولم بلا حدود ينقله الفرد من المعسكر الي معسكرات اخري في كل مدينة ومرفأ تتحول هذه المعسكرات الجديدة الي ساحات حرب دائمة تبدأ المعركة فيها اولا مع النفس البشرية ومن ثم تنتقل الي من يعرفه هذا الشخص ذاته بالعدو.اختطف بن لادن الاسلام من بين يدي أهل الفقه المنغمسين بخلافاتهم الفقهية ومعاركهم المذهبية ورسائلهم العلمية وردودهم بعضهم علي بعض في مدارسهم وحلقات ذكرهم وحتي قاعات مؤتمراتهم بعضها في فنادق ذات خمسة نجوم وبعضها في مبان شاهقة حديثة ورحل به الي الهامش. صناعة الحدث الاسلامي اليوم لا تحصل في المركز العربي الاسلامي المتمثل قلبه في الجزيرة العربية ولكنها تحصل علي الهامش الجغرافي والحضاري لهذا المركز وبالتحديد في مناطق نائية سياسيا واقتصاديا كالشيشان وافغانستان وادغال الفليبين وسواحل افريقيا الشرقية. اصبح اليوم هذا الهامش الجغرافي الاسلامي بفضل بن لادن ساحة ينطلق منها اسلام بن لادن المشخصن والمعولم في نفس الوقت ليحتل الصدارة علي شاشات التلفزيون العالمية ومراكز الابحاث الغربية وصناعة القرار. يحتكر بن لادن موقع صناعة الحدث فلا فوز اخوان مصر في الانتخابات ولا فوز حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني ولا فوز ما سمي بالاسلاميين في انتخابات البلدية السعودية ولا حوارات الراعي والرعية في هذا البلد استطاعت ان تحتكر الحدث ولو لثوان معدودة كما احتكره بن لادن خلال السنوات الأخيرة من موقعه علي الهامش الاسلامي. العنف المرتبط بظاهرة بن لادن ربما هو احد الاسباب ولكن اذا تمعنا في هذه الظاهرة سنجد انها تحتكر تفكير من عاداها ومن صادقها ومن طمح الي الانخراط في مشروعها. يأخذ بوش تهديداتها علي محمل الجد كما تأخذ الحكومات العربية والاكثرية الصامتة المغلوبة علي أمرها هذا بالاضافة الي اهتمام اهل الفقه ذاتهم المنشغلين بتفنيد مزاعم بن لادن وخطاباته وتبرئة الاسلام من مزاعمه وطموحاته.القدرة علي تحمل العنف المسلح تختلف من مجتمع الي مجتمع ولكن بالنهاية ربما تنبذه المجتمعات الاسلامية وترميه خارج اسوارها ولكن تصوروا سيناريو تطبق فيه القوات الامريكية علي بن لادن في مخبئه ومعه حفنة من مريديه وحلقة ضيقة من مساعديه فيقرر هؤلاء ان لا يقعوا احياء بيد اعدائهم وينتحرون انتحارا جماعيا في كهف المأسدة الجهادي كما انتحر جماعيا طائفة من اليهود الذين لجأوا الي المأسدة اليهودية عام 72 هربا من القيصر الروماني. ماذا سيفعل مريدو بن لادن، هؤلاء الذين شخصنوا الجهاد وخصخصوه في ترحالهم اينما كانوا؟ ما هو مستقبل كهف المأسدة دون أسده؟ هل سيتحول الي مزار عالمي ومركز أثري يحج اليه العدو والصديق والسائح والزائر وهل سيمثل هذا الكهف بداية النهاية للدور الذي لعبه اهل الفقه في التاريخ والحضارة الاسلامية ام انه سيكون عبرة لمن اعتبر ولكل من تراوده نفسه ان يقوض ما قامت عليه الحضارة الاسلامية من فقه وعلم شرعي يحمله فقط ذوو الاختصاص. اسئلة كثيرة لا يستطيع عالم الاجتماع ان يجيب عليها لأنه يدرس ما هو كائن وليس ما سيكون في المستقبل.من المؤكد ان الظاهرة البنلادنية هذه هي اليوم عالمية ومعولمة للاسلام عندما اختطفته من بين أيدي أهل الفقه وجعلته بين أيدي أهل الكهف. وبما ان للكهوف منزلة خاصة في المخيلة الاسلامية منذ القرن السابع الميلادي نشكك في كون الظاهرة هذه قد قاربت علي النهاية بل نجزم انها قادرة ربما علي صياغة ذاتها وتطوير نفسها مع مرور الزمن بشكل يختلف عن شكلها ومضمونها وافرازاتها الحالية.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية