د. نصيف الجبوريعند عودتي من العراق قبل شهر تقريبا واظبت على حضور صلاة الجمعة في مدينتي. على الرغم من مرور اربع جمع فإن الامام لم ينته بعد من الحديث عن علامات الساعة الكبرى ونهاية العالم. لو كان هذا الحديث عن هذه الاحداث الجسام قد دار بين متخصصين ولهدف تاريخي او علمي لكان الامر معقولا ومفهوما. لكن عندما يكون الحديث في خطب الجمعة وبصورة تفصيلية والتي يحضرها الجاهل والعالم والصغير والكبير والمرأة والرجل فإن الامر محير ويدعو الى التساؤل حول مصلحة الامام في نشر الخوف والرعب لدى المصلين خصوصا الصغار منهم. الذين لم يفتئوا حال عودتهم لديارهم من الاستفسار من اهليهم بالمزيد من الاسئلة ليتعرفوا اكثر فأكثر وكان يوم القيامة سيكون غدا او بعد غد بالنسبة اليهم.ان المشكلة تكون اكثر تعقيدا عندما يتبوأ أناس جهلة لا يملكون حدا ادنى من معرفة العلوم الشرعية قيادة الجمعيات الاسلامية ولا يهمهم سوى ملء المساجد بالمسلمين وجمع الاموال لتسيير دفة المسجد ليحافظوا على مناصبهم المعنوية في قيادة الجالية. في حين نرى بأن هناك غيابا كاملا لسياسات بعيدة المدى تهتم بمصالح الجالية لتخرجها من العادات والتقاليد الجاهلية الى سماحة الاسلام ونوره. ان وجود مثل هذه القيادات يصب على الاعم الاغلب لصالح بعض الائمة في اطلاق العنان لهم بفرض ما يريدون قوله وفعله للجالية. فلا رقيب عليهم لغياب اصحاب الدراية والعلم وبالتالي فهم يتحدثون بما يشاءون حقا او باطلا. فمنهم أي الائمة من يقود الجالية المسلمة وفق سياسة التخويف والرعب من عذاب القبر والآخرة والنار كصاحبنا ومرة اخرى من يسيس المسجد لصالح حزبه الذي ينتمي اليه وثالثة من يكفر بقية المذاهب الاسلامية حسب ما يشتهي لأنه يعتقد بأن الحق معه حيثما دار.من ناحية المبدأ ليس من حق الامام ان يعكس توجهاته المذهبية والسياسية والشخصية على المصلين ليقودهم باتجاهات فئوية شخصية تهدف الى حماية مصالحه الشخصية ويوحي لهم بأنها لن تقوم لهم قائمة دونه وان من بعده الطوفان. ان سياسة ادخال الرعب الى صفوف المصلين ستكون لها نتائجها العكسية والسلبية على عوائل المسلمين خصوصا الاطفال والشباب الذين ولدوا بفرنسا. لقد باتت معادلة الجمعية ـ الامام لعبة ذات طرفين مستفيدين لا يتجاوزون عدد اصابع اليد الواحدة مقابل الاف المصلين الذين اضحوا رهائن لا حول لهم ولا قوة فالأمر والنهي لهؤلاء الافراد دون شورى او حتى دون اعلام الجالية بما يجري وراء الكواليس.أن خطاب الرعب وتخويف الجالية من يوم القيامة وعلامات الساعة الكبرى عندما تتحول البحار الى نار هائجة والجبال الى هباء منثورا وعندما يقتل الاعور الدجال ذاك الشاب المؤمن ويشقه الى نصفين ثم يمنحه الحياة مرة اخرى. او الحديث عن اهوال النار وما فيها من عذاب شديد للنساء والرجال والمنافقين وأكلي الربا والزناة. او المبالغة في ترويع المسلمين من خطر الكفار والمنافقين في هذه الدنيا وما سببوه وسيسببونه من فتن للمسلمين. هنا ألا يحق للعقلاء من هذه الامة ان يتساءلوا سؤالا مشروعا وهو هل تمكن هؤلاء الائمة من تثقيف المسلمين بتفصيلات دينهم الاساسية من اركان وأخلاق ومعاملات ولم يبق لهم سوى سياسة التخويف والترويع والرعب عن المستقبل الذي ينتظرهم في حين ان رسول الله قال لنا جميعا يسروا ولا تعسروا وقال ايضا بشروا ولا تنفروا. من المعلوم بأن ليس كل ما يعرف يقال حتى لو كان منصوصا عليه في الشريعة الاسلامية من خلال القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة. أنه من المؤكد أيضا بأن لكل حدث حديث ولكل مقام مقال حتى ان رسول الله قال أمرت ان احدث الناس على قدر عقولهم. فكيف اذن لا يتورع أولئك الائمة من الحديث في خطب الجمعة عن القتل والدمار وعذابات النار ودمار العالم وتفصيلات مرعبة أمام الجاهل والعالم والمرأة والرجل وأمام الاطفال التي تحولت احاديث الامام لديهم الى كوابيس تؤرق نومهم ويريدون سماع المزيد من هذه الاحاديث المثيرة والمقلقة بنفس الوقت.هنا في فرنسا علينا نحن المسلمين ان نعيش في عصرنا وفي امكنتنا التي نحيا فيها ونجتهد في التعرف على ما يدور حولنا لأننا لا نعيش وحدنا في هذه البلاد في اغلب الاوقات. أن تمكنا والحمد لله من اقامة شعائرنا الدينية في المسجد لوحدنا، فأن بقية اوقاتنا نقضيها في المعمل والمدرسة والجامعة والمدينة والقرية ونتنقل بوسائل النقل ونمشي بالشوارع ونتسوق بالأسواق مع غيرنا. لذلك يتعين ان نبني علاقات حسنة مع الاخرين المخالفين لنا في العقيدة والتقاليد والأساليب خدمة لديننا الذي ينبغي ان يتعرف عليه الاخرون من خلال التزامنا بدعوتنا الاسلامية السمحة مصداقا لقوله تعالى، ادعو الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن. وكذلك خدمة لمصالح الجالية ألأساسية فنحن في مدينة سيرجي على سبيل المثال تمكنا عبر سنين طويلة من ترسيخ علاقات طيبة مع اهل الكتاب وعمادة المدينة مما سهلت ويسرت علينا خدمة مصلحة جاليتنا عندما نجحنا ببناء مسجد سيرجي الكبير.ان هناك ضرورة قصوى للجمعيات الاسلامية العاملة فوق التراب الفرنسي ان تنفتح على بقية اطياف المجتمع الفرنسي ليس فقط من اتباع الديانات الاخرى كالمسيحيين الكاثوليك والبروتستانت والارثوذوكس واليهود والبوذيين انما مع العلمانيين والمثقفين ورجال الاعمال والإعلاميين والاقتصاديين والسياسيين. وليخرج الدعاة وقادة الجمعيات والأئمة من برجهم العاجي في المساجد الى خارجها لمساعدة الناس لا سيما بقية المسلمين من غير الملتزمين او الذين لا يرتادون المساجد لسبب من الاسباب او الفقراء والمساكين والضعفاء والمساجين والمرضى. على الائمة ايضا ان يتقوا الله بالمسلمين ولا يجعلوهم حقل تجارب لاجتهاداتهم الشخصية وتعصبهم ونزواتهم الفردية المغلفة والمبطنة بلباس الدين. نعم هناك حياة اخرى خارج المساجد يجب التعرف عليها. ألا يكفي ما يحل ببلداننا الاسلامية من دمار ودماء ودموع نراه رأي العين في سوريا والعراق وفوضى خلاقة وغير خلاقة في مصر وتونس وليبيا واليمن. فوق كل هذه الهموم الحياتية العصيبة يأتي علينا بعض الائمة ليكملوا المشهد الدامي السوداوي المتشائم الذي نحياه بواقعنا المعاش ويسعون لتحويل حياة المسلمين ومستقبلهم بل حتى اخرتهم الى جحيم فيسفهوا احلامهم وأمالهم الجميلة ويجعلوها كوابيس حتى هنا في البلدان الغربية. ألا يحق للمسلمين أذن التمتع بحياتهم الدنيا وفق قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق؟. ‘ كاتب عراقي qmdqpt