الاسلام ليس بحاجة لدفاع الاسلاميين ومدنية الدولة ليست بحاجة لحماية العلمانيين

حجم الخط
0

بعد أن استبشر التونسيّون ببدء التصديق على فصول الدستور الجديد، خيّم عليهم قبل يومين شعور بالحيرة والخوف من تعطيل ذلك المسارعلى إثر الخصومة التي تأجّجت بين النائب اليساريّ منجي الرحوي وبعض نوّاب حركة النهضة. فالرحوي لم يعجبه الفصل الأوّل من مشروع الدستور بعد أن تمّت المصادقة عليه، ولم يقبل بتمرير نصّ يجعل من الاسلام دين الدولة لا دين الشعب كما يريد، معتبرا ذلك التقرير ‘مؤامرة من طرف حركة النهضة’، من شأنها أن تهدّد مدنيّة الدولة التونسية… وعوض تجاهل هذا الرأي بعد أن تجاوزه المجلس بالتصديق على الفصل المذكور، وقع الحبيب اللوز من كتلة حركة النهضة في الفخّ وانتصب يدافع عن الاسلام وكأنّه في خطر داهم جرّاء ما قاله نائب لا وزن له ولا لكتلته، فنعته على أمواج إذاعة خاصّة ‘بالمتطرّف الذي سينظر الشعب في شأنه’. وتلك وليمة تروق لهواة الصيد في المياه العكرة من السياسيّين والإعلاميّين الذين يسعون في كلّ مناسبة إلى ركوب التأويلات الخطيرة، للنيل من الخصوم. وهكذا اعتبروا ما قيل بأسلوب عاطفيّ دعويّ، تهديدا إرهابيّا ينطوي على تكفير مبطّن للنائب منجي الرحوي الذي عاد في جلسة ثانية يندّد بما تعرّض له من التشهير ويحمّل حركة النهضة ما قد يحصل له أو لأفراد عائلته من اعتداء يهدّد حياته. ويرفع صوته معلنا أنّه ‘مسلم من عائلة مسلمة’، وكلّ ذلك بعد إعلان الداخليّة عن تهديدات جديّة وصريحة بتصفيته خلال 48 ساعة ما دفعها إلى وضعه تحت الحماية.
ولست أشكّ لحظة في أن الخصومة وما أفرزته من احتقان أظهرت للجميع عاقبة الوقوع في مزالق الجدل الاستقطابي العقيم الذي قد يوفّر الغطاء لارتكاب جرائم أخرى تعصف بخارطة الطريق بعد أن حصلت على التوافق لتجاوز أزمات غالبا ما تُفْتعل لتحقيق المآرب السياسيّة بعيدا عن الإرادة الشعبيّة التي تترجمها الانتخابات الحرّة النزيهة.
وبكلام آخر، ليس الإسلام بحاجة لدفاع نوّاب النهضة، وليست مدنيّة الدولة بحاجة إلى حماية النائب الرحويّ. بل كان على الجميع أن يساهموا في حماية المسار التأسيسيّ من مخاطر المجادلات العقيمة التي قد تؤدّي إلى زعزعة التوافقات نظرا لهشاشتها وهوانها على السياسيّين.
والمتابع لجلسات المجلس التي تبثّها القناة الوطنيّة الثانية، سيكتشف الكثير من الأفكار الهجينة والتأويلات الغريبة على ألسنة نوّاب الشعب ما جعلها تثير معاركهم وضحكنا في آن واحد، فقد دعت نائبة من كتلة المؤتمر، إلى تضمين الدستور عبارة ‘ديقاج’ الفرنسيّة لدورها في الإطاحة بالدكتاتوريّة، وانبرت تتغنّى بها لإبراز شحنتها الموسيقيّة الأمر الذي جلب لها سخرية من رئيس المجلس مصطفى بن جعفر وهو يتساءل مستغربا عن الطريقة المثلى لتلحين تلك الكلمة في الدستور.
أمّا النائب أزاد بادي عن حركة وفاء فعبّر عن تخوّفه من الفصل السادس الذي ينصّ على التزام الدولة بحماية ممارسة الشعائر الدينية وحماية المقدسات لأنّه في رأيه يتعارض مع هويّة تونس العربية الاسلامية فطالب بحذف ‘حرية الضمير’ من الدستور لأنّها قد تمنح ‘عبدة الشيطان والأصنام’ الحقّ في إقامة طقوسهم ونشر أفكارهم في وطننا المسلم.
وبنفس هذا المنزع التأويليّ الساذج، تعالت الأصوات منبّهة إلى خطورة التنصيص على انتماء الدولة التونسيّة جغرافيّا إلى حوض المتوسّط، فربطته بنية مبيّتة للتطبيع مع الكيان الصهيونيّ ما أثار حفيظة النوّاب الذبن يعارضون بقوّة التقارب مع إسرائيل…
ومن شأن تلك المزالق إذا تكرّرت أن تفوّت على النوّاب فرصة سانحة للمصادقة على دستور البلاد في الآجال التي أعلنت لتواكب الذكرى الثالثة لنجاح الثورة التونسيّة في الاطاحة بنظام الرئيس المخلوع، أي في الرابع عشر من يناير القادم يالتوازي مع إنهاء المسارات الانتقاليّة الأخرى لتنظيم انتخابات جديدة تمنح السلطة لرئيس جديد لا يُنعت بالمؤقّت وحكومة لها من الصلاحيّات ما يساعدها على فرض النظام وتطبيق القانون حتّى تتجاوز البلاد حالة الفلتان الذي مسّ جميع القطاعات وأدّى إلى بطء اقتصاديّ وتوتّر اجتماعي وتقهقر أخلاقيّ.

كاتب تونسي
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية