الاسلام والتعريب، لماذا وكيف انتصرا؟

حجم الخط
0

سليم مطرلقد اخترنا هذا الموضوع التاريخي، لانه يتعلق بصورة مباشرة بالحوار الساخن والدامي حول دور الاسلام في المجتمع والدولة. ان الجدال حول: كيف ولماذا انتشر الاسلام والتعريب في (البلدان الشرقانية ـ شرق البحر المتوسط) أي التي اصبحت مسلمة عربية فيما بعد، يعتبر مثالا واضحا لطبيعة الحوار الذي يعاني من التبسيطية والتطرف. فهنالك طرحان متعارضان سائدان: ـ الطرح الاسلامي التبسيطي الذي يعتبر ان انتشار الاسلام تم فقط بفضل المسلمين الفاتحين المدعومين بالايمان وبالارادة الالهية. ـ الطرح العلماني واليساري والمسيحي الذي يعتبر ان انتشار الاسلام وانتصاره تم فقط بفضل السيف وضغوطات نظام الجزية. ان مشكلة الطرفين تكمن في غياب الرؤية التاريخية والتحليلية للمرحلة السابقة والمرافقة لانتشار الاسلام والتعريب. ومطالعة احوال الشعوب في العراق والشام ومصر وشمال افريقيا. اذ نلاحظ العاملين التاليين اللذين سهلا عملية الاسلمة والتعريب:اولا ـ وجود المسيحية: من المعروف ان الغالبية الساحقة من سكان هذه البلدان، كانت تعتنق المسيحية(بالاضافة الى اقليات يهودية وصابئية ومانوية)، بل كانت هذه البلدان من العراق حتى اقصى المغرب هي معقل المسيحية، ومنها انطلقت اولى الحركات المسيحية على جميع الاصعدة الفلسفية والفقهية والسياسية. يكفينا التذكير بأن اساس المسيحية شيد في فلسطين وعموم الشام، وان جميع مؤسسي المسيحية وناشريها في العالم هم من ابناء هذه البلدان(حواريوا السيد المسيح وكتبة الاناجيل). وان اول رهبنة وزهد في المسيحية بدأت في سيناء على يد القديس المصري الصعيدي(انطونيوس القرن الثالث م) وتلميذه القديس(باخوميوس). وان اول فلاسفة المسيحية هو (القديس اوغسطين ـ القرن الخامس م) الفينيقي ـ البربري الجزائري. بالاضافة الى العديد من الاعلام والحركات الهامة. لكن هذه المسيحية الشرقية كانت تعاني من مشكلة عظمى لم تجد لها حلا: تبعيتها السياسية والوطنية لدولة اجنبية، الرومان ثم ورثتهم البيزنط.(اما العراق فقد كان محتلا من قبل ايران الزرادشتية). لهذا فان هذه المسيحية الشرقية ظلت دائما تبحث عن هويتها الوطنية وتمايزها عن المحتلين رغم انهم مثلهم مسيحيون، لكن الفوارق الثقافية ولعقلية والروحية كانت متجذرة وموروثة ولم يحلها التوافق الديني. لقد انعكس هذا الخلاف السياسي الوطني على المسيحية نفسها، حيث بدأت النخب المسيحية الشرقية تتمرد على الهيمنة الاوربية الاجنبية من خلال خلق تيارات مسيحية شرقية متميزة عن التيار المسيحي الرسمي الذي يتزعمه الامبراطور الروماني ثم البيزنطي. لهذا نلاحظ ان اول انشقاق روحاني قاده (اريوس الليبي الاسكندري ـ القرن الثالث م) الذي انشأ التيار الاريوسي الشهير في المسيحية، والذي انتشر خصوصا بين الشعوب الجرمانية. كذلك ان اول حركة ثورية اجتماعية سياسية مسيحية هي (الدوناتيةـ القرن الخامس م) التونسية الشمال افريقية، والتي قامت ضد المحتلين الرومان. وان اول كنيسة مسيحية انشقت عن الكنيسة الرسمية البيزنطية، هي الكنيسة النسطورية العراقية(القرن الخامس م). وتلاها ايضا انشقاق الكنيستين السورية(اليعقوبية) والمصرية (القبطية) عن الكنيسة الرسمية البيزنطية. بالاضافة الى ما لايحصى من التمردات والانشقاقات وانبثاق الطوائف المسيحية الشرقية المعادية للمسيحية الرسمية البيزنطية. (بالنسبة للعراق فإن المسيحية كانت في صراعين: ديني ضد البيزنط، وكذلك في صراع وطني دامي ضد الهيمنة الزرادشتية الايرانية). كل هذه الانشقاقات والتمردات وتنوع الطوائف والجدالات الفقهية العقيمة، اضعفت المسيحية واتعبت المؤمنين بها وجعلتهم ينتظرون بفارغ الصبر القوة الروحية والسياسية القادرة على توحيدهم وانقاذهم روحيا ووطنيا. وهذا يفسر السر العجيب لاستقبال الشعوب الشرقية للفتح الاسلامي ثم الدخول في الاسلام بهذه السهولة الغريبة. لان الاسلام تمكن من تحقيق هدفين حاسمين لهذه الشعوب الشرقية المتعبة والمذلة:اولا ـ من الناحية الدينية ان الاسلام منح المسيحيين الشرقيين جوابا واضحا وحاسما ومقنعا للمشكلة الفقهية الروحية العويصة التي اتعبتهم وكانت حجة جميع انشقاقاتهم خلال القرون السابقة: ماهي طبيعة السيد المسيح: هل هو ابن الله، ام روح الله ، ام هو الله نفسه؟فأتاهم الاسلام بجواب واضح ومريح هو نفس جواب المسيحية النسطورية العراقية: ان السيد المسيح هو نبي وبشر وقد ولد من روح الله التي نفخها في رحم امه مريم العذراء.ثانيا ـ من الناحية الوطنية، ان الاسلام منح شعوب البلدان المفتوحة الكرامة الوطنية والقدرة على قيادة انفسهم بانفسهم. فأن دينامية الاسلام وعبقرية قادته، انه فتح الابواب كاملة لجميع الشعوب بالاشتراك في المنافع السياسية والاقتصادية ومغانم الفتوحات بمجرد الاعلان عن تبني الاسلام وترداد عبارة الشهادة، ليس اكثر! بل بعد اقل من قرن بدأ الفاتحون العرب المسلمون يفقدون بدنيا تمايزهم القومي ويذوبون من خلال التزاوج بالسكان الاصليين. بحيث انه خلال الحقبة العباسية وكذلك الاندلسية والفاطمية، كانت غالبية السلالات الحاكمة غير عربية خالصة بل ممتزجة بمعتنقي الاسلام من البربر والاقباط والسريان. بالاضافة الى المشاركة الفعالة للايرانيين والتركستان والاكراد. خلاصة القول : ان انتشار الاسلامي والتعريب تنطبق عليه القاعدة الشمولية التالية: ان اية قوة دينية وسياسية وعسكرية وحضارية، لا يمكنها ابدا ان تفرض سيطرتها دون وجود عوامل موضوعية(ثقافية وروحية واقتصادية وسياسية) تبرر وتسهل انتصارها. وان اية قوة مهما كانت جبارة لا يمكنها ابدا ان تفرض سيطرتها دون حد معين من التواطئ والتقبل والحاجة من قبل الغالبية المحكومة. فلا الايمان والارادة الالهية، ولا السيف والجزية، لقادرة على التأثير دون توفر العوامل التاريخية والثقافية والنفسية. وان القوة التاريخية التي تتمكن من الانتصار هي التي تتفهم وتتجاوب وتستثمر هذه العوامل.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية