الاسلام والمسلمون لنعمان جلال: الفقهاء يؤثرون السلامة وينافقون الحكام

حجم الخط
0

الاسلام والمسلمون لنعمان جلال: الفقهاء يؤثرون السلامة وينافقون الحكام

الاسلام والمسلمون لنعمان جلال: الفقهاء يؤثرون السلامة وينافقون الحكامالقاهرة ـ القدس العربي : مفارقة مضحكة، مبكية، لكنها لا تخلو من دلالة جارحة، تلك التي وقف أمامها ورصدها السفير والكاتب محمد نعمان جلال في كتابه الإسلام والمسلمون، التحديات والاستجابات في القرن الحادي والعشرين الصادر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية ، وهي مفارقة توضح حال الأمة الإسلامية، الراهن، إنها الفرق بين مطلع القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين، ذلك أن القرن العشرين قد بدأ، بالنسبة لتاريخ الإسلام والمسلمين، بشخصيات مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين وآخرين في شتي المجالات، في حين بدأ القرن الحادي والعشرون بشخصيات مثل: أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري والملا عمر، وأبو مصعب الزرقاوي، وشتان الفارق بين النوعين من الشخصيات، ففي الوقت الذي كان فيه الأفغاني ومحمد عبده، يناضلان بالكلمات والدعوة الحسنة لتحرير أوطانهم من الاستعمار والتخلف، ويلجآن الي الغرب للدفاع عن تلك القضايا العادلة، نجد الآن المسلمين في الغرب يثيرون المعارك حول ملابس المرأة المسلمة ويشعلون النيران في السيارات والأملاك الخاصة والعامة.إن النظر إلي طبيعة القضايا التي يثيرها المسلمون الآن في علاقتهم بالغرب توضح المدي المتدهور الذي يمثلونه في سلم الحضارة العالمية، التي تمضي بخطي متسارعة، وفاتنا أن نلتحق بها، فنثير الغبار حول معارك وقضايا لا يهتم بها غيرنا، فهل يرجع تخلفنا هذا إلي ديننا الحنيف الذي يأمرنا بالعمل ويحثنا علي العلم والتقدم؟ أم يرجع السبب إلينا نحن اتباع هذا الدين؟ وفي المسافة الفاصلة بين الدين كقيمة حضارية وإنسانية، وبين الاتباع، تكمن القضايا التي يدرسها ويناقشها جلال، فهو يري أن المسلمين منذ أمد بعيد يعانون الانفصام رباعي الأبعاد، حيث الدين العظيم في قيمه ومبادئه من ناحية، والحضارة الإسلامية العريقة التي اتسمت بالانفتاح علي حضارات عالمها المعاصر انذاك، من ناحية ثانية، ثم فترة طويلة من التخلف والجمود الثقافي والفكري والعلمي، بل والاقتصادي والاجتماعي من ناحية ثالثة، ثم مرحلة ممتدة من الاستبداد الذي يتعارض مع كل المبادئ الإنسانية ويتحدي منطق التطور، وهو ما جعلنا في نظر العالم تهديدا للحضارة ومصدرا للإرهاب.نصاعة الإسلام وتخلف عقل المسلمين، هي ـ إذن ـ الحقيقة التي يتأملها بأسي محمد نعمان جلال، وكانت دافعه الأساسي لوضع هذا الكتاب.وهو ربما الأمر الذي يبرر تساؤله في مقدمة الكتاب قائلا: أية مفارقة هذه بين الأمس واليوم؟ فبالأمس البعيد والقريب، كان المسلمون ينظرون للمستقبل لتعزيز دورهم ومساهمتهم فيه، واليوم، وربما للأسف غدا، ينظر المسلمون إلي الماضي للعيش في كهفه وقيوده.وينقل جلال جملة تؤيد وجهته من أحد الكتاب عندما يقول: المسلمون يستدبرون المستقبل ويستقبلون الماضي ، ويضيف نعمان قائلا نقلا عن التراث الصوفي: إن العلماء في المجتمع مثل ملح الطعام، فإذا فسد الملح فسد الطعام.ويوجه نعمان جلال لوما شديدا إلي فقهاء المسلمين متهماً إياهم بإيثار السلامة ويقول:نحن في زمن عز فيه المناضل الحقيقي، الذي قال فيه الرسول صلي الله عليه وسلم أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ، فإذا ببعض علماء اليوم يؤثرون السلامة، ومن ثم يزداد طغيان الحكام في البلاد الإسلامية ويتعاظم جورهم وفسادهم وافتئاتهم علي حقوق الإنسان.في المقابل يرصد نعمان جلال بروز علماء التجارة والتسويق والعولمة والإرهاب والفضائيات ليرفعوا ما يطلقون عليه كلمة الله فيتاجرون بها، رافعين شعارات حق قاصدين بها الباطل.وعلي مستوي رد الفعل الصادر عن الآخر الأوروبي يري جلال أن خطورته تتمثل في ثلاثة جوانب أولها أن الغرب يملك أجهزة الإعلام العالمية، وثانيها أنه أكثر اتحادا، والثالث أنه أكثر قوة.يتضمن الكتاب ثلاثة عشر فصلا كان أبرزها العقل الإسلامي وتحديات القرن الحادي والعشرين، تركيا وطرح نموذج الإسلام المعتدل، نظرة تأملية علي الإسلام وحقوق الإنسان، حقوق الإنسان والمبادئ الدستورية المرتبطة بالنظام. ويتعرض الكاتب في هذا الفصل لأخطر الإشكاليات الإسلامية مثل إشكالية الجهاد ويرصد في ذلك انقسام الرأي بين الفقهاء بين ثلاثة اتجاهات أولها أن الإسلام ذو نزعة حربية، فالجهاد مشروع كطريق للدعوة، ويستشهد فقهاء هذا الاتجاه بعدد من الآيات القرآنية منها الآية 36 من سورة التوبة وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين .وثانيها الرأي القائل بأن الإسلام ذو نزعة سلمية ويستشهد فقهاء هذا الاتجاه بعدد من الآيات منها الآية 199 من سورة الأعراف التي تقول خُذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وكذلك الآية 34 من سورة فصلت التي تقول: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، أما الرأي الثالث فيري أن الإسلام كعقيدة ذو صبغة سلمية ولكنه كشريعة ذو صبغة حربية كما يقول الدكتور عبدالحميد متولي والدكتور محمد طلعت الغنيمي.أما إشكالية الجزية فلم يتوقف عندها المؤلف كثيرا ولم يبد فيها رأيا رغم أنها الآن من أخطر إشكاليات الأقليات غير المسلمة في البلدان الإسلامية، بعد أن تحققت فكرة المواطنة بشكل معقول وبات غير المسلمين جزءا من الهيئة الاجتماعية ويشاركون في الدفاع عن التراب الوطني.كذلك يتعرض المؤلف لإشكالية عقاب المرتد في الإسلام ويعرض للعديد من الآراء، ورغم أنه لم ينضم لقافلة الفقهاء الذي أدلوا بدلوهم في الأمر إلا أنه يختتم حديثه في تلك القضية بالقول: إن القضايا السياسية جاءت في الإطار نفسه، وفي تقديرنا أنه نظرا لعدم بروز علم الاقتصاد والسياسة في الحضارة الإسلامية فقد حدث التراجع، ويشير الي ما أسماه مأزق الفكر الإسلامي في مواجهة المتشددين من أتباعه، ثم يتعرض المؤلف لمبدأ المساواة في الإسلام أما فيما يتعلق بمسألة الخلافة في الإسلام فيعتبر أن أكثر الرؤي تشددا لدي ابي الأعلي المودودي حيث يري أن الحكومة في الإسلام ثيوقراطية لا ديمقراطية لأن الحاكم ينفذ أوامر الله وتشريعاتها من عند الله، استنادا إلي نصوص القرآن إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه و ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . غير أن نعمان جلال يري أن هذا التفسير للحكم تفسير خاطئ إذ ان تعبير الحكم في القرآن لا يعني السلطة السياسية بل يعني القضاء، كما هو واضح من سياق الآية، وينقل نعمان جلال عن الدكتور عبد الحميد متولي قوله: انه سواء تم بحث موضوع الخلافة في علم الفقه أم علم الكلام فإن المسألة الدستورية لم تطور الفقه الإسلامي فكرا دستوريا، وأنه من العوامل التي حالت دون تطوير ذلك غلبة النظم الاستبدادية في الحكم الإسلامي منذ الأمويين، وهذا الجمود الفكري في النظر للخلافة أو الإمامة هو الذي حال دون تطور الفكر الدستوري الإسلامي، ولذلك تركز البحث في شخص الخليفة وليس علي أعمال ومواصفات نظام حكمه.وفي ختام كتابه يدعو المؤلف محمد نعمان جلال إلي ضرورة وضع تصور مستقبلي للمسلمين في التعامل مع قضايا العصر، ويري أن هذا هو طوق النجاة الوحيد، ويقول: لقد تعرض المسلمون منذ أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) بوجه خاص لكثير من النقد، بعضها يمكن تبريره لتأثير تاريخ الصراع بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية في فترة الحروب الصليبية، أو في فترة المد الاستعماري، وبعضها سعيا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية للسيطرة علي الموارد الطبيعية وفي مقدمتها النفط، وأيضا بدافع حماية إسرائيل ضد كل القيم والأعراف والشرائع الدولية، لكن جلال في المقابل ينتقد النموذج التراثي الفقهي الذي أضفي المزيد من القداسة علي نفسه وجعل وجوه الاجتهاد مغلقة بشكل غير مفهوم، ومن ثم تم إهمال دراسة التاريخ الإسلامي بشكل نقدي، وينتقد كذلك تلك النظرة الرومانسية للتاريخ الإسلامي باعتباره الجنة المفقودة، ويراها نظرة رومانسية حالمة وغير حقيقية.يقع الكتاب في 231 صفحة من القطع الكبير وصدر عن الدار المصرية اللبنانية.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية