الاسم الادبي العربي؟

حجم الخط
0

الاسم الادبي العربي؟

الياس خوريالاسم الادبي العربي؟وصف انطون سعادة (مؤسس الحزب القومي السوري وزعيمه) المعرّي بالشاعر السوري، في معرض دعوته الي تأسيس رؤية ادبية جديدة تلائم اطروحاته القومية، المتأثرة بالفكر القومي الالماني. صفة السوري التي اطلقت علي ابي العلاء لا تثير سوي الريبة، لأنها تفترض بالدارس ان ينظر الي امرئ القيس في وصفه يمنيا والي المتنبي في وصفه عراقيا والي ديك الجن في وصفه حمصيا والي آخره… وتقوم عمليا بتجاهل حقيقة ان هذا الأدب كتب قبل تأسيس الاوطان الحديثة، كما انه يحمل في داخله وحدة بنيوية قائمة علي تواصل تاريخي ولغوي وفكري، تجاوز الدول والدويلات العربية التي قامت في ظل الدولة العباسية وعلي انقاضها بعدما اعتراها الوهن والتفكك. اعتمد الدارسون صفات اكثر مطابقة، مرتبطة بالمراحل التاريخية التي مرت بها الثقافة والسياسة في العالم العربي: الادب الجاهلي، ادب صدر الاسلام، الادب الاموي، الادب العباسي، الأدب الاندلسي. والواقع ان تلازم الادب والجغرافيا لم يحصل الا في التجربة الاندلسية، التي قامت بتطوير الموشحات، وحولتها فنا شعريا قائما في ذاته. غير ان هذا التلازم ليس دقيقا، فاذا درسنا النقد والتيارات الادبية والفكرية الاندلسية، نكتشف انها كانت امتدادا للثقافة العباسية واعادة انتاج لها. غير ان مشكلة الصفة تاهت في الثقافتين المملوكية والعثمانية، حيث تم اختزال ثمانمئة عام في تعبير واحد هو عصر الانحطاط، وهو تعبير مأخوذ عن عصر الظلمات في اوروبا القرون الوسطي، التي انتهت مع بدايات عصر النهضة. اختزال مرحلة انتجت الف ليلة وليلة والمبني الفلسفي الرشدي، والتاريخ الخلدوني، والعمارتين المملوكية والعثمانية، اضافة الي الكثير من العمل المعجمي الخلاق، والنصوص السردية النثرية المدهشة، تثير اكثر من سؤال حول الكيفية الاختزالية التي تعامل بها العرب المحدثون مع تاريخهم الثقافي. غير ان هذا الاختزال لم يأتِ من لا مكان، بل جاء من عجز عصر النهضة العربية التي بدأت في القرن التاسع عشر عن ايجاد معادل نظري لادخال الادب الشعبي في المبني الادبي من جهة، وعدم القدرة علي بلورة مفهوم انفصال الثقافة عن السلطة، التي تجلت عندما لم تعد السلطة عربية، ولم تعد مهتمة تاليا بالعلاقة بين الشاعر والحاكم، مما ساهم في كساد الشعر.واليوم، اي في زمن الانحطاط السياسي الجديد الذي يواجهه العالم العربي في ظل الاحتلال والديكتاتورية، تعود المسألة لتطرح نفسها من جديد. زمن المركز الثقافي الواحد: القاهرة وبيروت تشظي، القاهرة غابت في زمني كامب دايفيد الساداتي والجمود المباركي، وبيروت تهاوت تحت ضربات انفجار الهزيمة العربية حروبا اهلية بلا نهاية. من دون مركز ومن دون نصاب، تجد الثقافة العربية نفسها في وحل المسمي الذي بلا اسم، ونجد انفسنا من دون حصاد فكري، يجمع ويصنف ويساهم في صوغ المستقبل.بعد افول الناصرية في هزيمة حزيران 67 المروعة، بدأ افول الوحدة السياسية والوجدانية العربية. صحيح ان الناصرية فشلت في تحقيق الوحدة العربية، ربما كانت هزيمتها الفعلية قد بدأت في 28 ايلول (سبتمبر) 1961، حين نجحت حفنة من ضباط الجيش في دمشق في تحطيم المشروع الوحدوي العربي، غير انها كانت مظلة سياسية تملك مشروعا يمتد من مقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر الي مقاومة الاستعمار البريطاني في اليمن الجنوبي. تمزقت المظلة، ومعها تمزقت الايديولوجية القومية علي ايدي الضباط الذين حولوا النموذج الناصري الي كاريكاتور في انظمة ديكتاتورية قطرية، لا هدف لها سوي البقاء قي السلطة، وحل مكان المدي القومي احساس قطري ضيق من جهة، وتيارات اصولية ليست الفكرة العربية جزءا من اهتماماتها.غير ان ما فات هذه التيارات هو ان ضمور الفكرة العربية، لم يغير من واقع ان الأمن القومي العربي هو القضية. وما لعبة الاواني المستطرقة التي تمتد من العراق الي فلسطين الي لبنان سوي الدليل الحسي علي ما اقول.لكن ليس هذا هو الموضوع.الموضوع يرتبط بالمدي الثقافي العربي، الذي في تحوله نحو قراءة التفاصيل والواقع المعيش، يضيف بعدا محليا علي اللغة والبني الادبية، لكن هذا البعد في استخداماته للغة المحكية او في انغراسه في بيئة محددة مرتبطة بواقع الاوطان التي نشأت بعد الاستقلال، لا يحدث قطيعة في مدي ثقافي ميزته التواصل. الرواية المغربية لا يمكن ان تقرأ في معزل عن التحولات في الرواية العربية من صنع الله ابراهيم الي اميل حبيبي، كما ان الرواية اللبنانية لا يمكن ان تدرس في معزل عن الرواية المصرية، هذا كي لا نتحدث عن الشعر الحديث الذي يبدو في مراحله المختلفة وكأنه ابن تجربة واحدة ومتعددة في آن معا، غير ان كسل النقد النظري، يفسح في المجال لتأويلات خاطئة تكاد تطيح بوحدة الثقافة العربية.حين استخدم تعبير الوحدة فأنا لا اعني وحدة ايديولوجية تنفي التعدد، ولا افترض اصالة جوهرية وهمية، ما اعنيه بالوحدة هو مدي متعدد المستويات ميزته انه يبني داخل لغات العرب، اي ضمن بنية اللسان العربي الذي يتسع للمحكي، من دون ان يفقد صلته بحقل لغوي مشترك.اننا نعيش في مرحلة شبيهة بأواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن. اسلافنا النهضويون صاغوا افقا ثقافيا موحدا انطلاقا من تجديد اللغة وفتح ابواب العقل علي الحداثة، حين كان التاريخ يخون العرب ويعطيهم بدل الاستقلال فتاتا وتفتتا.ربما كنا اليوم في لحظة شبيهة، لكننا لا نحتاج الي تجديد اللغة، بل نحتاج الي الاستمرار في مغامرة البحث عن معني عروبتنا وسط ظلام كالح. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية