الاسم سيّد الدّوال: نحو قراءة سيميائيّة لخطاب الثورة التونسية

حجم الخط
0

الهادي العيادي ذهب النّاقد البنيوي الفرنسي الروائي رولان بارط (Roland Barthes(1980/1915) وهو يقرأ إعمال الروائي مارسال بروست Marcel Proust إلى أن الاسم سيّد الدوال، ذلك انّ الاسم في أصل معناه علامة لغوية تتركب من جملة أصوات أو حروف دالة على معنى.

و يضرب الاسم باعتباره ظاهرة سيميائيّة في أبعاد ثلاثة:-بعد مرجعي إذ قد يحيل إلى شخص تاريخي أو واقعي.-بعد رمزي بجعل الاسم العلم يهجس بمعاني غزيرة فيتحظى اعتباطية الدال ويضحي دورانه على ألسنة الناس مبررا ذا وظيفة.-بعد تذكري: ذلك أن الاسم قد يشحذ الذاكرة من جديد فاستشهاد محمد البوعزيزي نشّط الذاكرة وفتح مغالقها وأحدت بها كوى أطلت منها أسماء أخرى وسمت تاريخ تونس البعيد والقريب فا ستحضر التونسيون أسماء على بن غذاهم ومحمد على الحامي وفرحات حشاد… ولائحة الأسماء طويلة لا تحصى ولا تعدّ.-وجاء في لسان العرب لا بن منظور أنّ الاسم من الوسم والوسم هو اثر الكي (حضور لافت لرمزيّة النار) واتّسم الرجل جعل لنفسه سمة بها يعرف ويتميز، كما اقترن الاسم في دلالته المعجمية بالرفعة والشموخ والتعالي على الأركان المضلمة في واقع مدجّن، فتمجيد الاسم واللهج به يترجمان رغبة دفينة سكنت المتظاهرين والمنتفضين على الظلم رغبة في التسامي على مواطن الضعف والوهن وها هنا تمسك الجماعة بأسباب توثبها ونهوضها رغم سعي الطغاة إلى نشر مشاعر الإحباط واليأس وإشاعة أجواء الانكسار.

أ/ الثورة التونسية: سحر الاسم والعثور على رأسمال رمزيّ:

كان الشهيد محمد البوعويري في رمزيّة استشهاده يدوّن صفحة جديدة من تاريخ تونس المعاصر، ألهم اسمه فئة الشباب، فدعاهم إلى رفع الهامات ورفض الفقر والذلّ والتّهميش وكأنّ الأسماء القديمة التي هيمنت على البلاد كانت بدون مصداقية او رصيد رمزيّ حقيقي لأنها روّجت لقيم مرذولة كالفساد والرشوة والمحسوبية والولاء وبذلك تعطلت القيم الثوريّة (الحريّة / الديمقراطية / العدالة والمساواة بين الطبقات والجهات) . إن الأسماء القديمة، أسماء الاستبداد ترهّلت وتورّمت، وتورّمها مرضيّ أفلست برامجها ووعودها وشعاراتها وانطفأت صورها التي صنّعت تصنيعا فسارع المتظاهرون والمتيتفضون إلى سحبها والثأر منها واستعا ضوا عنها بأيقونات جديدة وهي أيقونات الشهداء وكانت أيقونة الشهيد محمد البوعزيزي لافتة: شابّ أضرم النار في جسده ليشعل لهيب الثورة وليتلف حطاما من الأسماء القديمة والصور المنهارة والمتهافتة.

إنه سحر الاسم الذي فتن الكثيرين وجعلهم يبرمون ميثاقا جديدا مع حركة شبابية رامت اقتلاع السائد والتجرّؤ عليه.

امتلك شبابنا الاسم الرّمز وألهبت ناره حماسهم، فأضاءت لهم دروبا كانت مقفلة وأشعّت على بلد استوطنه الظلام.

تلك هي قيمة الرمز: يموت فردا ويعيش في أحلام الناس الكبيرة وفي أشواقهم العاتية.

ب/ نفوذ الاسم وسيطرته على المكان:

عندما تعاظم المدّ الثوري ازداد نفوذ الرمز واستحوذ على الشوارع والساحات بعد ان سكن الوعي الجماعي، فتضخّم رأسمال الجماعة الرّمزي ثأرا من رأس المال الطغاة المادي، وحملت الشوارع والساحات اسم سيّد الدّوال وقابل المتظاهرون بين الاسم الرمز والأسماء الأخرى الجوفاء التي تمّت مجاوزتها بسرعة، لعل المنفضين قرؤوا في محمد البوعزيزي مرحلة جديدتا ووعيا جديدا.

أو لعلهم وجدوا فيه ضربا من النقاوة والطهر، ذلك ان اسم العلم le nom propre في اللسان الفرنسي محفوف بمعاني شتى: الطهر والنقاوة والألق وهذه المعاني مجتمعة تترجم رغبة عنيفة في ‘تنظيف البلاد’ وتطهيرها من فساد سرى في مفاصل الدولة وشرايينها.

ج/ الاسم المهاجر والمرتحل: انّ مقاربة خطاب الثورة التونسية من منظور لساني وسيميائيّ أمر مفيد pertinent ، نسعى إلى الانكباب عليه، فهذه الثورة أنتجت قيما بديلة ودفعت إلى الأمام فئات وطبقات لها مصلحة حقيقية في التغيير التاريخي، ولكن الثورة أنتجت كذلك خطابا لغويا: شعارات مدوّنة على اللافتات وفي الشوارع والساحات، وجملا ثورية وبيانات تحتاج جميعها إلى التدبر والتفكيك. هذا الخطاب اللغوي الملوّن بلون الثورة هاجر وارتحل إلى أمكنة أخرى قريبة وقصية فتحرّك اسم محمد البوعزيزي وأضحى حجمه كبيرا فتمدّد واتسع نطاقه ومعه تحرّك الخطاب قوميّا وكونيّا إنسانيّا. لذلك تناسخ الاسم الرمز وتعدّد وقد أراده الطغاة أن يكون فردا وحيدا. لقد تجاوز الحصار والمحاصرة وكسّر الأطواق وهدم السياجات، إن الاسم سيّد الدّوال يحقّق التداخل بين مدارج ثلاثة:

المدرج الوطني والمدرج القومي والمدرج الإنساني. وإن لغة الثورة أو نظام، خطابها كما ننوي تحليله جاءت لتنازل وتقارع لغة أخرى قاهرة ومتخشّبة. الم يقل رولان بارط إن اللغة فاشية بامتياز وفاشيّتها أو جورها يكمنان في توظيفها لإخضاع الآخرين ولاستيلاء عليهم وإلجام كلمتهم الثائرة.

جامعي من كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية