عبد الغني بلقيروسأصاب تسونامي الثورات الشعبية الجارف الأنظمة العربية المستبدة بحالة من الربكة والانذهال، فلم تكن تقدر بحال حصول مثل هذه الانتفاضات بهذا النسق غير المعتاد، كما لم تتوقع مراكز استطلاعها وعيون مخابراتها هذا التجاوب الكاسح للشعوب العربية مع الحراك الثوري، بعد أن كسرت جدران الخوف، وقررت تقرير مستقبلها بنفسها. فلجأت أول ما لجأت لمجابهتها إلى استعمال القوة الأمنية والعسكرية، سلاحهما المعتاد في قمع الشعوب والانتفاضات ووأد الثورات، ولمّا لم يجد ذلك الحّل نفعا أضافت له بالموازاة سلاحها الممّجوج والمستهلك المتمثل في الاتهام بالعمالة والخيانة والتآمر مع قوى وأطراف خارجية، والتساوق مع طروحات أعداء الأوطان، فلم يكن حظ هذا الحل أفضل من سالفه، فلجأت تلك الأنظمة إلى سلاح أخطر، والمتمثل في دفع الاحتجاجات باتجاه طائفي وإيقاظ النعرة المذهبية والجهوية’والإثنية.
ومع ما لهذا التوجه من خطر ماحق بالوحدة الترابية، بل وبمستقبل الكينونة الوطنية بحد ذاتها، ورغم كل تلك المخاوف والأخطار إلا أنّ ذلك لم يردع المتنفذين داخل بعض الأنظمة العربية من انتهاج مسلك توسيم الثورات بالميسم الطائفي وتغذية النعرة الجهوية والقبلية، حتى يمكنهم تحجيم التعاطف الشعبي والدولي مع الثائرين والمنتفضين، وكي يتأتى لهم إيجاد حاضنة طائفية وقبلية تستميت في الذود عنهم وعن أنظمتهم، بعد تغذية تلك الحاضنة بالشّحن الطائفي، حيث تغيب فيه العقول وتخرس معه الحكمة فاسحة المجال للغرائز البدائية لتُسيّر دفة الأمور.
ونجحت السلطات في الجزائر في تحجيم الاحتجاجات الشعبية بعدما لونتها بالصبغة الجهوية على لون متزعم الاحتجاجات السبتية، حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، لكن مع ذلك فان التوتر الشعبي يشتد أواره مع تأخر التغيير المنشود، وقد ينفجر البركان في أي لحظة إذا لم يتم تدارك الأمور بإصلاحات عميقة في الوجوه والسياسات.
ولجأ لهذا التوجه المدمر والمنزلق الخطير النظامان الحاكمان في اليمن وليبيا، وانّ كان مفعوله في التجربتين مؤقت ونسبي، ولن يساهم في إطالة عمر النظامين، إلا لأسابيع معدودات، في المقابل سيكون هذا التوجه تأسيسا لانعطافات مستقبلية خطيرة تهدد السّلم الاجتماعي والوحدة الوطنية لتلك الأقطار العربية، كما لجأ إليه أيضا النظام السوري والسعودي والبحريني، وكان في التجربة البحرينية أوضح من غيرها.
والانتفاضة الشعبية في البحرين انصبغت بهذا اللون نتيجة للطروحات الطائفية التي ظهرت بها مطالب المحتجين بشكل واضح في أكثر الأحيان، وتعرفه من لحن القول في أحيان أخرى، وان حاولت عناصر حكيمة من الثوار تدارك الأمر، بدعوتها لوطنية الثورة وعدم حجرها في أي بوتقة تحصر امتدادها الوطني، غير أن تلك الدعوات جاءت متأخرة، بعدما طغت المطالب الفئوية كمسألة التجنيس السّياسي والمذهبي، والمظلومية التاريخية في حق الطائفة الشيعية وغيرها، وهو ما أعطى لأنظمة المنطقة المبرر لضرب المنتفضين.
وممّا عزّزّ الشكوك حول فئوية الانتفاضة البحرينية الأخيرة تلك التصريحات التضامنية ذات الرائحة الطائفية من أوساط رسمية إيرانية، ومن قبل ناطقين باسم الحوزة الدينية في العراق، وحتى من بعض حركات المقاومة في المنطقة العربية عرفت طويلا بالرزانة والتروي في مواقفها، والنأي عن الاصطفاف الطائفي، كانت كبوتها هذه المرة مؤلمة للجماهير العربية التي عشقت جهادها ووثقت في تصريحات وتوجهات قادتها.
وفي المحصلة لم تزد تلك التصريحات ذات الخلفية الطائفية الانتفاضة البحرينية إلا إرباكا في مسيرتها، وتشتيتا لقواها، وانحصارا في الالتفاف الشعبي حولها، كما كانت حائلا دون التعاطف الدولي، وجعلها عرضة لسهام التشكيك في صدق مطالبها بالإصلاح والعدالة وتحقيق التطلعات الشعبية، بل وعرضة للتخوين في أحيان كثيرة، حتى اتهمها البعض بأنها تعمل كطابور خامس لصالح إيران ومشروعها التوسعي. وإنّ تحجّج القوى والأصوات المنافحة على الانتفاضة البحرينية بنصرة الحق، والدفاع عن حقوق الشعوب في الحرية والعدالة، مطعون في صدق نواياها، ويحمل ازدواجية الخطاب والمواقف، إذ لماذا لم نسمع منها تنديد بقمع المتظاهرين في إيران ولا بالخروق الكبيرة في حق المنتفضين في سورية، حيث تتقاطع مع أنظمتها مذهبيا وسياسيا، بل وأين كانت حدّتها هذه والتظاهرات السلمية في بغداد والفلوجة والموصل في الأسابيع الماضية تقمع بالرصاص الحي، ولا نحتاج للتذكير بالمواقف المخزية لأغلب تلك القوى تجاه الاحتلال الأمريكي للعراق وما صاحبه.
ووصل الأمر بعَرّاب الاحتلال الأمريكي في العراق أحمد الجلبي الى أن يعلن وبكل صّفاقة عن تأسّيس اللجنة الشعبية لإسناد شعب البحرين، فهل عَمِي أحمد الجلبي ورفاقه على التضامن مع أبناء جلدتهم من العراقيين وهم يذبحون ويقتلون يوميا في الشوارع والحواري الشعبية في العراق، وينكل بالأسرى والمعتقلين في سجون الأمريكيين ووكلائهم في العراق. وهل تفتتت أكبادهم لمقتل ستة أو سبعة من ضحايا أحداث البحرين ـ على استنكارنا للحادث ولقمع الاحتجاجات السلمية ـ نصفهم من رجال الشرطة البحرينية، ومئات العراقيين يقتلون ولا بواكي عليهم. لابد لمن رام نجاح الثورات المطالبة بالحقوق وبالعدالة والحرية أن تكون الأرضية الوطنية الصحيحة الجامعة هي الخيمة التي تحتضن الثوار ومطالبهم، وعليهم ابتداء نبذ كل لافتة دينية أو شعار فئوي أو مطلب حزبي ضيق، حتى يتأتى لهم كسب الحاضنة الشعبية الواسعة، ولهم في التجربة التونسية والمصرية خير مثال، وبدون ذلك ستتجه الأمور بتلك الاحتجاجات ذات النفس الطائفي لإطالة عمر الأنظمة المتسلطة والدكتاتوريات القائمة وتسويغ بقائها، أو ـ لا قدر الله ـ إلى فتن وحروب أهلية لا يمكن التنبؤ بتداعياتها.’ كاتب وباحث جزائري