الاصطفاف الطائفي يتحدي علماء الامة ومثقفيها
د. سعيد الشهابيالاصطفاف الطائفي يتحدي علماء الامة ومثقفيهامع استمرار الأزمة العراقية، تتفرع تداعياتها بشكل مضطرد لتتجاوز حدود ذلك البلد، ولتفتح المزيد من الملفات السياسية والدينية بشكل مرعب. والواضح ان هناك اطرافا عديدة تشعر بالارتياح لاستمرار النزيف العراقي، برغم ما تظهره من قلق ، فرب ضارة نافعة كما يقال، او ان مصائب قوم عند قوم فوائد. فعلي مدي أكثر من ثلاثة عقود أبقي ذلك البلد في حالة اضطراب متواصلة، ابتداء بالحرب ضد الاكراد في منتصف السبعينات، مرورا بالحرب العراقية ـ الايرانية وما صاحبها من اضطراب الوئام الداخلي، وأزمة الكويت وصولا الي اسقاط نظام صدام حسين وتداعيات ذلك الحدث المستمرة. ويبدو ان ذلك جزء من العمل الدائب من قبل قوي خارجية لمنع استتباب الامن العربي بشكل يؤدي الي تمخض قوي سياسية وعسكرية فاعلة توقف تداعي الموقف العربي في مقابل المشروع الصهيوني الغربي في المنطقة. فمنذ رحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر في 1970، تموجت اوضاع المنطقة، واستهدفت دولها الكبيرة بازمات داخلية وخارجية لم تنته. بدأت مسيرة التداعي بتوقيع مصر اتفاقات كامب ديفيد وخروجها من دائرة الصراع مع الكيان الاسرائيلي، وتم تحييد البلد العربي الأكبر في ذلك الصراع، ومعه الصراع الملازم له مع الولايات المتحدة الامريكية. وبدأت ازمات العراق منذ ذلك الوقت لتتواصل حتي يومنا هذا. وبمرور الزمن استهدفت بلدان اخري، مثل الجزائر واليمن وسورية والسودان باضطرابات داخلية، عرقية ودينية وسياسية، أضعفتها كثيرا وأضعفت معها مشاريع التضامن العربي، في الوقت الذي تكثفت فيه تدخلات واشنطن لتحقيق عدد من الامور: اولها توفير الدعم السياسي والعسكري للكيان الاسرائيلي، وثانيها فرض الهيمنة الامريكية علي منطقة الشرق الاوسط لمواجهة النفوذ السوفياتي خلال الحرب الباردة، ثم مواجهة التيارات الاسلامية خلال ربع القرن الاخير، وثالثها: الهيمنة علي مصادر النفط بمعدلات وأسعار تناسب اقتصادات الغرب.وبرغم تداخل الوضع العربي، يمكن القول ان ازمات الدول العربية المذكورة كانت محصورة بحدودها الجغرافية، وبالتالي لم تنعكس ازمات اي منها بشكل كبير علي الاوضاع الاقليمية، وان كان هناك قدر من التأثير الاقليمي المحدود لكل منها. اما العراق فشأنه مختلف تماما. فهو ملتقي الحضارات والثقافات والاعراق والمذاهب. فهو عربي ـ كردي، وشيعي ـ سني، وهو بلد نفطي ـ زراعي، يلتقي في حدوده الجغرافية مع الفرس والاتراك، يحاذي دولتين من مجلس التعاون الخليجي، ودولتين محاذيتين للكيان الاسرائيلي. وبالتالي يصعب منع ما يحدث فيه من التأثر بالمحيط الخارجي او التأثير فيه. فحين حدثت المشكلة الكردية في السبعينات، طرحت في اطارها القومي، وانها صراع عربي ـ كردي. وعندما نشبت الحرب العراقية ـ الايرانية طرحت تارة بانها صراع عربي ـ فارسي، واخري في اطارها المذهبي. وفي ازمة الكويت، تحولت المشكلة الي صراع عربي ـ غربي. هذا لا يعني ان الآلات الاعلامية التي تروج لهذه الطروحات قد نجحت في اهدافها، ولكنها، بدون شك، ساهمت بدرجة او اخري في تشويش الاذهان، واضعاف الرؤية والبصيرة لدي الكثيرين. الامة تعيش اليوم تداعيات تلك الصراعات التي كانت في بداياتها محدودة ولكنها مهدت للوضع الذي يعيشه العراق اليوم وينعكس علي الاوضاع الاقليمية، بدفع خارجي ايضا. فالصراعات الداخلية التي شهدها العراق في السبيعينات والثمانينات بين الحكم المركزي والأكراد تارة والشيعة أخري، تشكل جانبا اساسيا من خلفيات الوضع الحالي. وكذلك الامر بالنسبة لما حدث في حرب التسعينات بعد الاجتياح العراقي للكويت، البلد العربي الخليجي الذي دخل معمعة الصراع مع نظام الحكم في العراق من اوسع ابوابه بعد تجربته المرة في 1990. وحتي علي مستوي نظام الحكم، فقد كان الصراع محتدما بين شقي حزب البعث: السوري والعراقي، وهو صراع ابتدأ في السبعينات، واستمر حتي سقوط حكم البعث في العراق قبل قرابة اربعة اعوام، وانعكس ذلك الصراع علي الاحزاب البعثية في الدول العربية الاخري، فهذا بعثي عراقي، وذاك بعثي سوري. هذه الانعكاسات اصبحت مصدرا للقلق في اوساط الامة. لكن اكثر القضايا حساسية المسألة الطائفية التي بدأت في تجاوز حدود الاختلاف بين الفرقاء. لقد اصبح الوضع اليوم مستقطبا بشكل لم يسبق له مثيل، علي اسس مذهبية بحتة، وهو تطور خطير جدا، لان من اكثر الامور دموية الخلافات الدينية عموما، والخلافات ذات الطابع المذهبي ضمن الدين الواحد علي وجه الخصوص. ففي الاطار المسيحي شهدت اوروبا من الصراعات المذهبية ضمن الدين المسيحي ما ادي الي الكثير من القتل والدمار علي مدي قرون طويلة. وقد شهد القرن السادس عشر عددا من الحروب منها الحروب السبع بين الكاثوليك والبروتستانت التي بدأت في فرنسا وشملت بلدانا أخري مثل بريطانيا واسبانيا وبولندا، وحرب هنري الثالث والرابع والخامس في تلك البلدان ايضا (1584ـ1989)، وحرب الرابطة التي امتدت عشر سنوات بعد ذلك. وتواصلت الحروب علي اسس مذهبية في اوروبا وكان آخرها الصراع بين الكاثوليك في ايرلندا الشمالية وبريطانيا البروتستانتية. تؤكد هذه الصراعات ان الحروب ذات الطابع المذهبي من أخطر الحروب لانها تلامس عواطف الناس وتضفي علي الصراع طابعا دينيا خطيرا، وتجعل ممارسة الحرب والقتل عملا ليس مشروعا فحسب، بل فرضا مقدسا يجب القيام به. هذه الصراعات المذهبية لم تؤد الي ازدهار المذاهب الدينية بل اضعفت الجميع وادت الي موت الكثيرين في حروب غير ذات معني. ولا شك ان هناك من يغذي هذه الصراعات لاسباب تتعلق بالجهل تارة، والعصبية تارة اخري، والاطماع ثالثة. ويمكن القول ان الحروب من هذا النوع لم تحسم يوما اشكالا او قضية، بل أدت الي تفاقم الخلافات وتعمق الضبابية وغياب الحكمة والمنطق. فهي بالتالي صراعات عبثية تغذيها آلة الحرب الشيطانية، بلا مغزي او معني. وليس بعيدا القول بان من اسبابها شعور بعض اقطاب المذاهب باحتكارهم الحقيقة المطلقة وحتمية خطأ الآخر، وغياب روح الحوار الذي قد يؤدي الي قدر من الوئام والتفاهم، ويقلص دوائر الخلاف والاختلاف. ازمة العراق اليوم ليست من صنع ابنائه وحدهم، وان كانوا جميعا شركاء في ما يجري. ونظرا لتركيبة العراق المعقدة، كانت اثارة العواطف والاضطرابات أمرا سهلا. الغريب في الامر ان هذا البلد أنجب اجيالا من العلماء والمثقفين والشعراء منذ صدر الاسلام، وفي الماضي كان مهدا نشأ فيه اقطاب المدارس الفقهية الاسلامية التي تحولت لاحقا الي مذاهب. ويتوقع من بلد كالعراق ان يكون علماؤه ومثقفوه، نظرا لهذا التراث العلمي العملاق، أبعد الناس عن الانجرار في مشاريع الاحتراب والاصطفاف علي اسس القناعات الفقهية والدينية. لكن الملاحظ انه يتحول الي بؤرة لتفريخ الافكار الطائفية الهدامة التي تجعل القضايا الفقهية الفرعية المختلف عليها، اساسا للتعامل مع الآخرين، وتجاهل المشتركات من العقائد والافكار والقيم التي تقتضي تلاحم الصف وتقوية الاواصر. بدأت الأزمة سياسية بين الفرقاء علي اساس الموقف من القوات الانكلو ـ أمريكية، وتطورت حتي أصبحت بقدرة قادر قضية أخطر، ذات أبعاد دينية وعقيدية. وبالغ اعداء الامة في التحدث باللغة الطائفية حتي استطاعوا تحويلها الي عنوان للأزمة، بعد ان كانت سياسية بحتة. هذه الجهات أدركت خطر ابقاء القضية في اطر الخلاف السياسي، فذلك ليس من مصلحتها لانها بمرور الوقت ستتحول الي بؤرة استقطاب لجميع العراقيين. وسعت في السنوات الثلاث الاخيرة لتطوير التجاذبات المذهبية حتي جعلتها محور الأزمة السياسية بين ابناء العراق. صحيح ان هناك من لا يزال يتحدث عن الاحتلال وضرورة مواجهته، ولكن الاحتقان الطائفي أصبح يمثل العنوان الاوسع للازمة العراقية. وظهر الرئيس بوش مجددا، كلاعب أساس بقرار ارسال اكثر من 20 الفا من الجنود الامريكيين الي العراق للمساهمة في الحفاظ علي الامن والاستقرار . الرئيس بوش يعلم، كما يعلم رئيس الوزراء البريطاني، ان المشكلة تتحرك علي خط التأزيم المذهبي، وان ذلك من شأنه ان ينعكس علي الاوضاع الاقليمية والعلاقات بين شعوب المنطقة. فاذا كانت حرب لبنان الاخيرة قد كسرت الحواجز العرقية والمذهبية بين العرب والمسلمين، فان خطة احتواء المنطقة وتطلعات ابنائها، تقتضي اعادة صياغة المعالم السياسية وخريطة الانتماءات العقيدية، لتصبح المذهبية اطارا للصراع بين ابناء المنطقة. اصحاب هذه الخطة يدركون ان الخلافات الدينية تخترق الحواجز بدون صعوبة، وانها كالنار التي تنتشر بسرعة الريح لتدمر ما حولها بدون رحمة. ازمة العراق بدأت سياسية وتحولت الي ابعاد مذهبية خطيرة. المشكلة تتمثل باستحالة حصر هذه الحالة ضمن حدود ذلك البلد المحتل من جهة، وعجز علمائه ورموزه السياسيين عن كسر دائرة التصعيد والهاب المشاعر الطائفية. هذا برغم الجهود التي بذلتها جهات عربية واسلامية لاحتواء الازمة باستحضار الرموز الدينية من كافة الاطراف لمؤتمرات في مكة ودمشق وطهران، بهدف تقريب وجهات النظر وسحب الشرعية عن الاحتراب الداخلي القائم علي اسس الانتماء المذهبي. دول المنطقة اصبحت اليوم تشهد حالة اصطفاف طائفي غير مسبوق، طرفاها السنة والشيعة، ومنطلق اختلافاتها ما يجري في العراق من اعادة رسم الخريطة السياسية. لقد كان هناك متشددون و معتدلون ازاء المشكلة الطائفية، ولكن هناك توجها عاما ضد الاتجاهات المعتدلة، يخشي ان يؤدي الي تحول الاغلبية الساحقة نحو المواقف المتطرفة، وهو امر سيكون كارثة علي المنطقة كلها. ان مشكلة العراق الطائفية آخذة في التوسع، خصوصا في ظل السياسات الامريكية التي تصر علي الاحتلال والعسكرة، وتكرس حالة الاستقطاب السياسي بشكل خطير. العراقيون هم اكثر الناس تضررا من هذه السياسة، ولكن ابناء المنطقة يواجهون تحديات صعبة وهم يتأملون الخيارات المتاحة امامهم، وفي مقدمتها الاصطفاف الطائفي. انها مشكلة متداخلة تساهم في تعقيدها اطراف سياسية خارجية، واجهزة استخبارات تعمل بشكل حثيث لمنع استقرار الوضع السياسي والعلاقات الاسلامية ـ الاسلامية، لان ذلك الاستقرار يقوي الاطراف ذات النزعة الوطنية الرافضة للاحتلال، سواء في العراق ام في فلسطين. الجانب الايجابي في الأمر وجود وعي لدي قطاع واسع من المثقفين والدعاة الاسلاميين بخطر الانجرار الي المستنقع الطائفي، وانه لا يخدم اية مصلحة اسلامية ولن يكون عاملا حاسما في الاستقلال ومقاومة الاحتلال. هذه الطبقة اصبحت تضغط علي الرموز الاسلامية والسياسية الكبيرة لاتخاذ خطوات عملية لمنع التداعي، ويتجلي ذلك في الندوات والاجتماعات والمناظرات الاعلامية، كما يتجلي في اللقاءات المباشرة بين النشطاء في مجالات السياسة والدعوة والاعلام. ماذا بعد؟ ان المنطقة تستقبل مرحلة صعبة لا تقل عن سابقتها التي تخللها الغزو والتدجين السياسي، وتنام علي مرجل من نار، وهي تتوجس خيفة مما تخبئه الاقدار في ظل تحشيد مذهبي مقيت، تؤججه جهات عديدة لا تريد للامة خيرا، وتتمني استمرار غياب الاستقرار عن العراق. ولا شك ان السياسات الامريكية من جهة، وعجز النخب السياسية والدينية في العراق عن التحاور والتقارب، كل ذلك يساهم في اذكاء روح الخلاف، ويصعب مهمة من يسعي للتهدئة وتطويق الازمات. مع ذلك لا يمكن اغفال حقائق عديدة من اهمها ان التحشيد الطائفي يوازيه عمل سياسي مشترك بين رموز الطائفتين الاساسيتين في العراق، سواء داخل حكومة نوري المالكي، ام في الجمعية الوطنية، ام في الجهات السياسية الرسمية التي تعمل في نطاق الدولة، وتساهم عمليا في الانماء والتطوير. ان علي المسؤولين في الدول المجاورة ان يشعروا بان اذكاء حرب طائفية في العراق خيار خاسر، سوف ينعكس سلبا، بشكل مباشر علي مروجيه وداعميه، وانه يؤدي الي التمزق الداخلي لأمة مستهدفة في حقوقها ووجودها، ولن يستفيد منه الا اعداؤها خصوصا قوات الاحتلال في العراق وفلسطين. 9