الاصطفاف خلف صنمية المصطلح هو انجازالعقلية العربية الوحيد

حجم الخط
0

عبدالعزيز بن محمد الخاطر

ثمة فرق بين الفكر وحامله، حامل الفكر انسان والفكر في ذاته حالة قابلة للتبدل والتغير ولكن يبقي حامله في جميع الاحوال انسانا له جميع حقوق الانسانية وعليه واجبات يتحملها بصفته كذلك، تعتقد العقلية العربية بعظيم انجازها حينما تشرع في تصنيف الناس فذاك ليبرالي والآخر اسلامي والثالث حداثي… والخ تستعير من العصر ثقافته وتلبس جلبابه دونما مشاركة فعالة منها في اثراء هذه الثقافة. المشكلة كما اراها في عدم اعتماد البعد الانساني كمركز تنطلق منه مثل هذه التصنيفات. وانما تتم الاستعاضة عنه بمركزية اخري استبدادية تنطلق من الذات المعتقدة بانها تمتلك الحقيقة الوحيدة ودون ذلك الخروج او البعد عنها. حتي في مثل هذا الوضع نحن في حالة استعارة وتزوير لتاريخ الغير بصورة يندي لها الجبين، تنسي مثل هذه العقلية العربية ان التيارات الفكرية بانواعها واشكالها المختلفة وفي مواطن نشاتها قامت اساساً من اجل الانسان واستمر منها ما توافق مع ذلك فقط فالمركزية اساساً انسانية الطابع ومن شذ عنها سقط وطردته الشعوب من نافذة التاريخ ركلاً بالاقدام واستمر منها فقط ذلك الذي استطاع ان يعتمد البعد الانساني في داخل نسقه، الجميع تانسن ابتداء من اقصي اليمين الي اقصي اليسار، الحراك الاجتماعي هناك المتجه نحو مركزية الانسان استطاع تحويلها قوة دافعة لبناء المجتمع وليس لإعاقته وتقسيمه كما نري داخل مجتمعاتنا. لذلك ثمة حالة من الاصطفاف غير الواعي خلف المصطلحات المستوردة نعجز عن تحريكها او فهمها في اطارها التاريخي والثقافي فنصل الي حالة من الانبهار امامها، نقدسها بشمولية كبيرة ويحملها الواحد منا وكانها قدر لا فرار منه، الديمقراطية – العلمانية – المجتمع المدني – الحداثة – تاريخية النص وما الي ذلك كلها افرازات لجسم آخر مر بتعرجات تاريخية وثقافيــــة لم تشهدها مجتمعاتنا الضعيفـة، رغم عالميتها وانسانيتها (اي هذه المصطلحات) واشكالية مثل هذا الاصطفاف العشوائي والشمولي خلفها تتمثل في شروط اصحابه ضرورة اخراج ما يحتويه بطن وجوف الامة اولاً من كل تراكماته عبر العصور وازالة ما علق بهذا البطن وذلك الجوف حتي نسمح لمثل هذه المصطلحات والمفردات ان تدخل وان تستقر داخله وهو الامر المستحيل لانها في الحقيقة وداخل مجتمعاتها اصلا لم تفعل الشيء نفسه وانما جاءت نتيجة لتوافقات ثقافية وتاريخية وليس استئصالاً وقطعاً حاداً مثل ما يتطلبه من يصطف خلفها، انه بالضبط كمن يشترط عليك قبل ان يحادثك ان تحلق لحيتك او ان تغير ملابسك فجمود الامة من جمود الفهم لحركة التاريخ والتفاعل الثقافي فمن المعروف ان الامة اسلامية إمة اسسها نص هو القرآن الكريم، هذه حقيقة لا يمكن بحال من الاحوال تجاوزها او الغاءها والا سنخرج من نطاق مفهوم الامة تاريخياً بالمعني الاسلامي الشمولي هذه امتكم امة واحدة واعتقد بان التشكيك في هذا النص الخالد بين الحين والآخر لا يخدم قضايا الامة العربية او الاسلامية لارتباط مفهومي العرب والاسلام ارتباطاً لا يمكن فصله بحال من الاحوال واعتماد كل منها علي الآخر. فهذا النص ثابت لا يمكن تغييره ولكن الجزء المتحرك في هذه المعادلــة هو فهمنا لهذا النص والذي يجب ان يكون حركياً ديناميكياً وهو امر لا يتعارض مع مفهوم قدسية النص باي حال من الاحوال، فالازمة في الاساس ازمة فهم جامد وسيادته علي غير من انواع الفهم الآخر وليست ازمة نص، فالاجدر العمل علي تحريك الفهم لدي العقل العربي والاسلامي ضمن البيئة المعاشة لتجاوز مرحلة الجمود والتوقف وانعكاس هذه الاشكالية علي واقعنا المعاش المعاصر اورثتنا مشاكل نفسية جعلتنا نتبني ميكانيزمات الدفاع لمحاولة تبرير واقعنا المعاصر. فاستحضار امثلة من ماضينا المجيد لنرشق بها انجازات الحضارة الغربية الانسانية علي وجه الخصوص اسلوب عجز وخطأ كبير يتمثل باستبدال الحاضر بالماضي والغاء لدور النقل النقدي الذي ترتكز عليه الحضارة المعاصرة. ان دخولنا عصر العلم والاتصالات يظل ناقصاً ما لم تدخله البنية الثقافية ايضاً. وبغير اعتمادنا علي العقلية النقدية والتركيز علي خلق مهارات التفكير النقدي في برامجنا التعليمية سنظل خارج الاطار التاريخي لعصر التقدم وان عايشناه علي استحياء كمستهلكين وزبائن. فالازمة عميقة وعلاجها يتطلب تغييرات في البني والقوالب الفكرية وهي امور في منتهي الصعوبة ولكنها تصبح حتمية اذا ما اردنا تفعيل الحاضر بدلاً من تقديس الماضي.

بل مع الأسف تمثل مناهجنا التعليمية تكريساً لهذه الازمة حيث لا تزرع الرؤية العقلية النقدية لدي الدارسين وبالتالي يصبح النقد وهو سمة انسانية ممارسة خاطئة في الظلام وخلف الاستار او بعد فوات الاوان او يتحول الي عواطف جياشة بكائية وقد ينتج عنها بعد ذلك تصرفات وردود افعال تزيد من هلاك الامة. فهل يعقل ان تمر هذه الامة علي الاقل في عصرها الحديث بكثير من الازمات والمصائب وتغلب عاطفتها الجياشة علي عقلها النقدي وتحمل بالتالي غيرنا مسؤولية فشلنا وتراجعنا؟

اذا كان هناك ثمة ما يمنع من غرس مفاهيم التعليم العصري والذي يقدم علي مبادئ ومفاهيم العقل النقدي في النظام التعليمي العربي لاهداف سياسية واحتكار المعرفة الكاملة لدي الرموز وتكريس مفهوم الرعاية الابوية وتعميمه علي جميع الاصعدة فان العصر الحالي ضد التوقع والتشرنج والمسايرة القشرية لهذا العصر والمتمثلة في الحوارات وممارسة النقد من خلال انفتاح الفضاء الاعلامي قسراً علي العرب والمسلمين لا تجدي في التعويض عن اصلاح النظام التعليمي بل ان اغلبها اجترازاً للتاريخ ورؤية متأخرة للاحداث تحتمها المراحل العمرية للاشخاص من حيث المطلوب تعويد النشء الجديد علي النقد الهادف البناء، ان عدم تأصل العقلية النقدية داخل النسيج الثقافي العربي جعل الانسان العربي مرهوناً بالجاهزية الفكرية المستوردة ويعيش بين مرحلتين علي طرف نقيض، مرحلة يتطلب منه فيها الصمت والتصفيق ولو علي مضض وبدون اقتناع ومرحلة اخري متأخرة يصبح فيها خارجاً عن النظام والقانون بمفهوم المجتمع الابوي، والادهي من ذلك انه قد يستعان بـ النص لاثبات خروجه ومروقه وذلك عود لملامسة جرح الامة القديــم الذي لم يلتئم بعد، واصطفاف آخر خلف صنمية المصطلح. 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية