الاصلاح السياسي في مصر يرتبط بتطوير التعليم العالي في مصر

حجم الخط
0

الاصلاح السياسي في مصر يرتبط بتطوير التعليم العالي في مصر

د. عبدالفتاح ماضيالاصلاح السياسي في مصر يرتبط بتطوير التعليم العالي في مصر يجب، بداية، أن توجه التحية الي وزارة التعليم العالي لتصديها لتطوير التعليم العالي وطرحها ورقة للمناقشة بعنوان رؤية لتطوير القوانين والتشريعات التي تحكم مؤسسات التعليم العالي وللسيد الوزير شخصياً لاهتمامه بمشروعات التطوير وعقده عدة اجتماعات لمناقشتها. فيما يلي بعض الخواطر حول الورقة:أولاً: اصلاح التعليم العالي جزء لا يتجزأ من اصلاح مصر كلها، ويعتـــمد الي حد كبــير علي نجاح جهود الاصلاح السياسي واصلاح مجمل المنظـــومة التي تقوم علـــيها الدولة في كافة القطاعات وعلي كافة المســـتويات بدءاً من منظومة القيم والأطر المرجعية العليا ومروراً بالمؤسسات والهياكل التنظيمية والادارية والمالية، وانتهاءً بدور الدولة ومؤسساتها. ولذا فان جهود تطوير التعليم العالي المســـتوردة من الخارج لن يكتب لها النجاح في بلد يحكمه حزب واحد ويعــــاني شعبه الكثير من القيود علي الممارســـة السياسية، وأوجه كثيرة من الفساد وغياب الشفافية وتدهور القيـــم والاخلاقيات.. ثانياً: الورقة التي صدرت باسم رؤية لتطوير .. جاءت في شكل نقاط مختصرة، برغم أنه يفترض ممن يتقدم بمقترحات تطوير أن يُسهب في كتابة تفاصيل البرامج المقترحة فيُحدد أوجه القصور في النظم الحالية والمقاصد العليا والأهداف التفصيلية لبرامج التطــــوير وآليــــات التنفيذ والمتابعة، وذلك لكي تصل الفكرة واضحة ويستطيع المطلع عليها الحكم علي واقعيتها ومدي قابليتها للتطبـــيق في المجتمع المستهدف. فالشيطان يكمن دوما في التفاصيل، واللوائح التنفيذية في بلادنا تقتل العبارات العامة والمنمـــقة التي تنص عليها القوانين. ثالثاً: يرتبط بما سبق أنه ليس من بين مبررات صياغة اطار تشريعي جديد للتعليم العالي ما آلت اليه أحوال الجامعات المصرية لا من قريب ولا من بعيد، كما لا تتضمن الورقة ترتيباً للأولويات أو للعقبات التي من الممكن ظهورها في التطبيق. وهذا في اعتقادي أمر في غاية الخطورة، فخطوات تطوير قطاع ما لا بد أن تبدأ بتشخيص دقيق للوضع الحالي (بسلبياته وايجابياته والأسباب والجهات المسؤولة عن تلك السلبيات) وذلك للانطلاق منه الي وضع أنسب الحلول لتطويره التي قد يتصل بعضها بالقوانين والتشريعات القائمة، وقد يتصل بعضها الآخر بالنظام السياسي القائم، أو بممارسات القائمين علي التعليم أو هيئات التدريس أو عن تغير قيم المجتمع نفسه أو غير ذلك. رابعاً: من الأمور الغامضة ما جاء في شأن مجانية التعليم، فحسب الورقة: تدار المؤسسة التعليمية اقتصاديا كوحدة مستقلة و مجانية التعليم هي علاقة مباشرة بين الطالب والدولة، أما علاقة الطالب بالمؤسسة التعليمية فهي علاقة بين طالب خدمة تعليمية ومقدمها بمقابل و مجانية التعليم حق تكفله الدولة للطالب المستوفي للمتطلبات العلمية المقررة . هذه كلها عبارات مبهمة وتحتمل أكثر من رأي، وتُنبئ بأن الدولة في طريقها للتخلي عن التعليم العالي وترْك ادارته لآليات السوق ووضع الجامعات في يد مجالس أمناء. وهذا أمر لم تُقدم عليه أكبر الدول الرأسمالية، فالتعليم مجاني في دول مثل فرنسا وألمانيا وغيرهما، كما أن أكبر الجامعات الأمريكية جامعات حكومية. نعم هناك مشكلة تتصل بالمجانية في مصر، لكنها نتجت في الأساس من ادارة الدولة للمجانية وليس من المجانية ذاتها، بمعني أن هناك ممارسات وسياسات عديدة تراكمت علي نحو أدي الي تراجع مبدأ المجانية. وقد تفاقم الأمر مع انتشار ظاهرة الجامعات والمعاهد الأجنبية والخاصة وتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية، وهما ظاهرتان لم تُشر الورقة الي آثارهما السلبية علي التعليم العالي في مصر. كما أن هناك مخاوف من سيطرة رجال الأعمـــال علي مجالس الأمناء تلك فتتحول الي مجالس للربح كما الحال في مؤسسات المال والأعمال. خامساً: أمور التعيين والترقية والتنقل الخاصة بأعضاء هيئات التدريس تعاني من الغموض أيضاً علي الرغم من أهميتها. فقد جاء بالورقة أن الاعلان المفتوح هو الأساس في الترشيح/ الاختيار لكافة مستويات القيادات الجامعية… و لكل المستويات الأكاديمية من مساعد مدرس/ مدرس/ أستاذ مساعد/ أستاذ/ أستاذ تخصص.. . لكن أليس هناك بعض التناقض بين التعيين بالاعلان مع النص في الورقة ـ أكثر من مرة ـ علي تطوير نظام الترقيات؟ فالنظام الحالي ـ وكذا الحال في جُل جامعات العالم ـ يربط ترقي الأساتذة للمناصب الأعلي بانتاج الأبحاث ونشرها وليس بالاعلانات المفتوحة. ان التعيين بالاعلان ـ في أمريكا مثلاً ـ يتم للوظائف الشاغرة، أما الترقية للمناصب الأعلي فتتم فقط من خلال نظام الترقيات كما يُفهم من اسمها. كما لم تقدم الورقة أي آليات للوقوف ضد المحسوبية والمجاملات وتدخل الأمن في التعيين، هذا فضلاً عن أن البعض أعرب عن مخاوفه من أن تستخدم هذه الطريقة للتخلص من الأساتذة المعارضين للنظام السياسي أو لتدخل أجهزة الأمن فــــي شؤون الجامعات، وهذه مخاوف حقيقية في ضوء سلوك السلطة تجاه مـــطالب قطاعات أخري في الآونة الأخيرة، حال ما حدث مع القضاة والصحافيين والنقابات المهنية، بل وحال ما حدث أثناء تعديل المادة 76 من الدستور.سادساً: هناك أمور تم تجاهلها بالكامل أو جاءت مقتضبة، فعلي سبيل المثال اعتبارات الجوانب الأخلاقية والأمانة العلمية جاءت مرة واحدة ولم يتم ـ وهذا الأهم ـ الربط بينها وبين الأداء أو أي معايير للثواب والعقاب. كما ذكرت الورقة الحريات الأكاديمية مرة واحدة، فمن أسس فلسفة الرؤية: حرية أكاديمية وادارية ومالية في اطار الشفافية والمحاسبة المجتمعية . وبرغم أن الورقة عرضت، وفي أكثر من مكان، للاستقلال المالي والاداري، الا أنها لم تتناول الحريات الأكاديمية وسبل تطبيقها لا في الأهداف ولا في الهيكل التنظيمي المقترح ولا في معالم التشريع. وبهذا تتجاهل الورقة الحريات المتصلة بالعمل البحثي مثل حرية الفكر وحرية التنقل وحرية المشاركة في الندوات العامة وحلقات النقاش والمشروعات البحثية، وكذا معايير النزاهة الأكاديمية والأمانة العلمية والحياد وحماية الطلبة من التلقين الايديولوجي أو المذهبي أو الحزبي. أما العمل النقابي لأعضاء هيئات التدريس ونواديهم فليس هناك اشارة واحدة له أو للدور الذي يمكن لتلك النوادي أن تقوم به في التطوير. في المقابل هناك اشارات مقتضبة الي حق الطالب في الترشيح واختيار ممثليه في المجالس… . هذا الحق موجود (علي الورق طبعاً) فما التطوير في ذلك؟ المشكلة في التنفيذ… ثم ألا يرتبط هذا بالحريات السياسية في الدولة بشكل عام؟ سابعاً: ثمة عبارات تبدو الورقة معها وكأنها ترجمة لنصوص أجنبية، أو كأنها عبارات ونصوص مستخلصة من ورقة أكثر تفصيلاً وعمقاً، فمن مبررات التشريع الموحد: دور المؤسسات التعليمية كمراكز بحث وتطوير، لها الريادة في برامج التنمية أو وضع أشكال توضيحية دون الاشارة لها في النص أو شرحها وتوضيح دلالات الأسهم التي احتوتها. ومن الأمور غير المفهومة أيضاً النص علي أن المجالس العليا (المجلس الأعلي للجامعات والمعاهد العليا والكليات التكنولوجية) هي Think tank وفي جزء آخر من الورقة جاء: تفعيل نظم جديدة لتنسيق قبول الطلاب تتيح فرصة أكبر لتلبية رغبات الطلاب.. . أين هذه النظم الجديدة؟ وكيف يمكن تفعيل شيء جديد لم تنص عليه الورقة في الأساس؟ من الضروري، اذاً، أن يحدد كاتبو الورقة مصادرهم والتجارب التي يحاولون محاكاتها، وذلك حتي يمكن المقاربة بين تلك التجارب وبين حالنا وما نريده في مصر.وأخيراً وليس آخرا: لا يجب أن تتجاهل مشروعات التطوير دور الدولة، فمهمة مد الدولة مؤسسات التعليم بميزانيات حقيقية للبحث العلمي أمر أساسي في المرحلة الحالية نظراً لعدم امكانية قيام القطاع الخاص ـ الآن ـ بهذه المهمة بالنظر الي غياب ثقافة المشاركة في تمويل البحوث عنده، وغياب استراتيجيات التنسيق بين تلك المؤسسات واحتياجات المجتمع، وغلبة طابع الربح وغياب اعتبارات العمل الخيري والأهداف التنموية العليا عند الكثير من رجال الأعمال. كما أنه لا يمكن تجاهل دور الدولة المحوري في الحفاظ علي اللغة والثقافة والهوية والقيم والثوابت الدينية والأخلاقية، وفي وضع معايير الشفافية والنزاهة والسهر علي تطبيقها بشكل عادل. انّ انسحاب الدولة من التعليم العالي دون وجود أنظمة اجتماعية وسياسية وادارية قائمة علي حكم القانون والشفافية أمر في غاية الخطورة علي قطاع من أهم قطاعات المجتمع.ان أرادت الوزارة الاستماع الي آراء أعضاء هيئات التدريس في شأن التطوير عليها أولا استقبال مقترحات أعضاء هيئات التدريس في شأن أمرين، الأول تشخيصهم لأبرز المشكلات التي تعاني منها مؤسسات التعليم العالي في مصر وأوجه القصور والجهات المسؤولة عن ذلك، والثاني ترتيبهم للأولويات التي تحتاج الي عمليات اصلاح وتطوير عاجلة، ثم تقوم الوزارة بوضع محاور أولية للتطوير ومجموعة من الأهداف العليا علي هدي ذلك التشخيص وتلك الأولويات، ثم تستقبل ـ من جديد ـ مقترحات أعضاء هيئات التدريس وتستشير كبار العلماء والخبراء في شأن تلك المحاور والأهداف وآليات تنفيذ الحلول المقترحة، ولتعمل بعد ذلك علي صياغة مقترح تشريع أولي يعرض علي الجهات الرسمية. والله أعلم. قسم العلوم السياسية – جامعة الاسكندرية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية