الاضطراب الجمهوري وتعميق التسطيح النيومحافظ للملف العراقي
الطاهر الأسودالاضطراب الجمهوري وتعميق التسطيح النيومحافظ للملف العراقي يرافق أي نظرة راديكالية خطاب طنان يثير الكثير من الغبار ليتحول تدريجيا وبالضرورة الي غطاء للخطاب الديماغوجي. وشيئا فشيئا تتدهور المناورة السياسية الي قاع العمل الدعائي الذي يلامس التقاليد الغوبلزية في التوظيف المتعسف للحدث وتسويقه لخدمة الراهن السياسي. ينطبق ذلك للأسف علي الكثير من ممارسات الادارة الأمريكية النيومحافظة الراهنة وجهاز الحزب الجمهوري الملحق بها خاصة في المنعطفات الانتخابية حيث يصبح كل شيء ممكنا. ولم يجف الحبر بعد عما شاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة حينما قامــــت الأجهزة الجــــمهورية بكل شيء لصرف الأنظار عن معركة البرامــــج والتركــيز علي قتل شخصية (character aaination) المرشح الديمقراطي بما في ذلك الاتهامات الأكثر مبعثا علي الاستغراب مثل وصفه بـ أنه يشبه كهل فرنسي (وهي التهمة التي لوح بها اعلامي رفيع في منبر البروباغندا العسكراتية بامتياز قناة الفوكس بيل أورايلي مركزا علي لقطة لجون كيري يتزلج فيها علي الشاطئ؟!). وما زال الحبر لم يجف بعد عن التقارير الأخيرة حول تجند كافة الجهاز الأمريكي الحاكم حتي في بغداد (؟!) للترويج للحملة الانتخابية الفائتة للرئيس جورج والكر بوش حيث تقول التقارير ان موظفي السفارة والمفترض أنهم يمثلون دولة وليس حزبا بعينه كانوا يتجولون بين الثكنات والجنود (الفريسة الانتخابية المعنية) ببادجات تروج للثنائي بوش/تشيني حيث كان في نظر أركان السفارة علي ما يبدو احتمال تصويت غالبية من الجنود الأمريكيين في العراق ضد الادارة التي أرسلتهم هناك بمثابة تهديد لـ الأمن القومي .و هذه الأيام في ظل الحملة الانتخابية للكونغرس (7 تشرين الثاني/نوفمبر) أنتجت لجنة الجمهوريين المكلفة بالدعاية الانتخابية (وبعض اللجان المستقلة التابعة لها) سيلا من الومضات الاشهارية الشرسة بل والمهينة للخصوم الديمقراطيين خاصة في المواقع التي يشعر فيها الجمهوريون بالتراجع وامكانية الهزيمة وهي مواقع معروفة تاريخيا بولائها الجمهوري (مقعد فرجينيا لمجلس الشيوخ مثلا). ووصلت هذه الومضات الي مستوي غير معقول من الضرب تحت الحزام بأتم ما في الكلمة من معني بالاضافة الي الانتقال المكشوف لأسلوب ترهيب الناخب حيث لم تتضمن احدي الومضات سوي خطبا مترجمة لكل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كمثال علي ما يمكن أن يحدث لو فقد الجمهوريون السيطرة علي الكونغرس (؟!). غير ان المثير أن التذمر من أعضاء الكونغرس الجمهوريين الموالين بشكل 99% للرئيس بلغ حدودا غير مسبوقة في كثير من المواقع بما في ذلك الولايات الحمراء ( الجمهورية ) في وقت يشهد فيه الرئيس أقل نسب الدعم الشعبي، وهكذا انقلب السحر علي الساحر وبدأت اللجان المعنية بهذه الاشهارات (التشهيرية) بسحبها بعد ردود الفعل السلبية التي أثارتها.من الواضح في هذا الخضم أن هذا التخبط الجمهوري لن يساهم في تفادي هزيمة محتملة بل ربما سيستحثها. وحدها طريقة الديمقراطيين في الاستفادة مما يجري هي التي ستحدد طبيعة النــــتائج والتي تشير أغلب الاستطلاعات علي كل حال علي تقدم لافت لصالح الأخيرين حتي الآن. الوجه الآخر للظرف الراهن هو كشف ما تبقي من الأغطية عن الأســــلوب النيومحافظ الهزيل في معالجة الملفات الاستراتيجــــية وخاصة الملف العراقي. حيث تظهر هذه الانتخابات وسوابق أخري للادارة ليس فقط تواصل التعامل بسطحية مع الوضع العراقي الذي يتزايد تعقيدا بل أيضا مساهمة الأجندة الداخلية في تكريس هذه الرؤية التسطيحية تحت وابل من خطابات التحدي غير المجدية، بطبيعة الحال. محاكمة صدام حسين والانتخاباتفي ظل الهستيريا الجمهورية المرتعبة من المحاسبة علي سجلها في الحكم تأتي محاكمة صدام حسين والتي تقرر أن يصدر الحكم فيها قبل يومين فقط من الموعد الانتخابي. ويشير تقرير لموقع يراقب الاعلام الامريكي مقرب من الدوائــــر الديمقراطية المعروف الاعلام مهم (Media Maers) الي سيناريو كامل من التهيئة المسرحية والتي لا تدع مجالا للشك في أن توقيت صدور الحكم يراد من ورائه أن يخدم تحديدا الأجندة الجمهورية في الانتخابات القادمة. وسنعرض هنا تفاصيل التقرير التي توضح الي أي درك يمكن للجهاز الجمهوري الحالي أن ينزل لضمان السيطرة علي الكونغرس ولكنه يوضح أيضا السطحية الكبيرة التي لا زالت الادارة النيومحافظة تتعامل بها تجاه الملف العراقي. يبدأ التقرير الصادر بتاريخ 26 تشرين الأول/أكتوبر بالاشارة الي الخبر الأساسي هنا أي قرار المحكــــمة الجنائية العراقية العليا (Supreme Iraqi Criminal Tribunal) تأجيل الحكم في قضية الدجيل من 16 تشرين الأول/أكتوبر الي 5 تشرين الثاني/نوفمبر وهنا يركز كاتب التقرير معــــرجا علي تقرير سابق في النشــــرية الممـــيزة والمعادية للنيومحافظين (The Nation) أن معظم وسائل الاعلام الأمريكية تفادت أن تلاحظ أن التاريخ الجديد يصادف عشية الانتخابات أو حتي أن تثير الأسئلة حول ذلك خاصة مع سوابق الادارة الأمريكية في مجال توظيف الأجندة السياسية الخارجية ضمن الأجندة الداخلية. والأمر الأساسي الذي يدعو لاثارة التساؤل هنا حسب التقرير هو أن استمرار الســــــبب المقدم للتأجيل من يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر ( عدم توافق القضاة علي الحكم ) لا يستقيم في حالة تقرير تاريخ جديد محدد (5 تشرين الثاني/نوفمبر). الأهم من ذلك أن تقرير موقع الاعلام مهم يقدم براهين كافية علي ارتباط المحكمة الجنائية العراقية العليا مباشرة بالادارة الأمريكية بما يدحض الادعاء بأنها مستقلة أو عراقية . وهذه البراهين تأتي كالتالي: أولا، تقرير منظمة هيومن رايتس واتش صدر منذ حوالي العام (16 تشرين الأول/أكتوبر 2005) والذي أشار الي أن مكتــــبا خاصا في السفارة الأمريكية في بغداد (Regime Crimes Liaison Oice) قام تقريبا بكل شيء للتحضير للمحاكمة بما في ذلك استجواب المتهمين والشهود ومراجعة ملفات القضية وحتي تمرين القضاة والمكلفين بالمحاكمة عموما. ثانيا، أكد محتوي هذا التقرير مقال صادر في صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 25 كانون الثاني (يناير) 2006 حيث يشير الي الأموال التي خصصت من قبل الادارة الأمريكية للتحضير للمحاكمة ( 18 بليون دولار لحفر المقابر الجماعية فحسب) وتضيف أن موظفين أمريكيين قاموا بصياغة الكثير من الاسس القانونية التي تمت علي أساسها المحاكمة، كما أن مكتب السفارة المعني يسير معظم الاجراءات اليومية الروتينية الخاصة بالمحاكمة في مقر سابق لحزب البعث أعيدت تهيئته من قبل الولايات المتحدة ويخضع لســــيطرة كاملة للقوات الأمريكية ضمن المنطقة الخضراء . ثالثا، بعد ذلك بأشهر (21 أيار/مايو 2006) نشرت نيويورك تايمز مقالا كشــــفت فيه المزيد من التفاصيل حول أمريكية المحكمة العراقية المعنية حيث أشارت الي أن الادارة الأمريكية (تحديدا وزارة العدل) تتكفل بنسبة 90% من الميزانية السنوية للمحاكمة المقدرة بحوالي 145 مليون دولار بما في ذلك ارسال قانونيين أمريكيين للعمل كـ مستشارين للمحكمة. سوابق الادارةفي هذا السياق يؤكد تقرير الاعلام مهم أن التوظيف السياسي الداخلي من قبل الادراة الحالية لأحداث وتطورات الحرب علي الارهاب (حيث يتواصل تصوير الاطاحة بصدام حسين كـ خطوة الي الأمام في هذه الحرب) مسألة روتينية. والأهم أن مسألة التوقيت وضبط الأحداث مسألة رئيسية هنا. ويورد التقرير في هذا الاطار سلسلة من السوابق:ـ في 24 تشرين الأول/أكتوبر الجاري نقل مراسل شبكة الـ سي بي اس عن مصدر في البيت الأبيض أن الادراة لن تسمح بحدوث أي أمر خطير قبل الانتخابات. ويبدو أن ذلك يأتي كرد علي احتمال نشر تقرير بيكر عن العراق قبل الانتخابات.ـ حسب تقرير للـ نيوزويك اعترف مسؤول كبير في البيت الأبيض أن توقيت اعلان الرئيس بوش في 6 أيلول/سبتمبر الماضي عن نقل كبار معتقلي تنظيم القاعدة من السجون السرية الي غوانتنامو لم يكن مجرد صدفة و أن الهدف من الاعلان كان محاولة استباقية جمهورية لتوجيه الجدال العام قبل الانتخابات. في نفس الاطار وفي مقال في نيويورك تايمز في علاقة بنفس الاعلان تمت الاشارة الي حملة منسقة من كبار المسؤولين في الادارة وكبار أعضاء الكونغرس لتحريض حلفائهم للتركيز في تدخلاتهم في وسائل الاعلام علي الربط بين اعلان الرئيس والأجواء الانتخابية. ـ تأجيل الرئيس الامريكي الهجوم علي الفلوجة في أجواء الانتخابات الرئاسية في خريف 2004 (الخطط العسكرية كانت جاهزة أشهرا قبل ذلك). وقد نقلت صحيفة لوس أنجلس تايمز (11 تشرين الأول/اكتوبر 2004) عن مصادر مطلعة من داخل البيت الأبيض أن الرئيس لم يكن مستعدا للمجازفة بهجوم غير مضمون العواقب في تلك الاجواء الانتخابية.ـ في حوار لصحيفة يو أس آي توداي الأمريكية (10 أيار/مايو 2005) مع وزير الامن المحلي المستقيل توم ريدج كشف الأخير أن الادراة الامريكية ضغطت عليه أكثر من مرة لرفع مستوي الطوارئ الي درجات مرتفعة بدون وجود سبب موجب لذلك. ـ تقرير لنشرة نيو ريببليك (19 تموز/يوليو 2004) يشير الي ضغوطات قامت بها الادارة الأمريكية علي الاستخبارات الباكستانية للتحكم في عمليات اعتقال نوعية في وقت متزامن مع مجريات المؤتمر الدوري للـ حزب الديمقراطي . وهكذا تم تأجيل الاعلان عن اعتقال القيادي في القاعدة أحمد خلفان غيلاني حتي بداية المؤتمر.ـ بعد موجة التكهنات خلال صيف سنة 2002 حول نوايا الادارة الأمريكــــية تجاه العراق نشرت النيويورك تايمز تقــــريرا (7 أيلول/سبتمبر 2002) بناء علي مصادر من داخل البيت الأبيض يشير الي اختيار متعمد لأجواء الاحتفال بالذكري الأولي لأحداث 11 أيلول/سبتمبر للاعـــلان عن استراتيجيا الاطاحة بصدام حسين وهو ما تم من علي منبر مزرعة كراوفورد في تكساس. هــــنا تنقل الصحيفة تصريحا لمدير مكتب الرئيس الأمريكي يوضــــح طبيعة العقلية البيروقراطـــية داخـــــل البيت الأبيض في علاقة بتوقيت القــــرارات السياســـية. يقـــول أندرو كارد (والذي أقــــيل عن منصبه فيما بعد): من وجهة نظر تسويقية (from a marketing point of view) ليس من المناسب تقديم منتوجات جديدة في شهر اب (أغسطس) . علي نفس الوتيرة السياسوية/التسويقية يجب فهم التصريحات الأخيرة للجنرال كيسي في بغداد والتي تتحدث لأول مرة (ولو بشكل مبهم مقصود) عن جدول زمني لنقل الملف الأمني للحكومة العراقية بما يعني العد التنازلي للانسحاب الأمريكي وهو ما يشكل صدي للتراجع التكتيكي للرئيس الأمريكي عن مصطلح مواصلة المسار (stay the course) في العراق بعد الضغط الكبير المسلط عليه كأن التسويق الكلامي سيغير شيئا في تطور الوقائع علي الميدان. ہ باحث تونسي يقيم في أمريكا الشمالية8