الاطار الوطني للصراع الراهن في سورية
نهلة الشهالالاطار الوطني للصراع الراهن في سورية هناك خلاصة لمجمل الردود الصادرة عن أهل النظام في سورية علي موقف السيد عبد الحليم خدام، تقول انه من كان معنا حق له ارتكاب كل الموبقات التي يمكن تخيلها، فان خرج علينا فضحناه. تلك زبدة ما جري التفوه به في مجلس الشعب السوري، اذا ما نحينا جانبا التنافس علي المزايدة بواسطة الشتائم، ولب ما تلي من مواقف عبر عنها من خاض في الأمر علي امتداد الأســـابيع التي انقضت منذ فجر السيد خدام قنبلته .أي أن حقل ممارسة الجرائم موقوف علي أهل النظام!وأما الخيانة العظمي التي ألمح اليها كتهمة محتملة فبدت تهويلا ابن ساعته ليس الا، وسرعان ما طويت، فلم تفعل غير زيادة الموقف بشاعة، حيث أبرزت الاختلاط القائم بين النظام ورأس النظــــام والدولة والوطـــــن، بحيث لا يبقي أي متسع لآلية أخري سوي الاستنساب والاعتباط، وهما خاصيتان من خاصيات نظم الاستبداد، ومن بينها ذاك الذي ينتمي اليه السيد خدام وأعداؤه المستجدون، سواء بسواء.فان وجبت محاكمة، فربما تدرس امكانية تقدم جمعية بيئية ما أو مواطنين متضررين بدعوي أمام المحاكم بخصوص دفن النفايات السامة والمشعة مقابل اموال رشي كبيرة. وهذه كانت سرا شائعا فاصبحت معلومة رسمية مطروحة في البرلمان. اللجوء الي القضاء ليس من أجل محاسبة المرتكبين فحسب وانما لاستخراج تلك المواد ووقف الضرر. بل ربما أمكن ملاحقة السيد خدام في فرنسا حيث يقيم، بموجب تلك الدعوي. وكذلك ملاحقته بتهمة السكوت المتمادي عن معلومات مهمة لتحقيق قضائي جار، أي بخصوص جريمة اغتيال رفيق الحريري.وأما الاسترسال في نبش الدوافع التي حملت السيد خدام علي الخروج عن صمته اليوم، وتحليلها علي ضوء المعطيات السياسية المتوفرة والتي تخص مصالح هذه القوي الاقليمية أو تلك التي يرتبط بها السيد خدام (سر آخر شائع)، بما يتجاوز سورية أحيانا ليطال ترتيبات كانت مأمولة في العراق مثلا ولم تجر وفق الاتفاق ، الي آخر أدب الكواليس السياسية، فليس من ورائه طائل. فهذه الصراعات تجري في دوائر مغلقة لا يطالها الا أربابها ولا تأثير لحركة الناس، ولا لقناعاتهم، عليها.كذلك تظهر حدود الحركة الدبلوماسية التي يلجأ اليها أهل النظام في سورية، موسطين رؤساء وملوكا، فيما بينهم، ومع الادارة الأمريكية. قد لا يكون من بد لكل ذلك، الا أنه وحيدا لا يفعل سوي تعميق أزمة النظام وجعلها أكثر انكشافا، ومضاعفة قدرة العوامل الخارجية علي التدخل أو، وبالاصح، علي التلاعب بها.وقد تكون الدعوة لسوي ذلك وهما خالصا. فالنظام السوري لا يملك الا التحرك ضمن دائرة دوزنة تلك العناصر، مرتكبا تارة الحماقة تلو الأخري، ومقدما تارة أخري تنازلات هنا وهناك أو عارضا التفاوض عليها في بازار لا نهاية له. وهو في ذلك يعيد سيرة نظرائه، وأقربهم مثالا ذاك الذي حكم العراق لنيف وثلاثة عقود، كانت كوارث متلاحقة، وانتهت بكارثة كبري هي فتح الباب علي مصراعيه أمام عودة الاستعمار الي العراق، حربا وغزوا واحتلالا. أتيح لنظام صدام حسين سنوات طوال، أثناء الحصار الذي فرض عليه، كي يعي الوجهة التي تسير نحوها الأمور، الا أنه أبي الا أن يمعن في ما ألفه، في ما يشكل بنيته ولا يقوي علي سواه. طرحت عليه فكرة المبادرة الي المصالحة الوطنية ففهمها انضمام المعارضة اليه! وظن الدعوة الي اصلاحات جذرية تلغي حكم الحزب الواحد وترتضي الديموقراطية وسيلة لاستنهاض وطني بوجه العدوان الأمريكي الوشيك، ظنها هي المؤامرة الكبري. ويقال ان صدام حسين دهش بصدق مرتين في حياته: يوم استضعفه الناس فانتفضوا في وجه نظامه عقب دحره عن الكويت، وكان يظن أنه معبودهم، ويوم لم يتصدوا لتوغل القوات الامريكية في العراق، وان لم يرحبوا بها كما أمل هؤلاء الاخيرون، وكان يظن أنه والبلاد شيء واحد. وما زال صدام حسين لم يع ما حدث ولن، وما زال لم يسائل نفسه عن مسؤوليته، ولا ساءل الحزب الذي حكم صدام باسمه نفسه عن مسؤوليته، وما زال يوزع صكوك الوطنية علي أساس أنه مرجعها. أما سير الفساد فبلا حدود، لا تعفي أحدا منها، وقد أضعف تحالف القمع والفساد بنية الدولة العراقية، وهي عريقة وفي تصرفها امكانات هائلة، تحولت الي مزرعة لأهل النظام، يغرفون منها بقدر قربهم من رأسه. وقد أخرجت هذه البنية المجتمع من دائرة السياسة وأفقرته وسعت الي تسطيحه، وعطلت بكل الأحوال قدرته علي أي فعل أو مبادرة. فهل كان قول كل ذلك ينفي وجود خطة أمريكية للانقضاض علي العراق؟ انه ،علي العكس، يؤكد وجودها بل يدرك مبلغ خطرها، ويبحث عن الوسائل الناجعة للتصدي لها.يغضب أهل النظام في سورية حين تقرأ الاحداث الجارية اليوم علي ضوء التجربة العراقية، القريبة العهد والجغرافيا. ويغضب المعارضون للنظام السوري، أو بعضهم، وبالاخص منهم اللبنانيين، حين تعقد المقارنات مع السياق العراقي. وهكذا، ومن الجهتين، يصبح الصراع القائم كأنه أعمي: بلا ذاكرة، يحكمه التجزيء والراهنية.ولعلها غير سهلة، ولا بديهية، تلك الوضعية المعادية من جهة للاستراتيجيا التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية الساعية لاحكام السيطرة علي العالم بواسطة الحرب، والمناهضة من جهة ثانية، وفي الوقت نفسه، لأنظمة الاستبداد: لانه استبداد، أي مبدئيا وبوصفه منتجا للبؤس الاجتماعي في مختلف الميادين، وأيضا بسبب اعاقة الاستبداد التامة لاحتمالات التصدي الناجح لتلك الهجمة الاستعمارية الجديدة. الا ان ذلك هو الموقف الوحيد الذي يؤسس لمخرج من الخراب العام القائم.وأما السيد خدام، وآخرون مثله سيظهرون تباعا، ويبدو أن ظهورهم هو، وليس شيئا آخر، هاجس أرباب النظام الأكبر، فرغم الضجيج الاعلامي الذي يحيط بهم، ليسوا سوي.. أدوات. لب الموضوع في مكان آخر، في عقم الأساليب المتبعة لتجاوز الأزمة. فالمطلوب ليس أقل من ورشة هائلة تبدأ برفع العمل بنظام الأحكام العرفية وباطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، جميعهم حقا، وليس كمنة وليس لحسن سلوكهم ، بل كجزء من الورشة الوطنية العتيدة، ثم تقوم سريعا بالدعوة الي مؤتمر وطني لانقاذ سورية بمشاركة المعارضة ـ كلها وليس مسبق الصنع منها أي ما يفبركه النظام علي أنه معارضة أو ما يرضي عنه ـ وتنشئ هيئة تتولي السلطة وتنظم عملية الانتقال السلمي الي نظام حكم آخر!رب قائل انه لو كان ذلك ممكنا لما وصلنا أصلا الي ما وصلنا اليه اليوم من مأزق محكم، وأن أنظمة الحكم لا تنشأ عن تخطيطات ذهنية لما هو أفضل، ولا حتي بناء علي القناعات. الا أن تبني هذه الوجهة يرسم اطارا وطنيا للصراع الراهن في سورية، أو أنه يضع آلية هذا الصراع ضمن اطار وطني، متميز تماما وجوهري عن الاستهدافات الاستعمارية والقوي المحلية المستعدة لخدمتها والالتحاق بها.وبغير ذلك يبقي الموقف رخوا فيتجرأ ركن من أركان النظام علي ممارسة لعبة فقدان الذاكرة أمام الملأ، مستعيدا منها ما يناسبه…جزئيا وراهنا. ہ كاتبة من لبنان 8