جـمـال الـطـاهـات
يعاني التيار المعتدل في الحركة الإسلامية الأردنية من الحصار والضغط من ثلاث جهات، الجهة الأولي هي النخب التي تحتكر السلطة والموارد وتحتكر آذان الملك عبد الله الثاني، وأيضاً تحتكر التأثير علي دوائر صناعة القرار الأمني، وتسعي إلي تحقيق تغييب سياسي فاعل لعنوان الإسلاميين المعتدلين. والجهة الثانية للحصار والضغط تأتي من قواعد الحركة الإسلامية، التي تضغط علي القيادات للقيام بحركات ذات طابع درامي صدامي. والصدام المتوقع ينفتح علي طيف واسع، من الصدام مع النخبة التي تحيط بصناعة القرار، وذلك في سياق إصلاحي يحافظ علي طبيعة الدولة والنظام، إلي صدام مفتوح علي كل الخيارات وهو الأكثر احتمالاً في ظل الإجراءات المعتمدة من قبل الأجهزة الأمنية والحكومة، وهو المطلوب من قبل النخبة الفاسدة التي تريد تغييب فرص الإصلاح وتوريط النظام والغرب بمواجهة مفتوحة مع الإسلاميين يكونون هم فرسانها ويحصدون نتائجها علي شكل دعم غربي كامل، وتواطؤ مع كل ما يقومون به من نهب وتبديد للموارد والحريات. ومفتاح فهم سلوك الحكومة والأجهزة الأمنية في الأردن، في الهجوم علي الإسلاميين المعتدلين ومحاولة تهميشهم في الحياة السياسية هو رغبة النظام في احتكار العلاقة مع الغرب، وتغييب أي فرصة لوجود شريك سياسي يمكنه التفاهم مع الغرب. فالملاحظ هنا أنه كلما تحدث الغرب عن شراكة مع الإسلاميين المعتدلين، وكلما اقترب من هذه الشراكة، كلما زاد ضغط الحكومة الأردنية علي الإسلاميين المعتدلين، وزاد سعيها لتغييبهم عن المعادلة السياسية الأردنية. فالهجوم الراهن جاء بعد أسبوعين من قيام مجلة نيوزويك العربية بنشر مادة إيجابية عن الإسلاميين المعتدلين في الأردن، وتركيز المادة المنشورة علي تحول الجيل الجديد من قيادات الحركة الإسلامية من التركيز علي الأيديولوجيا لصالح التركيز علي السياسة. فالبوصلة التي توجه ضغط النخب الحاكمة في الأردن علي الإسلاميين المعتدلين هي مدي جدية الغرب في التفاهم معهم. الموقف الغربي المعلن، هو الحديث عن الإسلاميين المعتدلين كخيار. ولكن مع غياب آليات فعالة للتعامل مع هذا الخيار يدفع للشك بأن الحديث الغربي عن خيار التفاهم مع الإسلاميين المعتدلين هو للتشجيع علي صدامات صغيرة تمتحن قوتهم وتدفعهم مستقبلاً للاعتراف بقيمة الغرب في حمايتهم. وهذه الشكوك تحول الحماسة بعض دوائر النظام للضغط علي الإسلاميين تخدم الإسلاميين أكثر مما تضرهم، والضغط الراهن ليس أكثر من عملية ضرورية لإنضاج الإسلاميين المعتدلين وتسريع بلورة شراكتهم مع الغرب. الاندفاع الغربي في الحديث عن شراكة مع الإسلاميين المعتدلين، لم يعزز للآن بآليات عمل واضحة لا دبلوماسية ولا سياسية مركزية. فهناك حوار غربي غربي مفتوح ومعلن، وهناك مقاربات، ولكن هناك أسئلة معلقة تعيق تحول المنظور الإستراتيجي للشراكة مع الإسلاميين المعتدلين إلي آليات عمل. فمن هم الإسلاميين المعتدلين؟ وما هو مضمون الشراكة معهم؟ وما هي آليات تنظيم هذه الشراكة؟ كلها أسئلة معلقة، غياب الإجابات عليها يجهض تحويل التفكير النظري بالخيار الإستراتيجي إلي إجراءات عملية، ويغري النخب الحاكمة بالضغط علي الإسلاميين المعتدلين. ولكن الضغط الموجه علي الإسلاميين المعتدلين سوف يقدم الإجابات علي الأسئلة العملية. ولكن النخبة الحاكمة في الأردن تسعي لإضعاف أي فرصة لبلورة اتصالات بين الغرب والإسلاميين، وذلك لضمان أن تنجح سياسة الضغط. فمن جهة يسعي النظام لعقد تفاهمات مع الحركة الإسلامية بعدم الاتصال مع الأمريكان دون إعلام الدوائر الأردنية. ومن جهة أخري يمارسون ضغطا علي الدبلوماسيين الأجانب لعدم الاتصال بالإسلاميين. فهناك العديد من الدبلوماسيين الغربيين الذين يشكون من ضغط الحكومة الأردنية عليهم لمنعهم من أي اتصال بأي من رموز الاعتدال في الحركة الإسلامية. فهم يقولون انه وبالرغم من أن السياسات المعتمدة من قبل دولهم لا تمنعهم من الاتصال بالإسلاميين المعتدلين إلا أن هذه الاتصالات تعرضهم لضغوط وإحراج شديد مع الدبلوماسيين الأردنيين. أي أنهم بحكم وظيفتهم أمام خيارين، إما تنفيذ توصية الاتصال مع الإسلاميين المعتدلين، وهذا يستدعي امتناع العديد من المسؤولين الأردنيين، دبلوماسيين وغيرهم عن التعاون معهم، أو تجنبهم الاتصالات مع الإسلاميين المعتدلين لقاء ضمان تعاون المسؤولين الأردنيين معهم في العديد مـــــن القضـــــايا التي تهم مصالح بلادهـــم. وهم بالتأكيد يختارون تنفيذ المهام المباشرة، ويعتبرون التوصيات أمرا ثانوياً أو أقل أهمية. وحتي تتمكن النخب الحاكمة في الأردن من حل معضلة حاجة الدبلوماسيين الغربيين للحديث مع إسلاميين، فإنها تسعي لحصر هذه اللقاءات برجال الدين الرسميين، أو ما يسمي بممثلي الإسلام الرسمي، باعتبارهم هم فقط الإسلاميين المعتدلين. وتقديم رسالة عمان، مع استثناء الإسلاميين الحركيين من المشاركة فيها، بالرغم من أن مضمونها لا يختلف عن مضمون ما يقوله الكثيرون، هو لتغييب الإسلاميين المعتدلين من المشهد السياسي. وفي هذا السياق لجأ ممثلو الإسلام الرسمي، للتغطية علي عدم تمتعهم بأي ثقل شعبي، بارتداء ملابس كهنوت، قريبة من ملابس كهنوت الدين المسيحي، في محاولة لخداع الممثلين والمراقبين الغربيين.
وفي إطار سعي النظام في الأردن، إلي الضغط علي الإسلاميين، وحصرهم في خانات ضيقة، نفذت العديد من الخطوات ذات الطابع الاستفزازي. وأبرز مثال علي ذلك كان اعتقال عدد من نواب الحركة الإسلامية الذين ذهبوا لتقديم العزاء لأهل أبو مصعب الزرقاوي. فلقد كانت غلطة أولئك النواب بمثابة هدية للنخب الحاكمة. إذ باعتقالهم تم إرسال رسالة واضحة وهي أن هؤلاء النواب، بالرغم من موقعهم كأعضاء في مجلس النواب، يتعاطفون مع الإرهاب ورموز إرهابية. وكان أمام الحركة الإسلامية خياران أحلاهما مر: الأول أن يواجهوا ويتورطوا أكثر في الانزلاق نحو معسكر الإرهاب والتطرف. أو يقبلوا بالإذلال بوجود اثنين من نوابهم معتقلين دون أن يصدر منهم رد فعل يليق بحجمهم السياسي. وكلا الخيارين يضعف المعتدلين، ويهمشهم سياسياً وتنظيمياً. وهذه النتيجة تنسجم تماماً مع النظرية التي تحاول النخبة الحاكمة ترويجها، ومفادها أن المعتدلين حالة هامشية وهم عبارة عن مجموعة أفراد عاجزين عن السيطرة علي قواعد الحركة. ولقد حاول وزير داخلية أردني سابق أن يؤكد هذه النظرية. ففي ذروة أزمة ملف النقابات، تم اعتقال عدد من القيادات المتقدمة وذات القيمة الرمزية في الحركة الإسلامية. وقام بعدها بتوجيه نقد علني لقيادة الحركة الإسلامية المعروفة باعتدالها بأنها عاجزة عن السيطرة علي العناصر المتشددة في قواعدها. وقال للمراقب العام للحركة الإسلامية في لقاء جمعهم في مقر رئاسة الوزراء، حيث سعي رئيس الوزراء آنئذ فيصل الفايز أن يتوسط بين الإسلاميين ووزير الداخلية: ما بتمونش وقالها مع دق يديه علي الطاولة. ومعناها أن المراقب العام للإخوان المسلمين لا يستطيع السيطرة علي قواعد الحركة الإسلامية. وتستمر سياسة طرد الإسلاميين المعتدلين من وظائفهم، ومحاصرتهم. فقد تم مؤخراً، طرد عدد من الأكاديميين الإسلاميين من جامعة الزرقاء الأهلية، ومنهم نائب أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي الدكتور رحيل غرايبة. والدكتور غرايبة من القائلين بأن الشريعة هدف نصل إليه (يوتوبيا) وليست وصفة للتطبيق المباشر.
كذلك تستمر سياسية تدخل الأجهزة الأمنية في الانتخابات ومحاولات التأثير علي الناخبين. مرشح حزب جبهة العمل الإسلامي لرئاسة بلدية إربد، وهو أحد رموز الاعتدال في الحركة الإسلامية، الدكتور المهندس نبيل الكوفحي، آخر رئيس بلدية منتخب لمدينة إربد، ومرشح حاليا لمنصب رئيس البلدية، شكا وبشكل علني من قيام نائب مدير مخابرات إربد بالاتصال بالعديد من مؤيديه وتهديدهم، وتهديد عدد من تجار المدينة بأن وقوفهم إلي جانب نبيل الكوفحي يعني خسارتهم للكثير من مصالحهم. معضلة الحصار من ثلاث جهات، التي تطال مصير الفرد في المجتمع، شرحها ووضحها الروائي المصري جمال الغيطاني برواية بعنوان (الحصار من ثلاث جهات). وهذه المعضلة فيما يتعلق بالحركة الإسلامية تطال مستقبل أو مصير مجتمع، وليس مجرد مصير فرد في سياق اجتماعي. إنها تتعلق بمصير مجتمعات محلية في سياق المجتمع العالمي. ومن الوهم الاعتقاد بان مثل هذا الحصار سيؤتي أكله. فالحصار الذي يأتي لتبديد بعض الخيارات عند أطراف خارجة عن السيطرة، في كثير من الأحيان يقود إلي نتائج عكسية. ومعضلة الإستراتيجية الراهنة للحصار أن الأنظمة التي تمارسها لا تمتلك مخرجا، وليس لديها مقترح بتسويات. فهناك فرح في الأردن بأن الإسلاميين المعتدلين يستجيبون لكل ما يطلب منهم. وهذه الليونة تحتمل أكثر من تفسير. وغياب رؤية عن نتيجة للحصار الراهن تشي بالكثير من مكونات أزمة النظام السياسي. واهم استنتاج من وجود الضغط وعدم وجود خيارات محددة تقدمها الدولة، هو غياب إجماع بين مكونات النظام السياسي علي الموقف من الإسلاميين. فهناك انقسامات عميقة حول سبل التعامل مع الإسلاميين. ويتوزع الطيف بين العمل علي تصفية الإسلاميين بشكل فوري، والتخلص من الإسلام الحركي السياسي مرة واحدة وللأبد، إلي الدعوة لتطوير مشاركتهم في العملية السياسية كشريك كامل، وذلك عبر تطوير النظام السياسي وقواعده الدستورية لتنفيذ هذه الخطة. ہ كاتب من الاردن8