رام الله ـ «القدس العربي»: جدل كبير تعيشه الأراضي الفلسطينية المحتلة بنخبها ومثقفيها ومواطنيها البسطاء حول مسلسل الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، ورغم هذه الجدل الصحي الذي يعكس وجهتي نظر على الأقل منها حالة الاحتفاء بالموقف الدولي وتتبناه الدبلوماسية الفلسطينية ومجمل الجهات الفلسطينية الرسمية، ويقابلها موقف مضاد يرى أن هذه الخطوة المتأخرة جاءت من أجل حماية إسرائيل وهي جزء من حالة تعكس بيع الفلسطينيين وهم الاعتراف بدولتهم.
خلال الأشهر الماضية عمل الموقف الرسمي الفلسطيني بقوة على موضوع الاعترافات، لتكون الأسئلة: كيف تنظر السلطة الفلسطينية للقيمة السياسية والقانونية للاعتراف الدولي؟ وكيف يمكن العمل على المضي بمسار الاعترافات وتعزيزها وكذلك تحويلها إلى انجازات سياسية على أرض الواقع؟ وما هي خطة أو استراتيجية التحرك الفلسطيني دوليا، في ظل معطيات الميدان التي يصنعها الاحتلال والمستوطنون تحديا للعالم أجمع؟
إقرار دولي
وزير العدل الفلسطيني المستشار شرحبيل الزعيم يرى الاعتراف الدولي من 12 دولة خصوصا من بريطانيا وفرنسا بدولة فلسطين بمثابة إقرار من المجتمع الدولي بالشخصية القانونية والسيادية للشعب الفلسطيني على أرضه، وفق قواعد القانون الدولي العام، خاصة ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ حق الشعوب في تقرير المصير وقواعد القانون الدولي الإنساني.
وقال وزير العدل في حديث خاص لـ«القدس العربي» إن الاعتراف من قبل دول كبرى مثل: بريطانيا وفرنسا خاصة وانهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن الدولي وهما لاعبان مؤثران على الساحة الدولية يمكن أن يدعم الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية، إضافة إلى ذلك يعتبر تحول هام بالموقف الرسمي لدول مثل فرنسا وبريطانيا وأستراليا والبرتغال وبلجيكا وكندا ولوكسمبرغ وسان مارينو واندورا والدنمارك وموناكو من دول داعمة للاحتلال الإسرائيلي إلى دول تعترف بأحقية الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة كاملة السيادة.
وشدد على حقيقة أن الاعتراف بفلسطين لا يُنهي الاحتلال القائم فعلياً، لكنه يُغيّر من توصيفه القانوني على المستوى الدولي. «فبدلا من أن يُنظر إلى الوضع باعتباره نزاعاً بين قوة احتلال وشعب تحت الاحتلال فقط، يصبح الأمر اعتداء من دولة قائمة بالاحتلال على سيادة دولة أخرى عضو أو معترف بها في المجتمع الدولي».
ورأى أن الاعتراف الدولي يحقق حالة من رفع «مستوى المسؤولية القانونية الواقعة على دولة الاحتلال، ويُقوّي الأساس القانوني لمساءلتها أمام المحاكم والهيئات الدولية، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد وحدة وسلامة أراضي أي دولة أخرى».
واعتبر الوزير الفلسطيني أن هذا يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، لذلك ندعو المجتمع الدولي لاستمرار جهوده وضغطه على السلطة القائمة بالاحتلال لإنهاء حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة وإنهاء الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين باعتباره الحل الوحيد في مواجهة الاستيطان والهجمات الإسرائيلية.
وحول كيف يمكن العمل على المضي بمسار الاعترافات وتعزيزها وكذلك تحويلها إلى إنجازات سياسية على أرض الواقع قال المستشار الزعيم أن نعمل في دولة فلسطين على كل المسارات: القضائية الدولية، الدبلوماسية المتعددة الأطراف، لأن المساءلة لا تكون بكلمة فقط بل بأدلة وإجراءات قابلة للتنفيذ، خاصة وان التقارير الدولية الأخيرة من قبل الهيئات الرسمية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان حول العالم قدّمت أساساً قانونياً قوياً للمساءلة، وعلينا تحويل هذا الأساس إلى إجراءات ملموسة مثل التحقيقات والملاحقات، والتدابير التي تستهدف المسؤولين والجهات القائمة على الجرائم التي ترتكبها دولة الاحتلال.
إضافة إلى ذلك نسعى إلى توسيع التعاون القانوني مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الصديقة لتفعيل أدوات مساءلة إسرائيل: دعاوى قضائية، قرارات برلمانية، حظر منتجات المستوطنات، تجميد أصول، والاستفادة من آليات الاتحاد الأوروبي لمراقبة انتهاكات الاحتلال، ونقل الملفات القانونية إلى محاكم وطنية أوروبية عند الامكان.
وحول الخطة أو استراتيجية للتحرك الفلسطيني دوليا، في ظل معطيات الميدان التي يصنعها الاحتلال والمستوطنون في تحدي للعالم أجمع شدد وزير العدل على أن الجهات الرسمية الفلسطينية تعمل على تعزيز التعاون القانوني والدبلوماسي مع الدول الأوروبية والعربية والإسلامية لضمان مساءلة الاحتلال وحماية حقوق شعبنا، وفي المرحلة المقبلة التي تتطلب توظيف كل أداة قانونية ودبلوماسية لضمان بقاء القضية الفلسطينية على رأس الأجندة الدولية بالإضافة إلى ضرورة تطبيق مواد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة باعتبارهما ركيزتي عملنا على الصعيد الإقليمي والدولي، وسنسعى دائماً لتحويلها إلى أفعال ملموسة على الأرض من خلال الضغط السياسي والقانوني.
وختم قائلا: «كما أن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الاحتلال والاستيطان يحمل حجية قانونية قوية، إذ يحدد أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي وأن على المجتمع الدولي واجب عدم الاعتراف أو المساعدة في استمراره، حيث يشكل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية حول عدم شرعية الاحتلال مرجعا يمكن البناء عليه في المحافل الدولية والمحاكم الوطنية، كما يشكل ذلك أساسا لتصعيد المطالبة بتدابير عملية: مثل العقوبات على المستوطنات، المقاطعة الاقتصادية، وغيرها من أدوات الضغط التي يمكن بها مواجهة دولة الاحتلال».
وكانت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابيكان، قد اعتبرت أن الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين تعكس شجاعة سياسية من الدول التي منحت هذا الاعتراف، وتنسجم بشكل كامل مع مبادئ القانون الدولي، ما يعزز مكانة فلسطين على الساحة الدولية. وأضافت أغابيكان في تصريحات صحافية: «هذه الاعترافات تفتح المجال لتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول التي اعترفت حديثاً بفلسطين، كما تمنح دفعة قوية للمساعي الفلسطينية نحو الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة».
وأوضحت أن الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية باتت تتحمل التزامات سياسية وأخلاقية يجب أن تُترجم إلى خطوات عملية، وفي مقدمتها وقف حرب الإبادة في القطاع، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل.
وشددت على وجود التزامات واضحة وردت في بيان نيويورك الصادر الشهر الماضي، وعلى جميع الدول التي صادقت عليه أن تلتزم بها، خصوصاً فيما يتعلق بملف الاستيطان والتعامل الاقتصادي مع إسرائيل، بما في ذلك التجارة ووقف تصدير الأسلحة.
وترى أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، ما حدث بإنه «خطوة غير مسبوقة على مستوى الديمقراطيات الغربية الكبرى، وهو يعكس أبرز التحولات في السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية منذ عقود». وترى أن الغضب الإسرائيلي يعكس إدراكاً بأن موجة الاعترافات الجديدة ليست مجرد خطوة رمزية، بل بداية تشكل تحالف دولي جاد للضغط على إسرائيل.
وتشدد بأن المجتمع الدولي يجد نفسه أمام سؤال: هل تبقى الاعترافات مجرد دبلوماسية رمزية، أم تُترجم إلى إجراءات عملية توقف الاستيطان وتنهي الاحتلال وتضمن حماية الفلسطينيين من جرائم الحرب اليومية؟
وترى انه إذا نجحت الدول في تحويل الاعترافات إلى خطة تنفيذية مدعومة بأدوات قانونية وعقوبات رادعة، فإن ذلك سيكون بداية مسار تصحيحي للنظام الدولي الذي طالما سمح لإسرائيل بالإفلات من العقاب، أما إذا بقيت الاعترافات بلا أثر عملي، فإننا أمام تكرار لمشهد الوعود الفارغة التي شهدناها لعقود من مماطلة وكسب الوقت لصالح الاستيطان.
وتعدد الأكاديمية عريقات الخطوات التي على الدول الغربية القيام بها وهي: تعليق التعامل الثنائي التجاري والدبلوماسي، ومنع إصدار الفيزا للإسرائيليين، وفرض عقوبات على كل المستوطنين بصفتهم غير شرعيين تماشيا مع قرار مجلس الأمن رقم 2334 وكذلك حظر التعامل التجاري مع المستوطنات، بما يشمل البضائع، المنتجات، والخدمات، انسجاماً مع قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي اعتبر المستوطنات غير شرعية وعقبة أمام السلام وكذلك منع مواطنيها حملة الجنسية من الإقامة في المستوطنات، واعتبار ذلك مخالفة قانونية يعاقب عليها، ومنع مواطنيها من الخدمة في جيش الاحتلال، الذي يرتكب انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وفقاً لتعريفات القانون الدولي ولاتفاقية منع الإبادة الجماعية، ووقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، إذ أن الأسلحة التي تُورد بذريعة الدفاع تستخدم في عمليات إبادة وإعدامات ميدانية بحق المدنيين الفلسطينيين. وفرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية الحالية، باعتبار أن إفلاتها من المحاسبة هو سبب رئيسي لاستمرار الجرائم والانتهاكات، والالتزام الكامل بقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وتنفيذ مخرجاتها باعتبارها ملزمة قانونياً لكل دولة عضو في النظام الدولي.
وتختم قائلة: «إذا استمر الخطاب الدبلوماسي بدون إجراءات عملية حقيقية على الأرض لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة لدى الفلسطينيين، وسيُقوض أي إيمان بالحلول السلمية».