الاعتراف الوعر لغونتر غراس: قلم الكاتب ضميره!
عبد الكريم كاظمالاعتراف الوعر لغونتر غراس: قلم الكاتب ضميره! الوقاحة ان تروي الأشياء كما هي لا كما ينبغي ان تكون.. أوسكار وايلدالاعتراف بحماقات أو أخطاء الماضي يرسل عادة الانذارات الأخيرة أو التحذيرات الاستباقية، بلغة الحرب، لبعض الكتاب الذين ما زالوا يطمرون حقيقة كتاباتهم ـ مواقفهم المخجلة تحت أردية التبريرات، فزمن الاعترافات الاعصارية جعل الكثير، من هؤلاء، فاقداً لحواسه الفطرية والمكتسبة ذاك لان عمليات التجريف الأخلاقي قد تخلق، كما يخشي ويخشون، له/لهم حرجاً أو فضيحة الأمر الذي يجعله يرتعب من مشاعر الآخرين نحوه.. تلك المشاعر التي تتمحور بين القرف والازدراء وصولاً إلي الرفض وأحياناً الإقصاء، فأمام بعض هذه الاعترافات الصارخة وهي تعصف بحياتنا الثقافية من الشرق والغرب ستتجسد علاقات الناس المتنوعة بعضها ببعض بطريقة أكثر إيثاراً وإيلاماً من ذي قبل لنتمكن فيما بعد من الانتقال إلي مرحلة ترميم الحاضر ليكون مستقبل الكائنات الحية أكثر إشراقاً.. أي بناء حد أعلي لتطور البشرية كي تستقيم مع الزمن الثقافي الحديث الذي يُنتج الابداعات المتوازنة مع الذات دون ان تحدث عملية قطع مؤقت، عرضي أو مقصود مع تراث البشرية الفكري ـ الحضاري الخلاق، تماماً كما حدث مع العراقيين الذين تتعايش في ذاكرتهم المأساة مع الإبداع المنتمي إليها بحيث أصبح لزاماً علي العراقي ان يقرر ان زمن المأساة في بنية عقله الباطن ينتمي إلي ثقافته نفسها وبالتالي فان زمن المبدع العراقي الحقيقي ونتاجاته الثقافية الخالصة هو نفس زمن المأساة العراقية المتكررة التي تنبش بالماضي وتستعيد هوامشه وخفاياه المنسية أو تلك التي يتعمد الآخر نسيانها وتجاهلها كما حدث ويحدث، حتي لحظة كتابة هذه السطور، مع الكثير من المبدعين.ما ان نفرغ من قراءة الاعتراف الأخير لصاحب (طبل الصفيح، مشية السرطان، القط والفأر، سنوات الكلاب) والحائز علي جائزة نوبل للآداب ـ 1999.. من انه وقبل ستين سنة كان قد انتسب إلي فرقة في الجيش النازي (الأس أس) عند نهاية الحرب الكونية الثانية وكان حينذاك في السابعة عشرة من عمره حتي نجد انفسنا أمام حفنة من الكتاب لا تزال تغض الطرف عمداً عن كشف المحجوب وقول المسكوت عنه في سياق تجاربهم الشخصية مع الانظمة القمعية التوتاليتارية والإصرار في الوقت عينه علي مخاتلاتهم المبررة بطريقة اللعب التي لم تستطع ان تشفع لهم إخفاء ألاعيبهم السمجة وحقيقة خطابهم الثقافي الداعم لتلك الانظمة إضافة إلي ان بعض هؤلاء الكتاب كانت الذرائعية، بالنسبة لاعترافاتهم المنقوصة المزوقة، هي الأكثر وضوحاً بحيث تغافلوا وبشكل متعمد يكاد يكون نوعاً من تشويه الاعتراف أو قول نصف الحقيقة وقد كان ذلك ـ بالنسبة لهم ولتصوراتهم الانطباعية ـ بمثابة إسناد لحالة دفاعية مفضوحة فالكل قد وضع تاريخه الأسود والمخزي جانباً ومضي مع المطبلين الجدد الذين يروجون لتسويق المتناقضات الجديدة وسيقولون لنا لاحقاً.. ان الظروف الحالية ـ والتي كانت قائمة آنذاك ـ هي التي أملت عليهم ذلك التوجه وانعشت، مرة أخري، هذه الثقافة الدعائية السلطوية التعبوية الفضفاضة ـ التي قرعوا وسيقرعون طبولهم من أجلها ـ والواقع ان الروحية الحرباوية لهؤلاء تعكس دائماً النفسية القلقة، المتشرذمة والمأزومة التي تتعاظم وتتغير مع كل مرحلة ـ أزمة مهما بلغت السوداوية التي تعكس في ذات الوقت جوهر هذه الأرواح المتعفنة التي تسير علي خطين أو تلعب علي حبلين وتنتعش بين زمنين وأكثر.الابتعاد عن ثقافة الاعتراف بالنسبة لهذه النماذج، وهم كثر، سيمكنهم من البقاء مؤقتاً في الظل بانتظار اللحظة الملتهبة القادمة للخروج مجدداً إلي الأضواء حاملين معهم طبولهم العتيدة وأبواقهم.. وهذه الحالة في موروثهم المتلون ـ وعيهم الشخصي القاصر يفهم علي انه شطارة ما بعدها شطارة بمعني ان يدخل المتلون انتهازيته المعهودة لديه ثانية للفحص والتمحيص ـ كما يخيل له ـ بما يتلاءم وطبيعة المرحلة الجديدة التي ستخلع عليه، لاحقاً، صفة الإخلاص أو الإبداع بوصفه كاتباً من كتاب السلطة المخلصين فتغدق عليه، كما كان سابقاً، الألقاب، الجوائز، المكرمات والمنح السخية وتفرد له صفحاتها ليكتب لها ما تشاء بمنتهي السخاء أيضاً وستقدم له الدعم والدعوات للإشادة بمهرجاناتها، أعراسها وكرنفالاتها الاحتفالية التي تشكل صورة طبق الأصل لما كان سائداً من قبل، فكم من الجرأة يلزم مثل هذه النماذج ليأخذوا، علي الأقل، موقفاً صريحاً واحداً مماثلاً لموقف الألماني غونتر غراس يعترفون فيه بكل هذه الممارسات الحرباوية المتلونة وبحجم الأخطاء القاتلة التي ارتكبوها بحق شعوبهم ـ أوطانهم والتي قادتنا وستقودنا مجدداً إلي المزيد من الخراب الانساني الشامل الذي يلفنا اليوم بطريقة أكثر إحكاماً وإدهاشاً وكأنه مقدمة نادرة لتفكيكنا وتهميشنا من جديد علي ضوء خططهم المعدّة سلفاً.. ان لم تكن قد حصلت.تبقي حقيقة الاعتراف المجرد بمثابة نقد الذات الذي يتكشف بدوره عن نقد الحقيقة واستكشاف الخطأ.. فالاعتراف ليس هو الذي سيقول الحقيقة أو يصرح بالخطأ وانما هو خطاب حضاري يثبت جدارة أخلاقيات الكاتب مثلما يخلق مصداقية كتاباته وحتي مواقفه المعلنة منها وغير المعلنة، من هنا نقول وبصورة جازمة.. ان الاعتراف هو الانتقال من قول نصف الحقيقة إلي قول الحقيقة كاملة وفقاً للجرأة من جهة ولأخلاقيات الكتابة / الكاتب ـ كما أسلفنا ـ من جهة أخري وبهذا يكون الاعتراف.. نوعاً من المراجعة أو النقد وفقاً لما كشفه (نيتشه) حين قال : (لا يتطابق الاعتراف مع حقيقة ذهنية أو وجدانية قائمة بمعزل عن النقد) وهنا نري ان ثمة مشاركة فعلية يؤسس لها المعترف لقراءة تاريخه الخاص ومراجعة الحقائق وتصويب الأخطاء بعيداً عن مقاييس المنطق التقليدية المتعلقة بالخطأ والصواب، المع والضد، اليقين والشك أو الدحض والتناقض والتهافت إذا جاز لنا التعبير. بعد ذلك ينتقل الكاتب غونتر غراس أو ينقلنا معه إلي الجهة الأخري المضادة لمثل هكذا ممارسات مدانة ومرفوضة فيختلف معه من يختلف في اعترافه بأخطاء الماضي ويتفق معه من يتفق في ظل هذه النافذة التي تنتهي به علي غير ما بدأ وبهذا سيوصلنا مرة أخري، برغبة أو بدونها، إلي التساؤل عن مشروعية التأريخ الفردي الذي يستوجب تعريته بلا أدني شفاعة لنتساءل في ذات اللحظة : وهل هناك من جدوي لهذه التعرية المجردة للذات المتعسفة؟.. بل يمكننا القول أكثر من هذا : إذ انه يحاول تبيان تدخّل الذاتي بالثقافي وإحجام هذا الأخير من عدم استنفاد أدواته المؤثرة والإفصاح تالياً عن موقفه القديم وفعله وبالتالي مغادرته إياه بشكل نهائي بعد تعريته ـ أيضاً ـ للحقبة النازية وقدرته علي الإفصاح والفضح التي لا تقبل المسايرة أو الثنائية إذ لا يمكن نزع التأريخ الشخصي بدون هذه المحاسبة التي تكشف لنا جدوي الاعتراف وضروراته الحضارية بنسبة اقترابه من كينونة الكاتب التي تتجلي في انفتاحها علي الحياتي والروحي وحتي الغريزي في نبشها للماضي وفي تحريرها للمكبوت أو المهمش فيعيد لنا تدوين ما اختزنته الذاكرة فيقول المسكوت عنه ليتكلم تالياً علي علاقة وحاجة الكاتب الحقيقي الأقرب إلي فعل الصراحة.. إلي فعل الحياة.هناك وهنا وهنالك.. كراديس من كتبة السلطة أين منها الانكشاريات القديمة لا تريد ـ بمنتهي الاصرار ـ ان تمحو تأريخها الأسود أو تبادر بالاعتذار عما اقترفته من خيانات لنقاوة الكلمة وصدقها أو وخزات الضمير وعليه نتساءل: متي يفكر الكاتب الانكشاري برمي جمرات الحقيقة علي ذلك التأريخ الشيطاني كي يثبت ـ بأقل التقديرات ـ لذاته، ولو لمرة واحدة، انه تصرف بفروسية وشجاعة؟.. من هنا نقول : ان ما قام به غراس أشبه بعملية انتحارية تخطت زمناً مصاباً بوباء التدليس، التزييف، الكذب والموت.. زمناً تكون فيه نسبة الحاجة للاعتراف هي مقدار الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة أو مجاراتها وهذا الأمر سيجعل الآخرين ـ حياري وما هم بحياري ـ أمام مأزق قول الحقيقة وان قالها البعض بندرة شحيحة هنا وهناك.. بمناسبة أو بدونها.ننطلق في قراءتنا لهذا الاعتراف من خلال استنطاق عنوان كتابه ـ سيرته الذاتية الصادرة حديثاً.. (حين نقشر البصل) لنؤسس في الوقت عينه موقفاً منسجماً مع ما ترتب عليه من ردود متباينة وإلي ما هنالك من تأويلات ولتكتمل من جهة مماثلة صراحة الكاتب في دعوته إلي إحياء حقيقة التأريخ النازي الكريه الرائحة والتحرر مما سببه من عار لحق الأمة الألمانية بصرف النظر عن انماط صوره المشوشة المضطربة اللتين تجسدتا بالوعي مثلما حقق نوعاً من القفزة السحرية المباغتة في ظروف مليئة بالإشكاليات والأسئلة النقدية التي تريد منا إعادة النظر في قراءتنا لمستويات النصوص / المواقف بدقة متناهية من حيث طريقة التناول وصولاً إلي استنطاق العبارات المسكوت عنها بوصفها نصاً ـ موقفاً منتقداً لا تبقي علي دلالاته أي شائبة تجمّل الحقيقة أو تبررها فما فائدة الكتابة إذا كانت ستتحول إلي حقل تفريخ هائل لكلمات، ألفاظ وعبارات بائخة لا يكاد همها الأول والأخير ان يتخطي مدح طاغية، حزب أو نظام قمعي.. أو لمجرد ان يبقي الكاتب علي قيد الحياة ويدرك لقمة عيشه، فلماذا إذن حلمنا وتمردنا وكتبنا طوال هذه السنين العجاف من هذا الزمن اللعين.نتساءل أخيراً : هل عثر غونتر غراس، بعد ان بلغ من العمر عتيا، في اعترافه هذا علي جواب وافٍ مطمئن لما قام به؟ أم ان الاعتراف ذاته اتخذ صيغة أخري علي شكل بحث عقلي وروحي متواصل لمجريات التأريخ العامة والخاصة.. أم انه اتخذ من صوت الضمير ووخزات دبابيسه الموجعة مرشداً لقول الحقيقة بلا رتوش أو مواربة.هل حان أو انجز الأوان ـ باعترافه ـ قبل فوات الأوان؟هل سيــقول لنـــفسه : كـــيف أذنت لها بالدخول إلي تلك الفرقة النازية؟قد تستطيع سيرته الإجابة عن بعض هذه الأسئلة ونحن ننتشل رماد الحقائق من محرقته المقدسة وبتعبير أدق.. اعترافاته الوعرة لننتج أو لينتج لنا رؤية قد تحتاج لكي ترسو علي مستقر ما يحتاجه الكاتب الحر المتحرر، الطليق المحلق في الوقت الحالي لصياغة مواقفه بلا تردد أو خوف أو محاباة وهكذا ستفرض هذه الرؤية نوعاً من الكتابة الجديدة المرفقة بالمواقف الرصينة التي بدورها ستجعل العالم مكاناً صالحاً للحياة والجمال، فهل سنزدري اعترافاته أم نغبطه علي شجاعته وجرأته؟ وهو الذي شبه تاريخ المانيا النازية القبيح ـ في روايته الأخيرة ـ بالمرحاض.. حين كتب : (كلما شددت السيفون تصاعد الغائط إلي الأعلي).يبقي السؤال الأخير : هذه الكتابات الصادقة المتوثبة وهذه الاعترافات الوعرة الحارقة ألا تستحقان المغفرة، وهل الشجاعة في قول الحقيقة أو الاعتراف بخطأ ما.. تعني التضحية بالنفس؟ ہ شاعر من العراقي يقيم في المانيا0