الاعتراف بالدولة الفلسطينية بين الإطراء والهجاء

عبد الحميد صيام
حجم الخط
3

في البداية أراجع بعض التطورات المهمة خلال نصف قرن من النضال الفلسطيني، حيث عادت قضية الشعب المشرد والمضطهد والمهمش إلى صدارة الأحداث في عالم لا يفهم إلا لغة القوة والمناعة والصمود.
عام 1974 تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ودعي رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى الجمعية العامة ليلقي لأول مرة كلمة فلسطين في محفل دولي عظيم. اعترف بمنظمة التحرير أكثر من 100 دولة وخاصة في أفريقيا والدول الإسلامية ودول الكتلة الاشتراكية.
في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1988 قرأ ياسر عرفات في المجلس الوطني الثامن عشر المنعقد في الجزائر بيان الاستقلال وأعلن قيام دولة فلسطين واعترف بحق دول المنطقة في العيش ضمن حدود آمنة. ومرة أخرى اعترفت 78 دولة قبل نهاية ذلك العام واستمرت الاعترافات لتصل إلى نحو 120 دولة.
في19 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 اعتمد مجلس الأمن قرارا بالإجماع تحت رقم 1515 (2003) برعاية من الولايات المتحدة يتبنى خريطة الطريق التي صاغتها اللجنة الرباعية لحل الدوليتن. في تموز/يوليو عام 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية بغالبية 14 صوتا ضد قاض واحد رأيا قانونيا يستوجب تفكيك الجدار العازل والتعويض على المتضررين من الفلسطينيين. وأقر الرأي القانوني بأن هناك شعبا فلسطينيا مميزا يسكن رقعة جغرافية محددة تقع تحت احتلال غير شرعي وينطبق «حق تقرير المصير» على هذا الشعب.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2012 صوتت الجمعية العامة بغالبية 128 دولة لمنح فلسطين صفة «دولة مراقب» تتمتع بصلاحيات كبيرة داخل المنظومة الدولية. هذا الاعتراف فتح الطريق أمام قبول فلسطين عضوا كامل العضوية في المحكمة الجنائية الدولية.
وفي 18 نيسان/أبريل 2024 قدمت الجزائر مشروع قرار لمجلس الأمن للاعتراف بعضوية فلسطين الكاملة. صوت مع الاعتراف 12 دولة وامتعت كل من بريطانيا وسويسرا عن التصويت واستخدمت الولايات المتحدة الفيتو لتقتل المحاولة.
في كانون الأول/ديسمبر 2022 صوتت الجمعية العامة على قرار يحيل مسألة الاحتلال الاسرائيلي لمحكمة العدل الدولية لتقديم رأي قانوني فيه. صدر الرأي القانوني بتاريخ 19 تموز/يوليو 2024 والذي دعا إلى إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات وترحيل المستوطنين والتعويض على الفلسطينيين المتضررين. تبنت الجمعية العامة الرأي القانوني بقرار صدر يوم 18 أيلول/سبتمبر 2024. وبلغت جميع الدول بضرورة اتخاذ إجراءات عملية لإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران/يونيو خلال سنة تنتهي يوم 18 أيلول/سبتمبر 2025.
بين 28 و30 تموز/يوليو 2025 عقد مؤتر في مقر الأمم المتحدة برعاية سعودية فرنسية لإقرار حل الدولتين، فلسطين وإسرائيل، كمشروع شامل للسلام في المنطقة. وصدر عن المؤتمر ما سمي «بيان نيويورك». يتضمن الرؤية لحل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين دولة كاملة العضوية. وتم التصويت عليه في جلسة خاصة للجمعية العامة يوم 12 أيلول/سبتمبر فصوت مع تبني القرار 142 دولة وصوت ضد البيان 12 وامتنع عن التصويت 10 دول. الدول الـ 142 أصبحت الآن معترفة بفلسطين كدولة.
بتاريخ 22 أيلول/سبتمبر 2025 وقبل انطلاق أعمال الجمعية العامة عقد مؤتمر خاص من الساعة الثالثة إلى السادسة مساء. افتتح إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، الاجتماع مُعلنًا أن الاعتراف بدولة فلسطين «وسيلة للتأكيد على أن الشعب الفلسطيني ليس شعبًا إضافيا أو زائدا عن الحاجة». وأضاف أن الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني «لا يُنقص شيئًا من حقوق شعب إسرائيل، الذي دعمته فرنسا منذ البداية». وبينما «قد يقول البعض إنه فات الأوان، وقد يقول آخرون إن الاعتراف مبكر جدًا»، أكد ماكرون «لم نعد قادرين على الانتظار». وبالإضافة إلى فرنسا اعترفت بالدول الفلسطينية كل من أندورا، أستراليا، بلجيكا، كندا، لوكسمبورغ، مالطا، موناكو، البرتغال، سان مارينو والمملكة المتحدة. ليصبح عدد الدول المعترفة بفلسطين 157 دولة. وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عبر تقنية الفيديو، إن الإعلان التاريخي «يمثل بداية طريق لا رجعة فيه نحو إنهاء الكارثة الإنسانية وإنهاء الاحتلال» و«تجسيد دولة فلسطين المستقلة».
أعربت بعض الوفود، ومن بينها أنطونيو تاجاني، وزير خارجية إيطاليا، عن دعمها المبدئي لحل الدولتين من دون الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. وقال تاكيشي إيوايا، وزير خارجية اليابان، إن «مسألة الاعتراف بدولة فلسطينية ليست مسألة (إذا) بل (متى)». وحذر قائلاً: «إذا اتخذت إسرائيل المزيد من الإجراءات التي تسد الطريق أمام تحقيق حل الدولتين، فستضطر اليابان إلى اتخاذ تدابير جديدة ردًا على ذلك». وأكد يوهان فادفول، وزير خارجية ألمانيا، أن الصراع «لا يمكن كسبه ولا إدارته. إنه بحاجة إلى حل»، مضيفًا أن بلاده لا تعترف ولن تعترف بأي تغييرات على حدود عام 1967، كما تظل ملتزمة بشدة بوجود إسرائيل وأمنها على المدى الطويل.

قيمة الاعتراف

ما من شك أن هذه الاعترافات تحمل قيمة معنوية ورمزية كبيرتين. ونستطيع أن نقيم هذه الاعترافات من منظور إيجابي يؤكد أن محاولات الكيان الصهيوني طمس القضية الفلسطينية لأكثر من سبعة عقود باءت بالفشل، وأن الدول الأوروبية التي ساهمت في إنشاء إسرائيل خاصة بريطانيا وفرنسا، لم تعد تقبل السرديات الإسرائيلية على علاتها بدون انتقاد أو تساؤل. دارت هذه الدول نصف دورة لتلتقي على الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة. فكلما ظهر الحق الفلسطيني تراجع الباطل الإسرائيلي، وكلما اقتربت دولة خطوة من فلسطين تكون قد ابتعدت خطوتين عن إسرائيل.
إن هذا الاعتراف يفتح الطريق لمزيد من اتخاذ خطوات نحو تجسيده إذا كانت هذه الدول جادة في تحقيق حل الدولتين، وأول هذه الخطوات يجب أن يكون التوجه للضغط على الولايات المتحدة لحلحة مواقفها، والعمل مع بقية الدول التي لم تعترف بعد وخاصة اليابان وألمانيا وإيطاليا لتسريع الاعتراف. يجب أن تشعر إسرائيل أن عزلتها خانقة وأنها ستصاب بالاختناق عندما لا تجد دولة واحدة لا تختلف أو تتنافر معها. العزلة السياسية لدولة تعتبر نفسها واحة للديمقراطية في صحارى الشرق الأوسط أمر قاتل يزرع الشك في نفوس جماهير تلك الدولة المعزولة حول حكمة سياسة قادتها التي أدت بهم إلى مثل هذا الحصار المعنوي. ومن المهم أن يتفكك هذا الانطباع المزيف لتظهر إسرائيل على حقيقتها دولة فصل عنصري واحتلال لأرض دولة أو دول أخرى، وكيان يمارس جرائم حرب في وضح النهار وأمام مرأى ومسمع العالم ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك.
الشعوب التي تتظاهر بمئات الآلاف في شوارع وميادين تلك الدول ستكون لديها الآن أرضية صلبة تستند عليها. فليس من المنطق مثلا أن تعترف بريطانيا بدولة فلسطين ثم تمنع أو تجرّم من ينتصر لمظلومية تلك الدولة والخروج في الشارع نصرة لشعبها الذي يتعرض للإبادة. إن هذه الاعترافات قد تضيف دفعات جديدة من الدم الحار في عروق المتظاهرين. وانظر إلى مظاهرات إيطاليا العنيفة والشاملة لأن اعتراف بلادهم تأخر، ما اعتبر ذلك خنجرا في خاصرة كل مؤيد لحرية فلسطين.

المبالغة في قيمة الاعتراف
مضرة أيضا

خرجت مظاهرة صغيرة في رام الله ترحب بالاعترافات واعتبارها نتيجة لسياسات الرئيس عباس الحكيمة. إن اعتبار الاعترافات انتصارات حاسمة وعظيمة وستؤدي غدا أو بعد غد إلى نهاية الاحتلال وتفكيك المستوطنات ورفع العلم الفلسطيني على مآذن مساجد القدس وأجراس كنائسها أمر خطير، يؤدي إلى تعميم الوهم وانتظار غلّة قد لا تصل أبدا إلا إذا كان هناك نضال مرير وموجع قبل وصولها.
لقد اعترف هؤلاء بالدولة وانصرفوا. وماذا بعد؟ لم يحددوا بالضبط حدود الدولة ولا عاصمتها ولا نقاء أراضيها من درن الاستيطان ولا تقطيع أوصالها بألف حاجز ولا خنق اقتصادها على أيدي الاحتلال ولا اعتقال خيرة شبابها وشاباتها وأطفالها في سجون أقرب إلى القبور.
فشلت هذه الدول فرادى وجماعات في وقف حرب الإبادة على غزة ولجم عنف المستوطنين في الضفة الغربية واقتحام المتطرفين للمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي. على العكس من ذلك ما زالت هذه الدول تمد يد العون للكيان في حرب الإبادة، تقدم له السلاح والمعلومات الاستخبارية والتعاون الأمني والمال والتبادل التجاري (باستثناء إسبانيا). هذه الدول تريد من جهة أن تكفر عن خطاياها في موضوع غزة ومن جهة أخرى تحرف الأنظار عما يجري في غزة من مجازر. فيرقص الناس للدولة وأهالي غزة يقدمون يوميا للمقصلة. ولو كانت هذه الدول صادقة لوضعوا ثقلهم للجم الاندفاعة الجامحة لتدمير غزة بالمطلق وتهجير شعبها بعد أن أنهكهم الجوع والمرض والقنابل.
إن تحويل هذه الاعترافات إلى برنامج عمل هو الاختبار الحقيقي. على هذه الدول أن ترتقي بتعاملها مع الشعب الفلسطيني وأولوياته وخاصة وقف الحرب الشاملة على شعب أعزل منهك مجوع محاصر في غزة، وبدون هذا التوجه وفورا ستبقى هذه الاعترافات فرمانات معنوية لا تنتقل إلى حيز الواقع وستستمر الحرب على غزة وتوسيع الاستيطان في الضفة وتكثيف الاقتحامات في القدس. لكن الشعب الفلسطيني الواعي والمتمرس في النضال لن يرفع الراية البيضاء ولن يستسلم وسيظل قابضا على الجمر إلى أن يصنع بإرادته فجر الحرية الجميل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية