الاعتقالات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين أداة الاحتلال في وجه أي تحرك نضالي

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: خلصت ثلاث مؤسسات فلسطينية مهتمة بقضية الأسرى أن الروايات والشهادات التي وثقتها وتمت متابعتها على مدار الفترة الماضية، أعادت المؤسسات إلى سنوات كانت تشهد فيها فلسطين انتفاضات ومواجهة عالية مع الاحتلال.

واعتبرت المؤسسات (نادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، ومركز معلومات وادي حلوة-القدس) أن كثافة المعطيات المتعلقة بالانتهاكات المرتبطة بالاعتقالات لم تشهدها فلسطين منذ «الهبة الشعبية» نهاية عام 2015.
وحسب التقرير الصادر عن ثلاث مؤسسات حقوقية في الضفة الغربية والقدس، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت خلال شهر أيار/مايو الماضي بحدود 690 فلسطينيًا من الأرض المحتلّة، من بينهم 76 طفلاً، و19 من النساء.
الأرقام السابقة من وجهة نظر المؤسسات الحقوقية تعتبر ثاني أعلى نسبة في حالات الاعتقال منذ مطلع العام الجاري، وذلك بعد أن سجل شهر نيسان/أبريل الماضي 1228 حالة اعتقال، وشكلت حالات الاعتقال في القدس النسبة الأعلى كما في كل شهر، تلتها مدينة جنين.

الأعلى في القدس

وبلغ عدد المعتقلين في القدس 401 حالة، من بينهم 58 طفلاً وقاصراً، و16 من النساء، فيما بلغ عدد أوامر الاعتقال الإداريّ الصّادرة خلال الشّهر؛ نحو 160 غالبيتها صدرت بحق معتقلين جدد.
وشهد الشهر الماضي تنفيذ المزيد من عمليات الاعتقال المنظمة، والتي رافقتها انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين وعائلاتهم، وواصلت سلطات الاحتلال انتهاكاتها وعمليات الانتقام بعد نقلهم إلى مراكز التحقيق والتوقيف، عدا عن تسجيل إصابات متفاوتة منها بليغة بين صفوف المعتقلين برصاص جيش الاحتلال.
وتؤكد المؤسسات الثلاث في تقريرها أن الحملة الاحتلالية الحالية ليست المحطة الأولى التي يواجه فيها الفلسطينيون هذا النوع من التصعيد، بما فيه من اعتداءات استخدم الاحتلال خلالها كافة أدواته وسياساته التي اتبعها على مدار العقود الماضية، وكانت عمليات الاعتقال الممنهجة، أبرز تلك الأدوات التي حاولت من خلالها أن تعمل على وأد أي مواجهة راهنة يسعى فيها الفلسطينيون إلى التحرر وتقرير المصير.
ففي الفترة الواقعة منذ أيار/مايو عام 2021 وأيار/مايو الماضي سجلت نحو 9700 حالة اعتقال في كافة أنحاء فلسطين، من بينها 153 من النساء و1417 من الأطفال والقاصرين، وكانت النسبة الأعلى من الاعتقالات في القدس وبلغت 4540 حيث أفرج عن معظمهم بشروط أو من دون شروط.
يذكر أن بنود لوائح الاتهام التي قدمت للفلسطينيين في القدس المحتلة تمحورت حول تهم التحريض على قتل اليهود، والتحريض على الإرهاب وعرقلة عمل الشرطة وغيرها من التهم التي تشير إلى تعمد إبراز المعتقلين الفلسطينيين «كإرهابيين وعنصريين يمارسون أفعالا ونشاطات من دافع أيديولوجي».
ونوه التقرير الحقوقي الرصدي أن هناك جملة من المعيقات التي واجهت المؤسسات في متابعة حالات الاعتقال في الأراضي المحتلة عام 1948 نتيجة لسياسات التصنيف التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، وهو ما يصعب عملها لكونها تنشط في الضفة الغربية ومدينة القدس.
وبرزت جريمة الاعتقال الإداريّ بشكل أساس، كأحد أبرز السياسات التي ارتبطت في هذه المواجهة، فمنذ أيار/مايو 2021 وحتى أيار/مايو 2022 بلغ عدد أوامر الاعتقال الإداري نحو 2440 كانت أعلاها في شهر أيار/مايو 2021 وبلغت 200 أمر اعتقال إداريّ.

تعميق وإمعان

وتؤكد مؤسسات الأسرى على أنّ الروايات والشهادات التي وثقت وتمت متابعتها على مدار هذه الفترة، أعادتهم فعليًا إلى سنوات كانت تشهد فلسطين انتفاضات ومواجهة عالية مع الاحتلال، فكثافة المعطيات المتعلقة بالانتهاكات لم نشهدها منذ «الهبة الشعبية» نهاية عام 2015.
وتشير المؤسسات إلى أنّ غالبية سياسات الاحتلال التي شكّلت أساسًا للانتهاكات هي سياسات تاريخية ثابتة، والمتغير الأبرز فيها هي محاولة تعميقها والإمعان فيها، إضافة إلى تطوير أدوات قمع وعنف لفرض المزيد من السيطرة والرقابة على الفلسطيني.
وبلغت حصيلة حالات الاعتقال من القدس خلال شهر أيار/مايو 401 حالة، بينهم طفلان أقل من 12 عاماً و58 قاصرًا، 16 من النساء، رافق عمليات الاعتقال اعتداءات بالضرب المبرح، والسحل، وإطلاق النار، حيث أنّ غالبية من تم اعتقالهم تعرضوا لاعتداءات من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، ولم يسلم الشهداء والمشاركون في جنازاتهم من هذه الاعتداءات خلال عملية تشييعهم، كما جرى في جنازة الشهيدة شيرين أبو عاقلة من اعتداء على نعشها وعلى حامليه، وما جرى لاحقًا من ملاحقة واعتقال لهم.
وتشهد القدس النسبة الأعلى في حالات الاعتقال شهريًا مقارنة مع بقية محافظات الوطن، فمنذ بداية هذا العام بلغت حالات الاعتقال في القدس، نحو 1737 واستمرت في تصعيدها لعمليات الاعتقال في القدس خلال أيار/مايو الماضي ونفّذت معظم الاعتقالات من شوارع القدس، والمسجد الأقصى المبارك، وخلال جنازتي الشهيدة الصحافية شيرين أبو عاقلة، والشهيد وليد الشريف، وخلال مسيرة الأعلام في ذكرى ما يسمى «الاستقلال وتوحيد القدس».

جنين في المرتبة الثانية

محافظة جنين شمال الضفة الغربية نالت الترتيب الثاني في أعداد الاعتقالات الشهرية، حيث اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 307 مواطنين.
وتشهد المحافظة مواجهة قوية مع الاحتلال منذ مطلع العام الجاري، وكان من بين المعتقلين شهيد الحركة الأسيرة داود الزبيدي المحتجز جثمانه حتّى اليوم، والجريح نور الدين جربوع.
وعلى مدار الشهور الماضية استهدف الاحتلال هدم خمسة منازل تعود لعائلات أسرى وشهداء، ويهدد بهدم ثلاثة منازل أخرى.
كما أنه يفرض سياسة العقاب الجماعي على بلدات كاملة مثل بلدة رمانة غرب مدينة جنين، وذلك من خلال سحب تصاريح العمل من العشرات من أبناء البلدة ومن أقرباء المعتقلين صبحي صبيحات، وأسعد الرفاعي.
وكان المدعي العام المركزي الإسرائيلي قد قدم لائحة اتهام ضد الأسيرين صبيحات والرفاعي تضمنت اتهامات بالقتل والشروع في القتل، على خلفية تنفيذهما عملية طعن في تل أبيب، بداية شهر أيار/مايو، أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين.
وجاء في لائحة الاتهام، أن صبيحات بعد استشهاد صديقه في اشتباكات مع جيش الاحتلال في شهر آب/أغسطس من العام 2021 قرر تنفيذ عملية انتقامية يستشهد فيها، وعرض خطته على صديقه الرفاعي، ثم في شهر نيسان/ابريل الماضي، بعد استشهاد صديق آخر له، وبسبب الاعتداءات في المسجد الأقصى، حسما أمرهما بتنفيذ العملية.
وبلغ عدد التصاريح التي أوقفها الاحتلال ما يُقارب 800 تصريح لعمال من نفس البلدة، علما أن أصحاب هذه التصاريح يعيلون عائلات مكونة من عدة أشخاص، وهو ما يجعل آلاف الأفراد يُعاقبون بدون ذنب. وإلى جانب ذلك أوقف الاحتلال جميع التحويلات الطبية للعلاج داخل الخط الأخضر (فلسطين 48) لكل من يحمل بطاقة هوية القرية.
ويبلغ عدد الأسرى من محافظة جنين أكثر من 500 أسير، ومن بينهم 180 أسيرًا يواجهون أحكامًا عالية، و75 أسيرًا يقضون أحكامًا بالسّجن المؤبد، علمًا أن من بين الأسرى ثلاث أسيرات وهن: منى قعدان، وياسمين شعبان، وعطاف جرادات وهي أم لأسيرين وشقيقة أسير.

دلالات موجة الاعتقال

وحسب الباحثة والمتخصصة في قضية الأسرى أماني السراحنة فإن الشهادات والروايات التي جمعتها مؤسسات الأسرى تحديدا ما بين أيار/مايو 2021 وأيار/مايو الماضي تشبه مستوى الروايات في الهبة الشعبية في 2015 وفي فترات انتفاضات ومواجهة عالية مع الاحتلال.
وأضافت السراحنة أن أساليب التعذيب على اختلاف أنواعها مثلا تحمل دلالات، «ونحن كباحثين في هذه القضية ومتابعين بشكل لحظي لتفاصيل الاعتقالات وطبيعتها لدينا القدرة لإدراك متى يقوم الاحتلال باستعادة بعض أدوات التعذيب القديمة وأسباب ذلك».
وتضيف: «عندما يتنبأ الاحتلال أن هناك حالة من المواجهة النضالية كالتي نعيشها يبدأ بعملية ممارسة عنف عالي جدا سواء عبر طريقة الاعتقال أو الاعدامات الميدانية أو بطرق نقل الأسرى لمرافق التحقيق والتوقيف، حيث يتخلل ذلك المزيد من العنف الجسدي والنفسي».
وتتابع السراحنة التي تعمل منسقة إعلامية لنادي الأسير الفلسطيني (مؤسسة غير حكومية) أن شهادات العائلات أثناء اعتقال أبنائها وما تكشفه من ممارسة عقوبات جماعية على أفراد العائلة كانت مروعة، حيث استخدام الجنود الرصاص الحي، والتهديد المباشر بالقتل، واستخدام أفراد العائلة كدروع بشرية أثناء اعتقال من تدعي أنهم مطلوبون، إضافة إلى تنفيذ اعتقالات بحق أي شخص قريب من المعتقل بحيث يصبح في دائرة الاشتباه التي تفضي إلى الاعتقال.
وأضافت أن الاحتلال مارس عمليات انتقامية جماعية بحق بلدات (مثل بلدة رمانة في مدينة جنين) وبحق عائلات، وأفراد أقارب من الدرجة الأولى والثانية للمطلوبين، وكل هذه الأمور تعتبر مؤشرات تجعلنا نتعرف على كيف يقيم الاحتلال الوضع الفلسطيني وكيف يتعاطى معه، ومجمل ما جمع من معطيات وشهادات نشرت أو لم تنشر تدلل على أن الاحتلال كانت ممارساته تشي بإنه تنبأ بمواجهة عالية. وشددت السراحنة أن «الانتهاكات تمنحنا معطيات تجعلنا نخلص إلى استنتاجات عامة» وتضرب مثلا أن الاعتقال الإداري الذي تشير الأرقام أنه وصل إلى 640 معتقلا اداريا يدلل على ارتفاع كبير شهدناه في شهر أيار/مايو 2021 حيث شمل أكثر من 221 حالة وشمل كافة أنحاء فلسطين.
وتعتبر السراحنة أن رقم 640 معتقلا اداريا هو رقم كبير جدا وقريب من نسبة السنة التي تلت الهبة الشعبية في عام 2015.
وتؤكد أن كل ممارسات الاحتلال تمنحنا معطيات نقرأ من خلالها التحولات التي ترتبط بالمواجهة الحالية، بغض النظر عن مستواها ومن يديرها.

توحش وعقوبات مغلظة

رئيس لجنة أهالي الأسرى والمعتقلين المقدسيين أمجد أبو عصب يعتبر أن الاعتقالات في القدس هي جزء من ممارسات شاملة لجعل المدينة طاردة، بحيث تقود إلى رحيل المقدسيين، وهو أمر يمتد من قمة الهرم السياسي في دولة الاحتلال إلى أصغر جندي إسرائيلي.
ويشدد أن هدف الاعتقالات التي تعكسها الأرقام المتنامية واضح جدا، ولهذا الغرض تكون مصحوبة بالعنف الشديد حيث تنفذها القوات الخاصة ووحدات المستعربين وتحديدا عند استهداف شريحة الأطفال بهدف إدخال الخوف في قلوبهم بعد أن اكتشف الاحتلال حمية المقدسيين ووطنيتهم وجرأتهم عند مقاومته.
ويرى أبو عصب أن جانبا من حملات الاعتقالات التي نفذت يوم 29 من أيار/مايو الماضي شملت اعتقال 75 مقدسيا من الشوارع حيث تم ضربهم والتنكيل بهم وإرسالهم لمراكز التوقيف بدون سبب، إنما بهدف زرع الخوف وكسر العزيمة بعد أن فقد الاحتلال هيبته أمام الشباب المقدسي.
ويؤكد أبو عصب أن تحولات المقدسيين في تعاملهم مع الاحتلال تترافق مع تسارع وتيرة التهويد وهو ما يجعل الاحتلال متخبطا في ممارساته المجنونة، ويستخدم يدا من حديد لتفريغ المدينة من سكانها.
ويرى أن سياسات الاعتقال تترافق مع تنامي الأحقاد في ظل أن المقدسيين يعيشون حياة مختلطة مع الاحتلال بمستوطنيه وشرطته وهو ما يجعل ممارسات الشرطة مضاعفة ومشحونة ومليئة بالوحشية فكل العناصر الشرطية تستغل كونها موكلة بتنفيذ ما تراه القانون ليمارسوا التعذيب تحت بند القيام بأعمال روتينية.
ويشير أبو عصب إلى أن هناك خصوصية في تعامل الاحتلال مع المقدسي حيث يدفع الأخير ثمنا كبيرا لذلك، فالأحكام التي يصدرها الاحتلال بحق المقدسيين مغلظة وأكبر من تلك التي تصدرها المحاكم على أسرى في الضفة الغربية وأمام نفس التهمة.
ويضيف قائلا: «في ملف التحقيق ومحاضره يكتب في قمة الصفحة الأولى أن المعتقل يحمل الهوية الزرقاء في إشارة إلى أن المقدسيين (يخونون الكيان) وهو ما يجعل الأحكام مغلظة وكبيرة ومضاعفة في معرض تعاطيه مع القدس على انها تحت سيادته».
وعن ممارسات الشرطة بحق المقدسيين فور خروجهم من السجن شدد أن ما يطبقه الاحتلال هو «حقد القانون» فلا يريد الاحتلال من أي فلسطيني أن يمارس احتفاء بمشهد الخروج من السجن، وهو يريد قتل الحاضنة الشعبية والاجتماعية للأسرى، ويريد أن يرى الأسير فردا معزولا ومطأطأ الرأس وعندما لا يرى ذلك بل يلمس العكس تماما يجن جنونه، فيحاول أن يمنع ذلك بشتى السبل، حيث تعتقل المخابرات الإسرائيلية المفرج عنهم فور خروجهم من السجن، وترسلهم إلى معتقل المسكوبية وهناك يحاول أن يلفق لهم تهمة جديدة من ضمنها القيام بأعمال مخلة بالقانون.
ويضرب أبو عصب بالأسير معاوية علقم (21 عامًا) الذي اعتقلته المخابرات لحظة الإفراج عنه من سجن النقب قبل أيام، بعد أن أنهى مدة محكوميته وقام بإبعاده عن القدس مدة أسبوع وهو الذي اعتقل طفلا كان عمره 14 عاما.
ويختم: «الاحتلال يريد أن يقتل الصورة المفرحة التي يصنعها المقدسي بتحرره، لا يريد أية مظاهر فلسطينية من رفع أعلام أو هتافات أو إطلاق أغاني.. يريد أن يحاصر كل شيء حتى مصادر السعادة والبهجة عند المقدسيين، فالقمع وصل كل شيء».
وتشير المعلومات الفلسطينية الرسمية أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال بلغ نحو 4700 أسير، وذلك حتّى نهاية شهر أيار/مايو 2022 من بينهم 32 أسيرة، ونحو 170 قاصرًا، و640 معتقلًا إداريًّا من بينهم أسيرتان، وطفل، وارتفع عدد المؤبدات خلال أيار/مايو إلى 551 وذلك بعد الحكم بالسجن المؤبد و25 عامًا على الأسير أحمد عصافرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية