التقته فاطمة عطفة: إعلامي يذكرنا بالعصر الذهبي للأمة العربية في مرحلة جمال عبد الناصر، وخاصة أن أحمد سعيد الذي ارتبط صوت العرب باسمة هو أحد الأساتذة الكبار الذين اكتسب ضيفنا خبرته الإذاعية منهم، يوم كانت الإذاعة أهم المنابر الإعلامية إنه الإعلامي الإماراتي محمد عبد المحسن، ويكفي أن نتأمل شخصيته الرصينة وطلاقته اللغوية في الحديث، وميزة التواضع الجميل إلى جانب قامته الإعلامية المرموقة وخبرته العملية الواسعة، ويسرنا أن يتحدث اليوم إلى قراء “القدس العربي” عن ملامح من حياته وتجربته.
ـ كيف كنت البدايات في مجال الإعلام؟*’دخلت إلى المجال الإعلامي من الصغر حيث كنت متميزا في اللغة العربية وأحصل فيها علامات عالية، واختاروني عريفا في الإذاعة المدرسية، وكنت أشارك في بعض المشاهد وألقي قصائد في الصف، كما كان عندي حب شديد لسماع الراديو، حتى عندما أنام أو أذاكر يكون معي جهاز الراديو أستمع إليه أو يكون شغالا وأنا غير منتبه له. بعد ذلك دخلت دورة لمدة سنة في فن الإلقاء الإذاعي، وهذه الدورة كانت تؤهل الشخص الذي ينهي دراسته فيها إلى درجة ‘دبلوم’، كان فيها أعلام الإعلام في العالم العربي، مثل أحمد سعيد صوت العرب من القاهرة، والعلامة المتصوف محمد علي ماهر كان يدربنا على التجويد والتلاوة ونوعية البرامج والأداء الذي هو شبه درامي، كما كان أيضا للدورة أكثر من هدف، وليس فقط أن تتعلم أن تكون مذيعا ومقدما. طبعا، هناك تصنيفات كثيرة تعلمناها، كيف تكون معلقا أو مقدما وقارئ نشرة، هذه كلها فيها اختلافات. كيف تقرأ نشرة الأخبار بأسلوب القرار الذي هو الحيادي، كيف تقرأ الشعر سواء كان هجاء أو رثاء أو تأمليا أو غزلا. هذه كلها لا تحتاج إلى تخفيض الصوت أو رفعه، لكن تحتاج إلى التلوين في الأداء، هذه كلها تعلمناها. بعدها حصلت على تصنيف لطبقة صوتي، على أنها تصلح أن أكون مذيع منوعات ومواد سياسية. وفعلا، من يوم مسيرتي الإعلامية التي بدأتها في الـ 82، عملت جميع أنواع البرامج الثقافية والمنوعة: الشعر، الرياضة، التعليقات على الهواء، التخريجات العسكرية، المقابلات على الهواء. وأكثر واحد تشرفت في مقابلته هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في أكثر من مناسبة وأكثرها التراثية وافتتاح بعض المشاريع، واللقاء معه أكثر من مرة. في إحدى المرات كان موجودا في ميدان سباقات الهجن في الوثبة، وأتيحت وقتها لي الفرصة أن أجري معه مقابلة ومن ضمن الأسئلة قلت له: يا طويل العمر هل هناك نية لإنشاء سباقات الهجن، وقتها لم يكن في أبوظبي اتحاد لسباقات الهجن، فعلا بعض تلك المقابلة بحوالي خمسة شهور ونصف كان اتحاد سباقات الهجن قد أنشئ، وأول رئيس للاتحاد كان معالي حمودة بن علي وزير الداخلية السابق ومستشار الشيخ زايد، وهو أول من دعاني إلى فرع اتحاد الإمارات لسباقات الهجن في أبو ظبي بالزعفرانة. لقد تأسست في العمل الإعلامي في جميع المجالات والنقل المباشر على الهواء، نقل مؤتمرات القمة، قراءة نشرات الأخبار، أنا تشرفت ولثلاث سنوات متعاقبة أن أكون المذيع الرئيسي في معرض الدفاع الدولي ‘إيديكس’ وفي الافتتاح، وأيضا في ميدان العروض البرية، وميدان الرماية الحية، تشرفت في مقابلات أصحاب السمو الشيوخ في دولة الإمارات، ومن الرؤساء العرب أتيحت لي مقابلة ملك البحرين، وبعض من ممثلي الرؤساء العرب’. ـ من هذه الخبرة الطويلة سؤالي ما هي أهم أدوات مؤهلات الإعلامي الناجح: الارتجال، الذاكرة ودقة المعلومة، كيف يلتقط المعلومة، الثقة بالنفس، أهم الأدوات التي تميز الإعلامي الناجح عن غيره؟* ‘الإعلامي حتى يتميز يجب أن يتمتع بثقافة شاملة، ومفهوم الثقافة يجب عليك أن تعرفي كل شيء من كل شيء، طبعا مواكبتك للأحداث، يمكن أن أقول هناك إعلامي متخصص في مجال ما وإعلامي متخصص في أكثر من مجال، الإعلامي المتخصص في مجال معين، مثلاً كان قارئ نشرات إخبارية أو مقدم نشرات سياسية، فهذا يكون دائما يتابع الأحداث السياسية، يتابع التغيرات التي تحصل في العالم، يتابع التنبؤات بالنزاعات التي يمكن أن تحصل، يجب أن يستشرف ويستقرئ الأحداث حتى قبل أن تقع من خلال التحليل مثلاً كما يحصل الآن في بلدان عربية كثيرة. التوقعات الآن، في جميع الأمور وتأثيراتها على الدول المحيطة مثل دول الخليج، وكيف ستكون علاقة إيران بمجلس التعاون الخليجي، عدا أحداث سوريا، وأيضا علاقة سوريا بتركيا ودول الجوار، مع مجلس التعاون الخليجي. التنبؤات ومواكبة السياسية التي تؤثر في ارتفاع العملات والذهب وأسعار البترول، هي للسياسة حتى لو عزيناها للأحداث، لكن جميع ما يجري من أحداث هو بالحقيقة سياسي ومنبعه اقتصادي. الآن إذا كانت الدول لا تختلف في المذاهب ولا في الأديان، ولكن عندما يتخذ الدين كتيار سياسي هنا تكمن المشكلة. الإعلامي يجب أن يكون ملما وعلى تواصل واطلاع ليفهم الأحداث التي تجري من حوله، طبعا أنا بالنسبة لي الإعلامي يجب أن يحترم المادة التي يقدمها أو يقرأها ويعدها، وأن لا يستهين بالمشاهد مهما كان حجمه، والإعلامي الناجح هو الذي يقول أنا ما زلت أتعلم’. ـ مع هذه المواكبة الطويلة للإعلام من مصر التي أعطت دروسا للجميع، وتجربتك في تلفزيون أبو ظبي والآن في قناة ‘الواحة’، وهي خاصة، كيف ترى هذه التجارب ما بين قبل الثورات العربية، وما بعدها ومواكبتها للأحداث مع أنها كثيرة؟* ‘مواكبات القنوات الفضائية أعتقد أنها تغطي ما يحدث، وهي أيضا تكتفي بما تستطيع الحصول عليه، ولكن إذا تحدثنا عن قنوات معينة أصبحت هي تشكل مركز نفوذ ومركز قوة، بحيث أنها تستطيع أن تلعب دروا رئيسيا في القرار، طبعا أنا أعني مثل قناة الجزيرة، تستطيع إذا سلطت الأنظار على أحداث معينة تستطيع أن تجعل من هذه الأحداث ترفعها إلى درجة كارثة، ودرجة حرب، ويمكن أن تجعلها حدثا عارضا، لكن القنوات المحلية والحكومية فهي تكتفي ببث ما يصل إليها. وأيضا لا زالت سياسات الدول تلعب دورا كبيرا في العالم العربي وهذا شيء متعارف عليه، كما أن الإعلام في العالم العربي يحمل أكثر من بعد، هناك أبعاد سياسية واجتماعية، ثقافية، وفكرية. ومن تأسيس القنوات والوسائل الإعلامية، نجد أنه فقط تغير الطرح في الإعلام العربي، أصبح أكثر انفتاحا، تذكرين عندما بدأت الجزيرة البث كان الجميع مستغربا كيف أنها تجرؤ على طرح القضايا ودعم وفتح ملفات، وبرامج حوارية مثل الاتجاه المعاكس، وأن يكون لها نفوذ على غرار البي بي سي، أصبحت تشكل نقلة وعلى مفارقة في الإعلام العربي. هذه النقلة جرت معها كثيرا من وسائل الإعلام الأخرى بأن تكون أكثر انفتاحا، أكثر شفافية، في طرح بعض الأمور وبالشأن الداخلي لكل دولة، أصبح الآن الطرح يختلف، أصبحت هناك مناداة أكثر لحياة برلمانية أوسع وأشمل، للديمقراطية وحرية الإنسان، يمكن أن نقول إن الإعلام العربي يمثل انتقالا بسيطا، طبعا لا يعني أنه فقط سياسة هناك إعلام للفنون والأدب والمجتمع، لكن أنا أتكلم عن تطورات الأحداث اليومية والسياسية، أصبحت هناك جرأة، زادت جرأة الإعلام العربي في الطرح، وطبعا تبقى النكهة التي توجه أي وسيلة إعلامية وهي معروفة، وإن كان فيها انفتاح، إنما هناك خطوط يتم توجيه القناة عليها حتى لا تخرج. أحيانا الإعلام يكون مع أي جهة كانت، ثم في مرات أخرى يكون ضد، إذا هو يتراوح ما بين مع وضد’. ـ الإعلام الحديث مثل الفيسبوك والشاهد عيان ليس فقط إعلام مؤسسات بل هو إعلام شخصي وباستطاعة أي واحد أن يرسل الخبر؟.* ‘الإعلام الجاد استفاد من هذه الوسائل، والإعلام بشكل عام أصبح يطور نفسه، التطور يعني توجها جديدا، أحيانا حسب سياسة هذه الوسيلة الإعلامية سواء كانت صحيفة أو تلفزيون أو إذاعة هو حسب توجه كل مؤسسة إعلامية وما تؤمن به وحسب كل وسيلة إعلامية وما يعطى لها من توجيه.