الاعلام العربي: عقد من الانفراج النسبي
الفاتح كاملالاعلام العربي: عقد من الانفراج النسبيمظاهرة بلا أسلحة بلا حجارة حتي. مظاهرة محض سلمية، مسالمة تماماً ولا يوجد فيها حتي ظل ارهابي مزعوم. مظاهرة نسائية، مجرد نسائية بحتة، انطلقت من أجل فك حصار عن زوج أو ابن أو أب قامت باحتجازهم قوة غاشمة بمسجد صغير ببيت حانون، تقابل بكل هذا الحجم من العنف المُنظم، كل هذا الكم من الرصاص، جرحي وقتلي بين النساء العزل الا من صوت جهوري ارتفع في وجه الظلمة. في نفس هذا اليوم تقتل طفلة فلسطينية بأربعة أشهر فقط من العمر وبطلقة في الرأس، هل شاهدتم منظرها الذي يفتت الأكباد بأي من الفضائيات العربية العديدة والتي تنتشر بسماواتنا هذه الأيام؟بعد أيام من كل ذلك تفضح قنوات فضائية عربية بلا حصر حقيقة ما جري ببيت حانون من مجزرة راح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ تحت قصف اسرائيلي متعمد. وبعد كل ذلك يساهم هذا الاعلام الرفيع ليس في كليته بالطبع، في تعرية الأمريكي وهو يرفع يده بالفيتو لادانة مثل هكذا مجزرة. وبعد ذلك يتحدثون عن حقوق الانسان والدفاع عنها. يا عالم كفاية نفاق. كفاية بقي…فكما يشهد العالم تحولات هامة في مجال السياسة الدولية هذه الأيام. فانه أيضاً وبنفس القدر يعايش تحولات في المشهد الاعلامي، عربياً علي الأقل. فالحقيقة التي يجب أن تقال علانية وبالفم المليان ان الاعلام العربي أصبح له الدور الأبرز في فضح مجازر تمت بأرضه (الفلوجة وقانا وقانا 2) ومؤخراً مجزرة بيت حانون والذي راح ضحيتها عدد من الأطفال الأبرياء كما سبق والعالم كله يتفرج بلا حول ولا قوة ، وبصمت مريع أمام مشهد وجب ارتفاع الصوت ازاءه. لولا كسر حاجز الصمت هذا ومن بعض هذه القنوات العربية والتي نحتفل هذه الأيام بمرور عشر سنوات علي قيام أحدها بأضعف الايمان.فالأول مرة في التاريخ المعاصر نشهد اعلاماً كان يتردد في الأروقة الأمريكية، بأنه اعلام منغلق، والاعلام العربي الرسمي أعني، يصير في فترة الحروب والمجازر هذه أكثر انفتاحاً من أي اعلام أمريكي وبشهادة أكثر من مراقب، مع الوضع في الاعتبار أن الولايات المتحدة تدعي بأنها مهد الاعلام الحر ذو المصداقية والشفافية. هذا الاعلام الذي تحول بقدرة قادر الي اعلام شبه حكومي بعد أحداث سبتمبر، متعرضاً لأنواع شتي من الرقابة الذاتية والحكومية علي حد سواء. مما أفقده كثيراً من مصداقية افترضها الجميع فيه، واتت حرب العراق وتزيد من حالة البلبلة والتشكك حول هذه المصداقية، مما حدا بالمشاهد العربي الذي أولع بهذا الاعلام أثناء حرب الخليج الثانية، أن يدير وجهه تجاه قـــــنواته العربية والتي أضحت في نظر الكثيرين أكثر مصداقية من أي قناة أمريكية. وحسب قراءة أولية كان لقناة الجزيرة القطرية القدح المُعلي في أن تكون هذه الوجهة. فلأول مرة يستوعب المشاهد العربي قنوات اخبارية محضة ـ الجزيرة، العربية، الاخبارية والقناة الأكثر حداثة الحوار ـ تقوم علي نقل الخبر وصورته وتحليله والتعليق عليه بلا مسلسلات أو غناء أو تعليك كلام والسلام وهو أمر مله المشاهد العربي منذ سنوات طويلة خلت، وتبينت ملامحه حينما ولي وجهه تجاه قنوات أجنبية تحترم عقله وان كانت لا تحترم وجدانه وخصوصياته، وفوق كل ذلك لا يشاطرها رأيها حول كثير من الأحداث التي تجري بمنطقته والتي يتم في كل الأحوال تناولها من وجهة نظر واحدة يغلب عليها الأيديولوجي والانتهازي والمصلحي الضيق في أوقات كثيرة.السؤال الذي يثور هنا وبشدة، متي نحلم بفضائية اخبارية محضة؟ سودانية الملامح والسمات وذات مهنية وقبل ذلك صدقية عالية. خصوصاً أن السودان المحاصر الآن وعلي عدد كبير من الجبهات سياسياً واقتصادياً واعلامياً وان لم تكن بالصورة التي عليها منذ سنوات خلت، هو الأكثر احتياجاً في وقتنا الحاضر لقناة اخبارية تخدم قضاياه وتعرض وجهة نظره في الأمور التي تمس مصالحه المباشرة وغيرها وتوضح حقيقة توجهاته ومساراته لكل العالم وفي محيطه الاقليمي علي وجه الخصوص، اذا وضعنا في اعتبارنا أنه الأكثر تأهيلاً من ناحية كوادره الاعلامية والتي تخدم في أكثر من مكان ببعض القنوات الخارجية المتطورة. وفي يقيني أن السودان وما يمثله من ثقل بشري وحضاري ان صدقت النوايا والعزم والارادة لعرض كل وجهات النظر دون أحادية النظرة، مؤهل لكي يكون مركز جذب واشعاع اعلامي لكامل القارة الأفريقية، جنوب الصحراء علي الأقل. فما أحوجنا في السودان بهذه المرحلة الدقيقة التي بها نمُر، لرفع الشعار الذي رفعته قناة الجزيرة منذ سنوات (الرأي والرأي الآخر) وهو الشيء الذي عرف به السودان المتسامح عبر القرون. وحتي قيام تلك الفضائية الاخبارية السودانية التي نحلم، نعود للقنوات العربية الاخبارية وما شكلته من فتوحات جديدة وهي قابلة للتطور فجر كل يوم وبحق وما فتحته من فضاءات في مجال حرية الاعلام العربي المنشود، كانت تستلزم وقفة قبل هذا. ولكن مع تطورات الأحداث الأخيرة في العراق وأحداثها المتلاحقة التي حبست مشاهدين كثر أمام شاشات هذه القنوات وحرب لبنان وما حشدته من صور مؤلمة وحجم دمار غير مسبوق ومستجدات الانتخابات الأمريكية والضربة القاضية التي تعرض لها الحزب الجمهوري، نتيجة لتعرية سياساته الحمقاء بالصوت والصورة هذه المرة. والمزيد من الحقائق حول الوضع الذي كان ممكنا أن يسوق له كل العالم وبالتبعية شعبه نتيجة صلفه وتمسكه بتفرده بخصوص هذه الحرب ونتائجها التي تم لي عنق الحقيقة فيها وأكــثر من مرة، هذه التعرية التي كان للاعلام العربي دور كبير في ابرازها لمشاهديه بل العالم أجمع، يجد المرء نفسه ملزماً برصد هذه التحولات والانجازات. ويمكن للمتابع في الفترة الأخيرة أن يلحظ:أن هناك تحولاً جوهرياً في احتكار الاعلام الغربي/الأمريكي للخبر. حيث يمكن القول وبثقة تزداد عقب كل يوم، أن بعض القنوات العربية الفاعلة استطاعت كسر هذا الاحتكار، وأصبحت تتقدم بخطي ثابتة في مجال صناعة الخبر والسبق اليه. ومن ثم تتناقل الفضائيات الغربية /الأمريكية الأخبار عنها، مع الوضع في الاعتبار أن هذه القنوات العربية حديثة النشأة نسبياً مقارنة بتلك الفضائيات.أخبار المقاومة العراقية وأخبار تنظيم القاعدة محتكرة للاعلام العربي تقريباً ولقناة الجزيرة، شبه تحديداً. والاعلام الغربي اضطر مؤخراً بعد سنوات من الاحتكارية المطلقة، أن يجلس منتظراً ما ينقل عن قناة الجزيرة وبعض القنوات الأخري وفي مرات كثيرة ناقلاً عنها.و اذا كان من مهمة الاعلامي النفاذ لحقيقة الخبر، فاننا نشهد في هذه الفترة وبحق نهاية احتكار اعلامي غربي / أمريكي آخر وهو احتكار صياغة الخبر، فأخيراً استطاعت بعض قنواتنا الفضائية التحرر من سطوة المُصطلح الأمريكي، حيث كانت قنواتنا تنقل عن الوكالات الأمريكية وبالمسطرة حتي المصطلحات المستخدمة لديهم. لكننا في هذه الحروب الأخيرة استعملنا وبثقة كلمات مثل غزو وصفاً للمحتلين الجدد وجهاد وصفاً للمقاومة المشروعة في أكثر من مكان بمنطقتنا العربية والاسلامية وهي كلمات كانت من المحرمات حتي وقت قريب وهو في كل الأحوال يمثل خطوة أولية مهمة، مهما كانت بساطتها للنفاذ لحقيقة توصيف الحالة الراهنة عربياً علي الأقل. كما شهدت الفترة الأخيرة أيضاً نهاية الاحتكار الغربي / الأمريكي للصورة، الذائقة البصرية للمشاهد العربي قد تغيرت يا سادة الاعلام الغربي. حيث كان العالم كله وبما فيه العالم العربي يعتمد كلياً علي وكالات الأخبار والفضائيات الغربية /الأمريكية في الحصول علي الصورة. وقد ساهم مراسلو القنوات الفضائية العربية في كسر هذا الاحتكار عبر اغراق العالم بكمية من الصور ومن منظور عربي، هذه الصور التي بينت ما حاول الاعلام الأمريكي حجبه من حقائق حول بشاعة حربهم وجرائمهم التي ارتكبوها بحق المدنيين العزل وبصورة أجبرت الاعلام الأمريكي في نهاية المطاف علي بث هذه الصور ولو كان ذلك مخالفاً لتوجهاتهم أو توصيات حكومتهم التي تحاول التعتيم علي هذه الصور الحية التي تعري أفعالها القبيحة أمام الرأي العام العالمي.فصورة محمد الدرة ما كان لها أن تظهر بهذه الصورة المؤثرة لولا الاعلام العربي وتحرره الأخير، ومشاهد أخري كثيرة اختزنتها الذاكرة الجمعية العربية، بل الذاكرة البصرية للعالم أجمع، صور استشهاد الطفلة البريئة ايمان حجو، صور قصف مقر قناة الجزيرة بكابول ومن بعدها صور قصف قناتي الجزيرة وأبوظبي ببغداد. وقبل كل ذلك القصف المروع الذي تعرض له العراق ومؤخراً لبنان والمستمر علي كل بفلسطين.كما يلحظ بجانب تقديم صورة عالية الجودة تقنياً ومعبرة، زيادة الوعي لدي المحلل والمعلق العربي لهذه الصورة. وهو ما يعرف في الاعلام مصطلحياً بالكتابة للصورة. حيث أصبحت هذه القنوات تستعين بخبرات وكفاءات اعلامية مقدرة. وان لم يعف هذا بعض القنوات من الاستعانة ببعض المعلقين والمحلليين، غير المحايدين أو بعض ذوي الميول التي تغطي عن أعينهم الحقائق التي تجري في أرض الواقع وهي هفوات يمكن تجاوزها مستقبلاً.الملاحظة الأخيرة الجديرة بالاهتمام هي اغفال الاعلام العربي في فترات من انشغاله بالحرب الأمريكية المستمرة علي العراق ، لما يدور في أرض فلسطين من مجازر ما زالت مستمرة، الا لماماً. والعكس حدث في فترات لاحقة بخصوص العراق أو لبنان. حيث كان يجب علي هذه القنوات العمل علي محورين أو عدة محاور ان لزم الأمر، المحور العراقي والمحور الفلسطيني والمحور اللبناني أو ما يستجد من محاور بينهم يخبئها الغيب. حيث الهم واحد من الجانب العربي. والمخطط واحد وأهدافه واحدة من جانبه الامبريالي.كاتب من السودان2