الاعلام في العالم العربي وقدرته علي التواصل مع الآخر ـ غير العربي:

حجم الخط
0

اعلام عربي بوجه غربي وراءه مال البترودولار.. وجيش جرار من عرب الخدمة تكفل بتنفيذ الخطةنواجه حتمية تاريخية اسمها الغرب.. وتعدد غربي ينعكسان علي صورتنا التي توفق وتنتقي وتلفق

أحمد المديني يطرح* محورهذه الندوة منذ البداية في عنوانه الكبير ملفوظات مطبوعة بالتعميم والتجريد حدا معينا في آن، وليس ذلك معيبا فأي محور تغلب عليه عادة هاتان الصفتان، تسمحان، من باب المفارقة ببقائه منفتحا علي القراءة والمقاربة والتأويل. بيد أن محورنا هذا بالصياغة الموضوع بها، كأنه ينزع ليضعنا مباشرة في قلب اشكالية تساؤلاتها واوالياتها وقبل ذلك معاني أدواتها الاصطلاحية مضمرة، سنستحضرها نحن المتلقين والمتحاورين لدي العرض والتحليل والجدل، لنخلص مباشرة بعد الفهم الي، لا أقول الحكم، ولكن ضبط التصور الممكن، القابل لجعلنا نخرج اما بتقويمات، أو بما يسمح بفتح منفذ في الأفق المغلق. أولي خطوة ان نحن قبلنا بهذا الطرح في كليته أن نبدأ ببناء، قل اعادة بناء الموضوع بالملفوظات المعطاة منه سلفا، ما يستدعي منهجيا تفكيكه بغية الحصول في الأخير علي التركيب الممكن الذي يؤدي في نظرنا لتأهيل بنيتين: أولي نظرية أو السياق النظري للقضية باصطلاحيتها ومرجعياتها، والثانية عملية واقعية، بناء علي التفاعل الحي بين الأطراف. ولا شك أن أي موضوع يبني باللغة ـ أوَليستْ أداة التواصل الأولي ـ وعندما يصبح تيمة يتعين بالمصطلح. المصطلح في أبسط تعريف له كلمة جامعة تتأسس علي الفهم والتداول المشترك داخل حقل معين. هذا التعريف الذي يولد ضمن دائرة صغيرة ـ حلقة فكرية/ ايديولوجية، أو دائرة أكاديمية ـ في البداية ما يلبث أن يتوسع ويتمدد كلما أتيحت له المؤهلات الناجعة في مجاله، فمصطلح اعلام، مثلا، يحتاج سلفا وبداهة الي ما يعلم به، وثانيا الي متلق مدرب له، وثالثا، ربما الأهم، الي القدرة ـ وهي غيرالكفاءة المهنية ولا حتي الخلقية ـ التي تتوفر بمناخ حرية التعبير. وكذلك الشأن بالنسبة للتسميات الأخري التي يتكون منها الموضوع، رغم افتراض وجود اقتناعات متقاربة هي شرط اللقاء للافتراق المنتج للاشكاليات الخلاقة.

لنبدأ، اذن، بعزل كل مصطلح علي حدة قصد معرفة موقعه في بنية التفكيك التي نرغب في أن تقودنا الي بنية التركيب، وأول هذه: اعلام. تبدو أو ُتتخذ كلمة جامعة لكل وسائل وواجهات وحمولات نقل الخبر، والرأي الدائر في فلك الخبر، المتحرك بدوره في محيط أصبح فيه للاخبار وسياقاته موقع في المجتمع، وأضحي أداة من أدوات تدبير شؤونه وصنع الرأي العام فيه، بالتعبيرالجاري. واذا كانت الوسائل اياها بسيطة ومحدودة في الماضي، مختصرة في المقروء والسمعي البصري، فقد تجاوزتها حاضرا بكثير في ما نعرف عن التطور القياسي للتكنولوجيا الاعلامية، الشيء الذي يجعل الاسم في الحقيقة قاصرا عن شمول المجالات والاختصاصات التي ينصرف اليها عامل التطور، ويكاد ينحصر في واحد من مستوياته. وهو بلا شك بُعد جديد، ونسبي، رهنٌ بمستوي التطور في بلد معين، وبمدي الثقافة السائدة وبنياتها في علاقتها كما تكيفها بتأثيرالأدوات المستحدثة وما تخلقه من أنواع وأشكال التأثير في المجتمع، بتكويناته السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية عامة. هذا فضلا عما يحدث علي صعيد الأنْوية الفردية، كثيرا ما تُغفل ويُتجاهل دورها خارج، أو بمعزل عن المأسسة، والحال أن تكنولوجيا الاتصال أحدثت ثورة في هذا الصدد تفجر النسقي والمعهود. يلي هذه الملاحظة أن الاستعمال الذي يعطي لكلمة اعلام في العالم العربي قلّ أن يرتبط بوضع المؤسسة، وهذه ليست مجرد هيئة سياسية أو نقابية، أو أي فبركة تعاونية تصدرجزافا أو بصفاقة أي Feuille de chou حسب التعبيرالفرنسي المناسب؛ انه ينصرف الي جهات تطبع أوراقا، أو ترسل نقيقا، وتبث صورا مشتراة، تصب فيها أنهار من الثرثرة بلا حدود. نري أن استعمال المصطلح في هذا الباب مع الافتقارالي الوضع الضروري لوجوده، نعني الوضع كمقابل لـ Statut بالبنود القانونية والأنساق الثقافية المدينية المشترطة بها ـ والاعلام بالمناسبة ليس نتاج ثقافة أرياف ولا خطاب غوغاء، حتي لو بدلت جلدها صنيع الثعبان لترتدي مسوح السادة والرهبان ـ؛ انه استعمال اذ يشوه الدال يبتر المدلول، وبالتالي يدعو الي التشكيك في الاستخدام الاصطلاحي، وينسب الي أقصي حد توصيفات واستنتاجات، ان لم يخلّ بها كلية، تحفل بها دراسات وأطاريح، وتدرس، زعما، في معاهد متخصصة اسما، دعك من عشرات الندوات ومثلها الحلقات الدراسية، والحال أن هناك خللا أصليا، أساسا، علي مستوي العلاقة بين الدال والمدلول يستعصي بسببه حصول الدلالة.

ان استخدام المصطلح بذاته يستوعب مضمونه أو يسقط بدونه، فالاعلام مضمونٌ فضلا عن كونه شكلا وأسلوب تعبير، وبلغة الماركسيين فان العلاقة الجدلية بين العنصرين هي ما يصوغ حدّي القضية، لتوجد أو تنتفي، لتسكن أو يحدث الصراع (= الجدل) أولا يكون اعلام. والمضمون ليس هو ركام معلومات، تجميع أقوال وتفريخ تصريحات، اصدار بلاغات وكتلة مديح مرة وادانات أخري. لا ولا الشرح المذهبي للايديولوجيات، واطلاق نار الافتتاحيات حسب حرارة المناسبات، ومن قبيله ذرف الدموع علي الحقوق المنتهكة والبشرية، وطنية أو أجنبية تفترسها الآفات. ما هو كذلك اصطناع منابرالدفاع عن هذه الحقوق أو ببساطة لتزويرها، وهذا كله، ولا شك، يُستخدم فيه الاعلام، وعند الملتزمين الأورثودوكسيين لم يوجد الا لهذه الغاية، شأن الأدب، تماما، عند دعاة الواقعية الاشتراكية كاتبه/قائله صاحب رسالة، ومحموله الرسالة ولا شيء غيرها أو الي مزبلة التاريخ! لكنه لم ولا يصنع مضمونه اذا نحن لم نسوّغه للآني، لمفهوم البلاغ، وارتقينا به بعد انجازالمهمة الخبرية، جوهر الوظيفة الاعلامية، الي مستوي صياغة وخلق المعني، بانتاج المعني بأدوات المعطي وفوق تأثيراتها كيفما كانت. ان مصطلح اعلام، والحالة هذه، سيتخذ مضمونا ثقافيا، ايتيكيا، لا ايديولوجيا، دغمائيا ولا سوقيا، بطبيعة الحال، ولذا يستوجب تبلور مناخه الثقافي، مناخه الحضاري، وُعمُد وشروط التبلور الحقيقي، مع انتاج ما يشكل هويته، ويبرهن علي وجوده، بقوة وسلاسة معا. عالم عربينلتقي في محطة ثانية بتسمية عالم عربي تثير من الالتباس حاضرا أكثر مما أثارت من الوضوح المفترض أمس، ولا شك أن تدوينها علي الوجه الذي نري هو من باب العرف أو التسليم بواقع أكثر منه الاقتناع بهذا الواقع. أكبر دليل في هذا الصدد أن الجامعة العربية الآصرة الرسمية بين الدول المنضوية تحت لواء هذا العالم تخلت عن التسمية ـ المصطلح مستبدلة اياه بـ المجموعة العربية، وبصرف النظر عن الداعي لتحويرمماثل فان هناك سببا وجيها وراء صنعه لا مجال للافاضة فيه، لا بأس ان أشرنا الي أن جذره أبعد ما يكون عن التكيف مع عنصر الملاءمة في المنـــــتديات الدولــــية ومعها، ليصبح دليلا اضافيا عن انفصام عري هذا العالم. انه من الطريف حقا أن نجد أحزابا عُرفت في الماضي القريب باقتناعها القومي الي جانب نهجها الاشتراكي لا تجد غضاضة في تبني الصيغة المستجدة، وكأنها تخلع قميصا بقميص، لتتلاءم هي مع تأثيرات عرقية وسياسوية فشلت سابقا في تدبيرها، وتسعي حاليا بواسطة خلطة اعلامية تحديدا للاستفادة منها للاهداف والآجال العاجلة. هل نحتاج الي وصف التفكك، أم الغياب الجدي للهياكل الفعلية الفعالة لتشخيص كيان التسمية، أم ذرائع الخارج لهدم كل كيان؟ هل من الضروري سرد المعلوم في سيرة جيل جديد بيننا، يريد أن يخلع نفسه مما رسمه الأجداد حيث كان عالمنا موجودا ولو في وحدة صورية، هي المشروع المأمول دائما، عند الخائبين والمحبطين، مثلي ربما؟ جيل لثقافة اذ تزعم حق التعدد العرقي، والتأصيل الهوياتي، والتعبير الثقافي الحر، انما تنزع لاقامة عالم علي حطام آخر لم يتحقق يوما الا في صورة المشروع الحلم، وحلمها هي سُيمني بفشل مضاعف لأنه عديم التواصل مع مجاله الطبيعي، مع التاريخ، وأصبح جزءا من رؤية الآخر، واحدي الأدوات التي يستخدمها هذا الآخرالمزعوم في الكيفية التي ينبغي أن ترسم لعالمنا وشعوبه وسياسته، وطبعا لغته وثقافته. يبقي بعد هذا أن لا شيء يمنع، في نهاية المطاف، من استعمال اسم جاهز، مشبع بالمعني ومتخم بالاحالة، ذي عمق تراثي عابق بالتلادة والغني، كذا المحن والتجارب المريرة التي لا بد أن تمتحن فيها كل الأمم العريقة. لا بد أن نقول، بل ونتشبت أنه مبني علي تحصيل الحاصل، واذا كان خصوم هذا التحصيل داخل المجموعة وخارجها خاصة يتكالبون علي ضربها، متكاثفين متناوبين، فلمعرفتهم أن كيان أمة ليس هياكلها المادية وحدها، ولا مواثيقها دستورية وسياسية وقانونية وغيرها، بل والي جانبها وعضدها العقيدة المتأصلة والوجدان الجمعي والمخيال المشترك. نحن المغاربة، مثلا، نعلم حق العلم أنها العناصرالتي تلم شملنا، وتقيم حوارنا، وتشدنا بألف عروة الي حدود بعيدة عنا اسمها الجزيرة العربية، ولكن كل جسد فينا وحده حيّ يتجاوب فيه آذان مسجدها الحرام وهالة كعبتها. لا بأس، حتي ولو ظهرنا عند بعض نسوق اعتبارات ذات طبيعة عاطفية مصطبغة بحنينية قومية باتت ممجوجة حد الادانة. ليكن، فهذا بالتأكيد هو العالم العربي القائم فعلا، لا المراد تشكيله، ورسمه علي مقاس أكثرمن مشروع وخريطة، وخطط تدميرية وتوسعية بوسائل شتي. يقينا، أيضا، أنه العالم الذي نحتاج الي مزيد فهم له ـ علي الأقل لنعرف أكثركيفيات اشتغال اعلامه، وقدراته، في قلبها التواصل محوراشتغالنا ـ ومن ثم فالفائدة مزدوجة ومضمونة بالفهم، وفي الأخير سواء قبلنا التعامل مع التسمية في حمولتها الماضوية، وبمذاقها الوجداني، أو انسقنا مع دعاة تيارالعولمة والنهج المعولِم، وكل نزعة غيرهما ذات تصور مضاد لما سلف، فلنعلم أن لا مناص من تدقيق التسمية ـ المصطلح في كل مرة نضعه علي محك الجدل، وفي رهان التواصل، لأن هناك دائما هوية قائمة في الجهة الأخري التي نتقدم نحوها، وما نراها ستتواصل مع العدم، لا ولن تحفل بالتابع والصدي.

التواصلفان جئنا الي التواصل، فاننا واجدون أنفسنا في حاجة الي ترتيب الأولويات في مستويات اللغة والاصطلاح والغرض. وفي هذا التثليث يحضر تاريخ بأكمله، ذلك أن ثقافة التواصل، معه التسامح، لا ينسجم منطقها ان صادرت الوقائع وغيّبت الغيوم الملبدة، كناية خفيفة عن سجل الاستعباد والاستعمار والهيمنة، ضمن شريط حالك ما زالت حلقاته ومشاهده تتوالي، تعرضت فيه المدونات الثقافية الكبري لعنف شديد، أهم وأخطر مما يمكن أن يصيب اعلاما حاضرا هشا أساسا ويمكن أن تعصف به أي ريح. ان كلمة التواصل لغةً مشتقة من وصل، وصلت الشيء من باب وعد و (صلة) أيضا. ووصل اليه وصولا بلغ. والوصل ضد الهجران. وبينهما (وصلة) أي اتصال وذريعة. و (توصل) اليه تلطف في الوصول اليه. والتواصل ضد التصارم، الصحاح للرازي، مادة (وصل). بهذا المعني، اذن، جرت علي الألسنة في سياق الاتصال بين الأقوام والتعارف بينهم علي سبيل بناء المجتمع البشري وتوطيد عمرانه، كما دقق في ذلك ابن خلدون في مقدمته، بشرح رائد. فهمٌ نجده مضطردا عند جميع الأمم، وسعت اليه وبلورته بطرق وأدوات مختلفة معلومة، لا تحتاج الي تنويه. التواصل والاخرأما التواصل المعتمد في مجال الاعلام تحديدا، وفي الحياة المعاصرة مجسدة بهيئات عملها ومؤسساتها الباهرة ومتطلباتها المحفزة بتكنولوجيا الحداثة، فهو ما أنجبه الغرب أولا، أي الآخر ليصدره لاحقا الي مستعملين خارج حدوده. ولا يقتصر الأمر علي المظهر التقني الحداثي بل يتعداه في العمق الي جعل التواصل والحديث عنه تيمة مركزية في المؤسسة العصرية، وتحويلها الي أيقونة في السيمياء الجديدة لتدبير المقاولات وطرق التعرف عليها وكذا نجاحها. حتي اننا نستطيع أن نتحدث بلا حرج عن عبادة جديدة بهذا الاسم، يراد لها تعويض قنوات الربط والحوار القديمة، تلك التي كانت محصورة في أطر ثقافية كلاسيكية، والاعلام التقليدي أحد مظاهرها، ولتُتخذ وسيلة لتحقيق أكبر قدر من الربح والانتشار. ما يُفهم منه أنه تبدل في مقولة القيم ونسقها، تلك التي اعتمدت أساسا مبدأ الاقناع بهدف، أو مهمة أخلاقية أو ايديولوجية. علي كل، فان هنالك انسجاما بين ما مسّ الأدوات التواصلية وانضاف اليها وبين الوظيفة المسندة اليها، بما يعني تعالقا تاما بين الشكل والمضمون، يسنده انسجام شمولي مع المجتمع الذي يتحرك فيه نظام التواصل ويسري فيه خطابه. وهو ما يبدو معكوسا تماما في مجتمعات تكتفي بالاستقبال أو اعادة انتاج أحادية الجانب في النظام المعني، طالما أنها اما تعبئه بخطاب متنافر معه، أو تستنسخ بطرق نمطية ما يمكن أخذه من مصادره، والآخرون ليسوا في حاجة اليه اذ يردّ لهم صورتهم، ناقصة أو مشوهة في غالب الأحيان. التجاذب بين عالمينهذا ما يفضي بنا الي كلمة/ مصطلح الآخر، بيت القصيد في الموضوع الذي نحاول اعادة البناء. موضوع طرفاه أنا اعلام عربي، و آخر اعلام أو ثقافة أو سياسة أو جمهور غربي أو أجنبي غير عربي عموما، فيما قاعدته خطاب التواصل، ورهانه القدرة علي ذلك. ومن الواضح أن الطرف الثاني في هذه الصيغة كلها يعدّ وحده تيمة مستقلة تتقاطع فيها المعاني والدلالات، وتتضارب المفاهيم والتأويلات، متنازعة بين التاريخي الاستشراقي، والاستعماري الاستعلائي، يلتقيان في قطب المركزية الأوروبية؛ وبين التنويري التحديثي بمختلف وجوهه العقلانية والتمدينية والثورية. هي تيمة تمثل خلاصة تاريخ طويل وبالغ التعقيد من الصراع ما دام محورها هو التجاذب والتوتر المستمران بين عالمين ذوي تاريخين مختلفين وثقافتين ومنظومتي قيم، فيهما المشترك الانساني، ويفصلهما العدائي نتيجة المصالح ومطامح صناعة المستقبل علي مقاس الهيمنة في كل المستويات. قبل أن يصبح الآخر، لنقل نموذجه في تعددية مراياه العاكسة قضية الاعلام العربي، فلقد كان وما زال قضية بحث العرب منذ وعي النهضة الأولي في أواسط القرن التاسع عشر عن صورة التحديث والتقدم، تنقل الأمة َمن حال الانحطاط والتأخرالي مرتبة الرفعة والتمدن، التي من بين شروط بلوغها اكتساب المعارف الحديثة التي أهّلت الغرب وأمدّته بالتفوق حتي طرق باب المشرق والعرب جميعا بتحدي العلم وقوة المدافع. لقد كان الفكر المغربي سباقا الي حصر الموضوع، ومن ثم أشكََلتِه نظريا وتحليلا في البحث الرائد للأستاذ عبد الله العروي المعنون الايديولوجيا العربية المعاصرة في نهاية الستينات، وفتح الباب بعده لسلسلة دراسات وتأملات باحثي المشرق العربي حول تيمة الخلاف هذه، ظلت في الغالب حبيسة المقاربات التأريخية والوصفية، أو ذات المنحي التبشيري أو الايديولوجي وحيد البعد. فيما طمحت محاولة العروي الي أبعد من تشخيص لحظة الصدام وتداعياتها كتحصيل حاصل بيد المؤرخ، الي رسم مفاصلها الفكرية وضبط اولياتها، ومفهوم رؤاها، وأخيرا وليس آخرا نمذجة المضامين الثقافية للآخر بتعيينها، كما تبلورت عبر سيرورات تاريخية معينة. ويعلم قراء الايديولوجية النابهون، التي لم تفقد تحليلاتُها نضارتها حتي وهي لم تعد معاصرة، بأن مسار الثقافة العربية الحديثة، في مجمل تعبيراتها الابداعية واقتراحاتها النظرية، وما اختطته من اختيارات اما ايديولوجية بحت، أو سياسية حاكمة، أو مناهج تربوية ومستقبلية، قد نجمت عن اتباع النماذج تلك، سواء بالتقليد أو الاستيحاء، علي نحو صحيح وتجريبي مجازف في آن، وأن نجاحاتها واخفاقاتها مرتبطة بمقروئية النماذج المعطاة وبالمفاهيم المكتسبة عنها، جلها مؤولة علي منوال عرضي، ومبتور من جذره المعرفي، فضلا عن سياقاته الموضوعية. وبما أن موضوعنا ليس هو أطروحة العروي التاريخانية الشهيرة في العلاقة مع الغرب، نكتفي بالالماع الي أن الباحث المغربي لفت الأنظار مبكرا، وقبل أن تتلوث مسألة التواصل في مستنقع الاستعمارالجديد، ويتوسع مد ايديولوجية الاستقلالات الوطنية بكل مضامينها الوطنية والقومية والتحررية مطلقا، الي أننا ـ لنقل نحن العرب، ما دمنا بصدد اعلامهم ـ ازاء معضلتين يتحدد بهما وجودنا، وتتدخلان في صوغ هويتنا: الأولي، حتمية تاريخية اسمها الغرب، ومصطلحها هو الآخر يلاقينا حيثما نولّي وجوهنا. والثانية التعدد الذي يصدره الغرب عن نفسه، المرايا لا المرآة، العاكسة لصوره، لا صورته. جماع الحدين هو ما ينتج اشكالية الثقافة العربية (الايديولوجية العربية المعاصرة) المتبدي اما في حيرتها، أو انتقائيتها، أو نزعتها للتوفيق بين الصور المرسلة اليها، تصنع بها محتواها وشخصيتها في الزمن المعاصر.. وبها ستتواصل مع ذلك الآخر.

عقبات امام التواصلان ما يعنينا في هذه الخلفية، المختزلة جدا، هو التنبيه الي أن هنالك أكثر من عقبة تثوي وراء عملية أو منشد التواصل، وأن معني القدرة، ان نحن حصرناها في مادة الاعلام وميدانه وحدهما، تتهافت دونها المؤهلات المهنية والقدرات التقنية وكل نزعة ارادوية لترقي الي مرتبة التمثل الشمولي لمكونات وسياقات ورؤي العالم لهذا الآخر (الأجنبي) الحقيقي أو المفترض أو المزعوم. واذا كان مبحث العروي قد رسم، أو بالأحري استجمع ملامح التيمة وبؤرها المتعددة، ليختار منها بؤرة اعتناق عقلانية التنوير بمسارها المادي والحقوقي اللاحق أي التاريخانية، باختصار، هكذا جعل الغرب موضوعا أو نظر اليه علي أنه كذلك، بينما برزت/ تبرز حاليا عناصر تفكير وسلوك ومشاعر في المجتمعات المغاربية والافريقية، هذه تنزع الي تعريف الآخر، وهو بالنسبة الينا الآن جارنا الشمالي اسبانيا أو فرنسا الأوروبيتان بأن ُتنسب اليه وتلصق به جملة الصفات والخصائص والخلائق التي تميزه عن الأنا، وبطبيعة الحال فان تبدلات الأنا تُخضع الغيرية الأجنبية بدورها لمسلسل تبدل متداوم، فضلا عن كون الآخر لا يعود مستقرا قياسا بمخاطبه، المتواصل معه بشكل أو بآخر. وهذه النظرة تغفل عن هذا الفهم، وتسقط في مطب أنوية مركزية ضد تُبني بها صورة الأجنبي أو تتخذه ذريعة لاثنية أصولية، متناسية عمدا أن تاريخ الآخر و الأنا تجمعهما لحمة الصيرورة، من جهة، وأن هذا الآخر أضحي، ومنذ أمد، الا في عيون الغافلين، جزءا من أناي، من جهة ثانية، وهذا ما يزيد المهمة، كما نري، مشقة. لا غرو أن النزعة اياها تجعل التواصل متعذرا ان لم تقطع عليه الطريق، بزرع ألغام سوء الفهم والاسقاط فضلا عن النية المبيتة، لكنها، في نظرنا، تمثل رد فعل الثقافات القومية الجديدة، أو الطامحة الي كينونة مستقلة، علي سلوك غربي دام واتصل منذ المرحلة ما قبل الاستعمارية، ولما بعدها، امتدادا الي غطاء عولمة متحكمة يراد فرضها بنسيج واحد، وألوان آخرية محض. وعندنا عشرات التمثيلات في الثقافة الغربية تصب في هذا المجري، لرسامين، وروائيين، وكتاب رحلات، ووصّاف، وحكواتيين، دعك من المخبرين والجواسيس والمستطلعين في قوافل التجارة وارساليات الاستكشاف؛ هؤلاء جميعا، كل علي طرازه رسم الصورة المبتغاة لديه لـ مشرق هواه، أي كما تعيد انتاجها (بمصطلح سوسيولوجيا الأدب الماركسي) حوافز الثقافة الغازية، وتستعذبها الاستيهامات الذاتية الصرف، سواء جاءت مصداقا لجانب من الواقع أو لسان خيال مريض، نعلم أن هذا كله يدخل عند نقاد الأدب والفن في خانة الرؤية العجائبية. لا أحد في النهاية يستطيع أن يمنع المبدعين والرحالة والشعوب كلها من تشكيل ما تشاء عن شعوب أخري، لأن أهم ما في الانسانية غناها، وهو غني يسهم فيه تعدد وتنوع الأعراق والثقافات، وبكل تأكيد، أيضا، اختلاف المنظور في ما بين هذين القطبين المركزيين الي بعضهما البعض مما ينتج تنوعا اضافيا يغني البشرية جمعاء، من غير شك. علي أن لا يتم ذلك علي حساب تشويه تاريخ الشعوب والاستخفاف بأديانها وقيمها، ومن فوق هودج تعالي الأنوية الغربية، وبأدوات مغرضة لتسويغ الخطط الاستعمارية والهيمنية، وذاك بعض ما تمرغ فيه جزء من تاريخ الاستشراق، ويتمرغ فيه في زماننا المركب هذا، مفكرون ومحللون وبطانات مذهبية تسري أفكارها في المجال الغربي، هذا الآخر الذي يفترض أن نخاطبه دائما ونتواصل معه، سريان السموم، فتتهدم جسور الحوار القائمة، تحل محلها أجواء العداء والاستعداء، لا أظنني بحاجة للتمثيل عليها، تنفصم العري، اذن، وهي منفصمة حقا بشكل مرّوع، فتصوروا معي أي قدرة خارقة ينبغي أن يمتلكها الاعلام العربي ليفهم، أولا، وضعا علي هذه الدرجة من التركيب، ثم ليصوغ له المذهبية والأخلاقية اللازمتين ليحسن التواصل… مع من؟ مع الغرب! محاولة تركيب: تفكيك الرؤية الأحاديةلعل التركيب سيصبح الآن ميسورا، بعد التفكيك المقصود الذي قمنا به للمكونات التيمية للموضوع قيد الدرس، بغية توفير فهم مخصوص بها، ولنبرز، من وجهة نظرنا، عوائق والتباسات كثيرة تحف بمعاجلته. انه عندنا نوع من التركيب يتم بتطوير بحث الموضوع علي ضوء المعطيات السابقة، ولمحاولة حبك شبكة خيوطه مرة أخري علي ضوء الواقع والممكن للوصول ربما الي ابدالات تبدو مطلوبة في هذا الباب. أول خطوة في هذا الصدد تقضي بوصف هيكل الاعلام في العالم العربي بأنماطه التقليدية، صك مِلكية واشرافٍ ثلاثي التوزيع يملي في كل حالة شروطه ويُخضع لنواميسه:

اعلام الدولة؛ اعلام الأحزاب والمنظمات التمثيلية؛ اعلام الخواص، وهو أضعف حلقة في هذا التوزيع. لم يصبح للتعبيرالأول الوجود المميز والطاغي الا بعد فشل المشاريع السياسية الديموقراطية، وتغلب التيوقراطية والعسكرتارية علي أنظمة الحكم في العالم العربي. وهي اما كممت الأفواه، أو قننت حرية التعبير الي أقصي حد، ووجهتها علي الخصوص لصالحها. بموازاتها، وفي خطها، عملت الصحافة الحزبية، لا تملك الا الورق ما دامت الدولة المتسلطة تحتكر القطاع السمعي البصري، وهي تتبني، بدورها، منهجا أحاديا، ووظيفتها الأولي الترويج للمذهبية الحزبية ولأنشطته ورسم الهالة الكاريزمية لقادته. في المرتبة الأخيرة الاعلام الخاص، يحلو لمالكيه أن يسموه المستقل، قياسا بالنوعين السابقين، واستقلاليته في الواقع محدودة جدا، لارتهانه الي مصالح محددة، مالية وسياسية بالمساومة، ولكونه يقلص من درجتها عندما يتصدي لأحد الطرفين، لا بالنقد والاعتراض وهو طبيعي ومشروع، ولكن بطرح برمجة مغايرة تضعه في مرتبة الهيئة الحزبية، ولدينا منه في المغرب طرائف وغرائب. لا خلاف في أن اعلاما معطوبا كهذا من الصعب أن يكون مؤهلا للمطلب المنشود. لنواصل تعداد الأعطاب: يفتقرالدولتي، والحزبي، زيادة عما سلف، الي مقدرتين أساسيتين ليتأهل لأي تواصل، مع محيطه، أولا، وبعده خارجه. أولاهما، الكفاية المعرفية التي لا يماري أحد في أنها عُدّة الصحافي قطعا، وفي أيامنا هذه لم تعد مسحة ولا ميزة شخصية بل مؤسسية، بمعني أنها تتجاوز نطاق الثقافة الفردية، الضرورية بكل تأكيد، الي الوفرة المعلوماتية التوثيقية، متعددة الأبعاد والاختصاصات. وغياب هذه الوفرة، أو ضآلتها علي الأرجح، لهو أمر مشهود في اعلام العرب، ويحول حتما دون التعرف والتعارف، وربط الصلة، بفهم جيد للآخر تضيع معه في الآن فرصة أفضل لفهم الذات. ثانيهما: ضيق الأفق الذي يطبع عموما ذهنية القائمين علي هذا الهيكل الاعلامي، مسؤولين وصحافيين، اما مناضلين وحيدي القرن، أو مأجورين، مغلوبين علي أمرهم. ان من يزعم امتلاك الحقيقة مطلقا، أو يضع نفسه في مقام المهدي المنتظر لا يمكن اتخاذه جسرا ولا سفيرا نحو الأجنبي، بأي حال. ولا نظن الخاص أو المستقل يشد عن القاعدة بحكم التربية المشتركة لأصحابه بما يجعلهم يصبون في قالب واحد. والحق أن فقر هذا الاعلام، بل ادقاعه الذي لا يضاهيه الا الفقر المهول للأغلبية الساحقة من ساكنة عالمه ليزيد من حصرالأفق وعمي النظر.

اننا، أو المحترفين المطلعين خاصة، نعلم أن الاعلام في الغرب، بأطرافه الأوروبية والأنجلوسكسونية، يعتمد، اضافة الي المصادر المعهودة في المهنة، علي مراكز الأبحاث، ومواقع القرار، والأجهزة الاستخباراتية الأولي في المعلومة، كما يعتمد شبكة مخبرين، ونافذين في جميع الجهات النافذة، لا يقتصر في علاقته علي حزب أو تيار أو نصير واحد، وهذا طبعا دليل سعة أفق، وبرهان علي الفهم بأن قراءة الواقع علي كل الأصعدة، ومنه صناعة الرأي العام، والعبور الي مختلف المواقع في الداخل والخارج، رديفه سعة الاطلاع. بالمقابل، فان هذه الأطراف تستخدم المؤسسة الاعلامية بذكاء في مناوراتها، تعي أن لا شيء يوجد اليوم أو يأخذ قيمته بدون الاعلام، والمجتمع كله في الغرب يدور حول هذا القطب؛ لقد كنا نقول ونحن في بداية دراستنا في فرنسا بأن هنالك نوعين من الطقس في هذا البلد: الذي تعيش مباشرة في يومك، وطقس تتعرف عليه كل مساء مع النشرة الجوية للراحل ألان جيلو بتري في القناة الأولي، وهو الأوكد، كيفما كان الحال. أيّ تواصل يستطيعه اعلام الساسة والقادة و صناع القرار كما يقال، في بلاده اما يحتكرون الأخبار، أو يقطعون المعلومة من لحمهم، أو لا يملكون لا صلاحية ولا شجاعة التنفس بها، حيث الاعلام وظيفته الأولي تبجيلية دعائية. حيث الطرق المؤدية لمعرفة أي مصير يراد بالعباد والبلاد مفخخة بالألغاز، ودونها الأشباح والأصفاد، أحيانا. حيث المتحكمون فيه ومالكوه لا يقيمون لهيئة هذه المؤسسة حسابا يُذكر، اللهم حين تنتقص من مهابتهم، أو تتحرش. كيف وهم لا يقيمون أساسا اعتبارا للثقافة، للبحث العلمي، للمفكرين، للمبدعين، وان فعلوا جاء تعاملهم معهم كألهيات ظرفية وأدوات تأثيث لمشهد مصطنع. هل بامكاننا أن نأمل أن يقوم الاعلام في العالم العربي بأي نوع من التواصل الجدي، المنتج، وهو ينمو ويتململ في مناخ سياسي واجتماعي يسوده فقدان الثقة، وتتحكم فيه الأداة العسفية تتنزل قرارا ورأيا لا راد لقضائه، لا يكون بوسعها نشر الخبر ان طالته، والحقيقة ان أدركتها، ولا تكوين صورة موضوعية تنقلها في مدار التبادل مع المحيط الدولي مقابل ما ترغب في أن تتلقاه. هل ثمة شيء يخفف من سواد هذه اللوحة، أو قادر علي تقديم نقيض لها، بما يجعل فكرة التوصل المنشود ممكنة وفاعلة؟ للحصول علي بعض الجواب لا بد من فرز طريقتين في التواصل مع الآخر: واحدة، مناطها الصورة التي نقدمها عن أنفسنا له، في جميع مرافق حياتنا، وأبعاد تاريخنا ووجودنا، مكتوبة أو مسموعة، واليوم مرئية بكثافة. ان الاعلام أداة ووسيط ومرآة. هذا المصدر وحده كاف لربط الصلة أو قطعها سلفا، دعونا نسميه التواصل العمودي بما أنه يدور في محورنا الخاص، ونحن من يتحكم بالدرجة الأولي في صنع مسلسله وتوضيب حلقاته علي هذا النحو أو ذاك، اما نبيع صورتنا بشكل جيد أو نتلفها. وثانية تتعلق بلغة/ لغات التوصيل، وعندئذ فان المقصود تحديدا هو الاعلام المسوّق في العالم العربي بلغة/ لغات أجنبية، عندنا في المغرب، في المغرب العربي كله، منه ومعه تجربة تراكم طويلة، أظن أنه يحتاج الي حلقة خاصة لتفي ببحثه. لكن، وعلي سبيل الاشارة العابرة نسجل أن ما يتميز به عن العربي هو اللغة أكثر من أي فتوحات أخري يمكن أن يجترحها في غفلة من الزمن الحاكم والذوق العام، ان شئنا. انه كان ويبقي خاضعا للبنية الوطنية ذاتها؛ أوليس قسمٌ من وطنيينا الكبار مزدوجو اللغة، أحيانا فرانكوفونيون؟! وبالتالي تتساكن فيه عناصر هذه البنية، تعجز لغة الأجنبي عن تكسيرها. واذا ما انصرف الظن للوهلة الأولي بأن اعتناق منابر اعلامية للغة أجنبية ربما عُدّ الوسيط الفعال لتواصل أمثل مع الخارج، فاننا نقول في الحال بأنه وهمٌ مزدوج، فاعلامنا الفرنسي/المفرنس انما يتواصل مع شريحة المتلقين المترعرعين في أحضان هذه اللغة، بينهم من يدين لها بكثير ثقافة وسياسة ومنفعة، باختصارهي بوصلته للعالم. انه، اذن، لا يتواصل الا مع ذاته، قل مع آخر بات يسكننا أو جزء من تركيبنا اللغوي والثقافي، وحتي كشريك مؤثر في سياستنا الكبري. أي تواصل، والحالة هذه، سيقيمه الآخر الأجنبي في الضفة الأخري، مع من يسكن ضفة أبي رقراق وحلمه أنه يسبح في مياه تلك ليل نهار؛ لا، التواصل يتطلب الزواج شرطا، وبين طرفين متمايزين لغة وثقافة ومخيالا، أما اذا حدث التماهي، ومنه التبعية وفقدان حرية القرار وصنع المصير وانتفاء الندية، عندئذ يسقط الموضوع جزءا وكلاًّ. وقتئذ، ينكفئ ما نبغيه تواصلا أفقيا علي محور عمودي أعوج. اعلام الدول النفطية والبترودولاروالآن، ان عدنا الي العربي الخالص لنتقصي اضافات دالة تخرج عن المألوف، عن انتاج وممارسة المؤسسة الرسمية، والهيئة الحزبية، فلن نجني غلّة أكثر، والسبب أن الفرع يتبع الأصل، لم يعرف ولا استطاع احداث القطيعة، التي لا مناص لها من تغيير البنية جذريا، وهذه ستسمي ثورة، وعليه لا بد من تغيير موضوع البحث ومصطلحاته ومنهجيته، رأسا علي عقب. بعيدا عن كل ثورة وهرج ومرج، لنلتحق بما صار يسمي اعلاما عربيا جديدا، يريد مسايرة ركب التطور في الاعلام الأجنبي، واستخدام أدواته ومؤهلاته كافة، علي رأسها المتحقق في تكنولوجيا الميديا. انه اعلام الدول النفطية أو البترو دولار، انطلق، في بداياته، من عواصم أجنبية، بدعوي العمل في مناخ الحرية، بمعني هربه من عواصم لا تنعم بالحرية، فأصدر اليوميات والأسبوعيات والطبعات الدولية، وأحدث ثورة في الشكل الصحافي، وتنويعا في المادة والعرض، وأظهر انفتاحا محسوبا علي قضايا العالم الخارجي ومفاهيمه وسياسته وتقليعاته ليكون عربون انفتاح أشمل لجهات تمويله، شاغلها تقديم صورة منقحة عن أنظمة وحكام، ووضع نظارات ملونة علي عيون العرب والغرب معا. اعلام لم يعدم جيشا جرارا من عرب الخدمة (بالتعبير الفرنسي) تكفل بتنفيذ الخطة، وتنظيم طقوس المزاد اما بين الأنظمة نفسها، أو هي تتصور أنها تتعاطي مع الأجنبي بالوصال تارة، والنزال، تارة أخري. هذا الجيش الذي لم يرصّ صفوفه ليدافع عن قضية وطنية أو قومية ـ انسانية، ولمّ كل شريد وطريد، يحتاج حقا الي وقفة لا تتهيأ لنا في هذا المقام، لندرك مقدار الوهم الذي نعلقه علي طموح هارب، وأي خسارة نراكم في هذا السبيل. ولكم هو محزن وباعث علي الغيض في آن اضطرارنا الي القول ان أيّ رسالة، أي خطاب سيفضي الي علاقات حوار وتبادل تشاركية وتفيد في التعارف والتعامل والتعاون الخلاق بين الشعوب علي المستويات كافة يمكن أن يتم علي يد اعلام واعلاميي السخرة، وداخل مؤسسات نجحت في تحويل الباحثين والمفكرين الي مجرد معلقين وحاشية في المتن الرئيسي الذي يعود اليها شأن كتابته ومهره بتوقيعها. علي الرغم من صعوبة الحديث عن اعلام عربي باطلاق، أي كأنه كتلة متجانسة تذوّب الاختلافات القطرية، قابلة للاحتكام الي مواصفات ومقاييس مشتركة، الا أن هذا الضرب من الاعلام، الموصوف بالجدة، يكاد يستنسخ بعضه ليقدم نموذج سطوة سياسية ومالية وثقافية، عبر واجهة اعلامية سوف تعرف تدريجيا تنميطا علي المستويات كلها، تصنع بواسطته حاجات قراءة ومشاهدة، وألوان ذوق وتفكير وتكييف للرأي وتوجيه يمس الأوتار الحساسة لدي المتلقين، مدربين أو مستهدفين. وليس لنا أن نحكم له أو عليه، فهو بمنطلقاته، وتناقضاته الداخلية، وتنافر منبته مع الخطابات المرسلة، والمنظومة الذهنية التي يتحرك داخلها وعنها يصدرـ خليط عقيدة وتراث وايديولوجيا ومصالح مالية ومساحيق حداثة وخبرة غربية، مأجورة وتحت الطلب ـ يتوخي خلق ورعاية ثقافة حكم وعيش ما بعد مرحلة الأصوليات السياسية وانهيار نماذجها المختلفة، وتسويق تركيبات لتراث متآكل، وحداثة علي مقاس، وواقع يُسربل في الشعارات المجوّفة. النتيجة هذا الاعلام، صورة الانسان/المواطن العربي الهجين، يتناوب علي فهمه وشرحه خطباء وخبراء مفوّهون ومنشطون محترفون للسراء والضراء، ويخول لمنابره كل الصلاحيات، بما فيها وضع الاستراتيجيات العسكرية والتنموية للقرون القادمة، ومن ثم، هل يستطيع أحد أن يجادل علي ضوء هذه القدرات الخرقاء في أن نعده جسرا متينا بيننا والغرب الذي يكتسحنا من كل النواحي، ومنذ أزيد من قرن وهو يتغلغل فينا، وهو بعد أن جعلناه قبلتنا غدا المتحكم الأول فينا، صانع سلمنا وحربنا، استبدادنا وعدلنا، حرماننا والرفاه المذهل لبعضنا؟! أو يعقل حقا التساؤل عن امكانات تواصل ما بين مالك قرار وفاقده، القوي والعاجز، حر وتابع، مالك ومستدين، طغيان واستسلام، ديموقراطية وتسلط، الي غيرها من المتنافرات، المتناقضات التي تحتاج الي خيال مريض للتقريب بينها؟! علي كل، وكيفما كانت طبيعة الاعلام في العالم العربي، مكونات وهياكل ومنابر وأشكال تعبير، وأخذا بالاعتبار سواء للكفاءات والمفارقات والصعاب داخل خصوصية حقله، فانه يظل وجودا وخطابا وتأثيرا مرتبطا بمنظومة أشمل، وجزءا من البنية الثقافية المركّبة التي ينتسب اليها، والبحث الصميم يقتضي وضعها هي قيد الفحص والنقد والمساءلة، بدون ذلك سوف نستمر في تقديم العربة علي الحصان، نقلب الأدواركعميان وفينا مبصرون نظرهم بعيد وثاقب أشد من زرقاء اليمامة. ثم، ألا ينبغي التساؤل مرة أخري، برسم الختام، أي معني يعطيه الغرب للتواصل مع الأمم والثقافات الأخري، وهو الذي سقّف العالم بمفاهيم محكمة الاغلاق عن العولمة، وما زال في كل مناسبة يهز آذاننا بجبروته الاستعماري الامبراطوري القديم الحديث. ان هذه الورقة المقدمة اليوم في منتدي أصيلة تُكتب وطائرات وصواريخ الآخر (أمريكا في الواجهة والخلف واسرائيل التي نحبو علي ركبنا لنتصالح معها) تقتل وتدك العرب في لبنان، ولا نكاد نسمع للمثقفين الغربيين صوت احتجاج وادانة؛ أي غرب هذا؟ التنويري كما خرج من بنات أفكارالعروي، أم الذي يغلق الحدود، أم من يغتصب جنوده أبكار العرب علي ضفة دجلة، أم آخر بسعة حلمنا ومطامحنا لعالم العدالة والكرامة والسلام؟

ہ جزء من دراسة قدمت في أعمال جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، منتدي أصيلة، صيف 2006، المخصصة عن الاعلام العربي والآخر، وحضرها باحثون عرب وأجانب، الي جانب ممثلي منابر ومؤسسات اعلامية.

ہ كاتب واكاديمي مغربي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية