رغم سعادة الأشياء بوجودها في ذاتها، إلا أنها مع ذلك، تظل في حاجة ماسة إلى التفاعل مع أضدادها وأشباهها، سواء كانت بصيغتها المفردة، أو بصيغتها المتعددة والمتنوعة، حتى تتمكن من استكمال وجودها ومن مضاعفة مستويات انجلائها أمام قلق السؤال. وهو شرط انفلاتها من شرنقة الانسداد والاغتراب، في اتجاه مدارات منفتحة على تعالقاتها العامة والمشتركة، التي تتشكل بموجبها الأنساق المعتمدة مبدئيا في وضع أشياء العالم داخل سياقاتها الملائمة. وهنا تحديدا، تحضر سلطة اللغة التي يعود لها فضل نسج شبكة هذه التعالقات، هي الإطار الفعلي لتبلور ماهية الكائن. ذلك أن الوجود الحريص على تأكيد تجلياته ونفي اغتراباته، سيحتاج باستمرار إلى السند اللغوي، بما هو بدء ومنتهى، به تتحقق مستويات الحضور أو الغياب، التي يتخبط الكائن في براريها.
فاللغة، وانطلاقا من قدرتها على تكليم الذات لذاتها، ولمقابلها المجسد في الآخر، هي أصل طرح ومراكمة الإشكالات الوجودية، كما هي الأصل في إغراء الكائن كي يغامر بإلقاء مصائره داخل شباك هذه الإشكالات. وبالنظر للسلطة التي تضطلع بها اللغة في تحديد وتوجيه خصوصية المتلفظ بها، فإن الظن يكاد يجنح إلى اختزال هوية الكائن في مجموع ما يمتلكه من رصيد لغوي، ومن إلمام معرفي بآلياته التعبيرية والتأويلية. ولعل تفاوت نسبة ونوعية هذا الرصيد لدى الأفراد، كما لدى الجماعات /الشعوب، هو الذي يؤثر بشكل أو بآخر، في تحديد مؤهلات انفتاحها وتفاعلها، حتى ليصح القول بأن الإنسان كائن لغوي بامتياز. وهو بالمناسبة، قول لا علاقة له مطلقا بالتوصيف الشائع الذي يفيد أن الإنسان حيوان ناطق، باعتبار أن الإلحاح على الطبيعة الحيوانية يفضي إلى تفريغ «النطق» من هويته الإنسانية، وشحنه بحمولة مغرقة في النزوعات البهيمية.
فاللغة، وانطلاقا من قدرتها على تكليم الذات لذاتها، ولمقابلها المجسد في الآخر، هي أصل طرح ومراكمة الإشكالات الوجودية، كما هي الأصل في إغراء الكائن كي يغامر بإلقاء مصائره داخل شباك هذه الإشكالات.
وفي حالة تسليمنا بتطابق هذه الحمولة مع الطباع الأكثر انحطاطا، إلا أنها من حيث المبدأ، ستكون منقطعة الصلة بتسامي كينونة الكائن، التي احتارت في أمرها سماوات الفكر وأراضيه. وما دمنا بصدد رصد تلك العلاقة الشائكة والمعقدة القائمة بين الكائن واللغة، فلا مناص من تناول إشكالية محايثة لا تقل تعقيدا، ونعني بها تلك الفوارق الدلالية القائمة بين اللغات، في تعاملها النظري والفكري مع المفهوم الواحد، والتي من شأنها تعميق شقة الخلاف بين الخطابات، على قاعدة تباين واختلاف دلالات المفاهيم الناظمة لها. مع الإشارة إلى أن ظاهرة الاختلاف الدلالي – إن لم نقل الاغتراب الدلالي – لا تسفر عن وجهها في المرحلة الأولية من المقارنة المعجمية، والتي قد تكون مطبوعة بالتشابه والتجانس. غير أنها لا تلبث أن تعلن تدريجيا عن نفسها، بموازاة سعي الباحث إلى تقفي أثر المفهوم، للتعرف على منهجية تنامي وتشعب دلالاته، انسجاما مع تنامي وتشعب مستويات تفاعله داخل الأنساق الفكرية والتواصلية، التي لا يمكن أن «يكون» و»يوجد» إلا من خلال وجوده في مضايقها وأنحائها.
ومن المؤكد أن هذ الاختلاف، يتميز بإيجابياته كما بسلبياته، حيث يمكن القول إن كل مقاربة فلسفية جمالية للمفهوم نفسه، وضمن نسقها اللغوي، قابلة لمحو المعطيات، التي تخلص إليها مقاربات سابقة أو محايثة، مستقلة هي أيضا بمرجعيتها اللغوية الخاصة بها. وإذا ما كان ثمة من سلبيات تسجل في هذا الإطار، فهي الانعدام الملموس والبين لأي أمل في مد جسور التواصل والتفاهم بين الخطاب والخطاب، رغم تمحورهما معا حول الإشكاليات نفسها، نتيجة استقلالية كل نسق على حدة، بقوانينه اللغوية المختلفة جذريا عن غيره، سواء بالنسبة لإجراءات الفهم، التفسير، أو التأويل. ما يعني استحالة قيام أوراش فكرية وجمالية بين مرجعيات لغوية مختلفة، تضع نصب أعينها أفقا مشتركا لها، قوامه تدقيق البحث والسؤال في المفاهيم نفسها والقيم المعنية بالمقاربة توخيا للتخفيف من حدة اغتراباتها البينية. وهي وضعية من شأنها الإبقاء على الإشكاليات الفكرية في قلب ذلك الحيز الضبابي، الذي تتضاعف معه غلالة الغموض الآسر الممسك بتلابيب الكائن، أينما حل وارتحل.
غير أن قناعات أخرى، ومن منطلقات مغايرة، تطمئن لحدة هذه الاختلافات، ولتباعد مسافاتها التغريبية، بحجة أنها السبيل الأقوم لإضاءة المزيد من الدلالات المحتجبة، التي تتقاطر على المفهوم من كل حدب وصوب. وهي قناعة تصب في مجرى ذلك النهر الجامح والمنعتق من سلطة أي يقين متعال، يطمح إلى الفوز بأطاريح فكرية مطلقة ونهائية، تعفيه من التورط الدائم في دوامات التيه والاغتراب. ولنا أن نستحضر في هذا الإطار على سبيل المثال لا الحصر، بعض الوحدات المعجمية، التي دأبت على تأريق ذاكرتها اللغوية، كلما شرعت في تجاوز حدود وحدتها المعجمية، في اتجاه الانصهار في المسارات المعرفية، التي تتحول معها إلى مفاهيم إجرائية، وإلى منظومات نظرية محفوفة بتباشير الألفة.
فوحدات من قبيل العقل والوعي، والماهية والروح، والكائن والكينونة، والبقاء والعدم، والفراغ والامتلاء، والذات والموضوع والزمن، قد تكون قابلة لنسج شبكة متجانسة ومتآلفة من العلاقات، رغم انتمائها لمرجعيات لغوية متباينة، ما لم تتجاوز هذه العلاقات حدود التعريف المعجمي المبسط والمبتسر، بغية تقريب مسافات التفاهم الرمزي بين دوال اللغات.
ومن المؤكد أن هذ الاختلاف، يتميز بإيجابياته كما بسلبياته، حيث يمكن القول إن كل مقاربة فلسفية جمالية للمفهوم نفسه، وضمن نسقها اللغوي، قابلة لمحو المعطيات، التي تخلص إليها مقاربات سابقة أو محايثة، مستقلة هي أيضا بمرجعيتها اللغوية الخاصة بها.
غير أننا لن نلبث أن نصطدم بظاهرة «حوار الصم» الممهدة إلى شيوع حالة التغريب، حالما تشرع كل لغة من جهتها، في الدفع بوحداتها المعجمية، في اتجاه بنيات تحليلية وتأويلية أكثر عمقا وأكثر تعقيدا، خاصة إذا ما اقتضت ضرورة بناء الخطاب الواحد، ملحاحية الاشتغال بعدة مفاهيم، حيث تتشعب الدلالات وتتفرع تلقائيا، موجهة بالخصوصيات المتفردة والمغايرة التي تتميز بها كل لغة على حدة، لتأخذ منحى مفارقا مقارنة بغيرها. وهي وضعية سنكون إزاءها، بصدد الخوض في إشكالية على درجة كبيرة من الأهمية، ألا وهي إشكالية «خيمياء اللغة» التي تنصهر في لحمتها عدة مكونات، قوامها تداخل قوانين الهوية العرقية، بقوانين الجغرافيا، وقوانين الذاكرة الثقافية التي تستند إليها الشعوب في تكريس خصوصيتها/أصالتها. وبالتالي فإن مفهوم العقل في الإرث الطاوي والبوذي، سيكون منفصلا عن المفهوم ذاته في الفلسفة اليونانية القديمة. والشيء نفسه يصدق على حتمية الحضور المختلف والمتنوع للمفهوم في الديانات السماوية، كما في التراث الفلسفي العربي الإسلامي، أو الفارسي. وهي قناعة تجهز على أي منهجية تسعى إلى البرهنة على استمرارية دلالته في الفكر المعاصر، جرمانيا كان أو أنغلوسكسونيا، ما دام المفهوم يصبح عرضة لسلسلة متتالية من العمليات التحويلية الممارسة عليه من قبل عوامل الخيمياء، أي مجموع تلك المؤثرات الحاضرة في عمق اللاوعي التأويلي، بتراكماتها الفكرية والشعورية، على امتداد سنين طويلة من الألاعيب اللغوية المنفتحة على كل غريب، جديد وطارئ.
لكن مع ذلك، فإن هذا الشتات الكبير الذي يطيب للمفهوم أن يتغرب فيه، هو مصدر انبعاثاته المتوالية هنا وهناك، على طريقة طائر الفينيق. مع العلم أنه انبعاث قد يكون محفوفا بمخاطر مسوخه، كما قد يكون واعدا، بفيض عطاءاته ونعيم هباته، وطبعا انسجاما مع خصوصية الذاكرة التاريخية للغة، التي قد ينبعث منها الفينيق، مسخا كان أو وعدا.
شاعر وكاتب من المغرب