توفيق رباحي
كل انظمة الحكم العربية تعيش ازمات عميقة. هناك من يعيش ازمة حكم. وهناك من يعيش ازمة مجتمع. وهناك من يعيش ازمة اقتصادية. وهناك من يعيش كل هذه الازمات مجتمعة. هناك علي الاقل طريقتان تتعاطي بهما هذه الانظمة في ادارة ازماتها. الاولي هي الطريقة التي تتم في المكاتب والعمل اليومي، وتلك لا علم لاحد من عامة الشعب بها لان هذا الشعب، هنا او هناك، قاصر لا يستحق عناء ان يتعب حاكم في تبليغه او افهامه هاته او تلك. وهناك الطريقة الثانية، التي يجوز وصفها بالتهريجية، وهي تتم عن طريق التلفزيونات الحكومية والخاصة (لا فرق بين قناة حكومية او خاصة في دول مثل دولنا). وعملا بهذه الطريقة، وبحسب التلفزيون السوداني، النظام التعيس في الخرطوم، الذي لا يخرج من ازمة الا ليدخل اخري منذ صيف 1989، يخوض حربا باسم المسلمين الشرفاء ضد الصليبية العالمية التي تريد احتلال دارفور، مثلما خاضها في الجنوب ثم سلّمه لاعداء الامس.
وبحسب التلفزيون السعودي، المملكة هي دولة عمر بن الخطاب تُقطع فيها الرؤوس والايدي بالتساوي بين الفلبينيين والباكستانيين والافغان والهنود. وبحسب التلفزيون الجزائري، الجزائر وُلدت مع وصول بوتفليقة الي الحكم في 1999 وستموت بمغادرته المقعد الرئاسي (اذا غادره) في 2009. لهذا يخوض هذا التلفزيون حملة مفتوحة كي يستمر بوتفليقة في الحكم وينتج عن ذلك استمرار الجزائر في الوجود بعد 2009. وبحسب التلفزيون السوري، هناك مشكلة في لبنان، في العراق، في اسرائيل، في الهند، في السند، في امريكا، في كوريا الشمالية وفي كل سنتمتر مربع من الكرة الاراضية، الا.. سورية.
وبحسب التلفزيون الليبي، ليبيا تخوض معركة انقاذ نصف الكرة الارضية من الشرور والتخلف (قبل فترة كان الهدف انقاذها من امريكا والامبريالية). بينما الواجب الاكثر قدسية هو انقاذ ليبيا ـ اولاً ـ من عبث يستمر منذ اكثر من ثلاثة عقود.
وبحسب التلفزيون المصري، مصر لم تعد ام الدنيا، بل الدنيا ذاتها، والاخرون، بينهم الاستاذ عبد الباري عطوان، يتآمرون لانتزاع هذا التاج من علي رأسها.
وبحسب التلفزيون المغربي، امير المؤمنين وصل بالبلاد الي الكمال ولم يبق غير عودة الصحراء كي يقول لرعيته اتممت عليكم نعمتي، لكن الجزائر تعيق اتمام الرسالة.
وبحسب التلفزيون الاردني، عمان هي سُرّة العالم واياكم ان تتجرأوا علي التفكير بحل لاي معضلة في الدنيا بدون الرجوع الي سيدها في معبده. يمكنني ان اكمل القائمة، لكن المساحة تضطرني للتوقف هنا.
هذه التلفزيونات تدفعنا لأن نعيش مأساة كبري وانفصاما خطيرا. لأن من وجهة نظرها، هناك شعوب في تلك المنظقة تعيش في الجنة. كل شيء ما يرام، افضل من اكثر الدول تقدما واستقرارا. والملوك والامراء والرؤساء الانقلابيون ومغتصبو السلطة حققوا لهذه الشعوب (ولا زالوا يحققون) اكثر مما تستحق، لكن القنوات الجبّارة تتواضع وتقول انهم مساكين يعملون ويسعون.
قبل فترة قصيرة احيا الاردن مرور عام علي تفجيرات فنادق عمان. لا يمكنك الا ان تبكي ضحايا تلك المأساة التي ضربت ابرياء قادتهم الاقدار الي المكان الخطأ في التوقيت الخطأ. لكن التلفزيون الاردني، بعد برامج مملة عن مدي التحام الشعب الواحد بصاحب الجلالة، اخذها فرصة ليقول للعالم ان الشعب الاردني يعلن مبايعة ثانية لملكه وملكته. لو كان هذا الالتحام بمثل ما صوّرت البرامج، فلماذا النفخ باتجاه بيعة ثانية؟
في برنامج حواري تديره امرأة، جيء بوزيري اعلام وداخلية (اسوأ الوزارات) سابقين لنقاش سياسي بعنوان الاردن مستهدف امنيا واعلاميا بسبب دوره الريادي. مستهدف امنيا وفهمناها، وهو ليس وحده علي اي حال لان التلفزيون الاردني ذاته ـ وغيره ـ عندما يريد الترويج لاستقرار البلد وامنه يقول ان الارهاب ظاهرة عالمية ضربت كل الدول بما في ذلك امريكا وليس الاردن وحده. لكن اين هو الاستهداف الاعلامي. مَن ذا الذي سوّلت له نفسه التطاول علي سرّة العالم؟ واين هو هذا الدور الريادي؟ صحيح هناك دور، لكن ريادي او لا، هذا موضوع اخر يحتاج لنقاش.
في نفس الاسبوع بث التلفزيون المصري برنامجا عما اسمته صحافة مصر ثورة الجياع جنسيا بوسط البلد ايام عيد الفطر. التلفزيون المصري، ومهما كان رأي زميلي بهذه الزاوية سليم عزوز، فيه فهو ليس اسوأ الموجود (لو حدثت تلك الثورة بشوارع الجزائر العاصمة لقال التلفزيون ان ملائكة الرحمن نزلت، بأمر من صاحب الفخامة، توزع ورودا وحلوي علي الفتيات لكن الحاقدين الباحثين عن افساد سمعة البلاد والتشويش علي عمل فخامته، قالوا انهم اعتدوا عليهن)، التلفزيون المصري تجرأ وناقش الموضوع بحضور فتيات قلن انهن تعرضن لاعتداءات جنسية بالشارع تحت شمس النهار. في تلك الحلقة من القصة وما فيها لم يكن الحق علي التلفزيون الا من حيث ان المذيعة جاءت بمسؤول في وزارة الداخلية من فصيلة الناس الذين تقول لهم ثور، يقولون: احلبوه.
تأتي الفتاة فتسرد هكذا طرحوني ارضا، وهكذا مزقوا ثيابي، وهكذا لمسني احدهم الخ، فيرد المسؤول بصلافة: يا افندم، ده ما حصلش اغتصاب او اعتداء. يأتي صحافي فيقول انه حقق في الموضوع وجمع معلومات وشهادات عن ذلك اليوم الاسود، فيرد المسؤول بدون حياء: مش مزبوط يا افندم.. ده ما حصلش اعتداء مثلما هو منصوص عليه بالقانون. وعندما تحاول المذيعة مجادلته، يصر بس حضرتك الصحافي ما شافش الحادثة مستغفلا المشاهدين كأن حضرته شاف كل حاجة.
يا بنات مصر، المرة المقبلة عندما ينقض علي احداكن وحش كاسر لم يتغذ جنسيا في حياته وقد تجاوز الثلاثين، رجاء تطلب منه مهلة تسأل خلالها وزارة الداخلية هل ما سيفعل منصوص عليه في قانونها ام لا، او تسأله هل سيحترم تشريعات وزارة الداخلية وهو يهم بها. بل لدي اقتراح افضل وانجع: اطلبوا من وزارة الداخلية ان تمنحكن كتيب جيب يحمل قائمة الاغتصابات والاعتداءات والفرق بينها، والمسموح به وغير المسموح. وعند وقوع الواقعة، اخرجن الكتيب للمعتدي كي يطلع علي حقوقه وواجباته فلا يأخذ الا حقه.
غير بعيد ـ زمنيا ـ ناقش التلفزيون المصري مشكلة المعتمرين الذين علقوا في الاردن، ضمن برنامج البيت بيتك. مرة اخري لا يأتي هذا التلفزيون الا بفصيلة المسؤولين الذين تقول لهم ثور، يقولون: احلبوه. هنا ايضا حضر واتصل ضحايا العلَقان في الاردن واتصل ذووهم وشهود، غير ان ممثل الحكومة اصر علي ان ما يرد علي لسانهم ليس صحيحا، وفي احسن الاحوال ليس دقيقا.
علي كل حال، الذين علقوا بالاردن افضل حالا من الذين غرقت بهم عبّارة البحر الاحمر السلام 98 . فهم علقوا وعادوا بعد تصييفة بسيطة لا تساوي شيئا قياسا بضايا العبّارة وبحجم الكوارث التي ضربت (وستضرب) المصريين البسطاء في حياتهم وفلذات اكبادهم.
العبرة هنا ليست مناقشة برامج بعيدة او نساها المشاهد، لكن توضيح خيبة ذلك النوع من البرامج الذي يرمي الدفاع عما هو غير قابل للدفاع علي لسان مسؤولين يصرون علي ضرب الحيطان برؤوسهم. حجة اصحاب التلفزيون ان الامر يتطلب الاستماع الي الجهتين، خصوصا الجهة الحكومية او المسؤولة. لكن كثيرا ما ينتهي البرنامج لصالح الجهة الرسمية لسبب بسيط هو انها رسمية منزّهة وتتحدث عبر اداة رسمية واجبها الدفاع عنها، واسباب اخري تخص علاقة الجمهور بالتلفزيون، خصوصا عندما يتعلق الامر بحضور ومشاركة في موضوع ما. فالعلاقة الاولي، المشاهَدَة، سلمية ولا عواقب لها، اما النوع الثاني من العلاقة، الحضور والمناقشة، خصوصا والخصم هو الحكومة، فاقل ما يسببه لصاحبها هو الارتباك والخوف والتوتر. الرئيس المظفر! يجب ان ننحني جميعا اجلالا للتلفزيون الجزائري علي فوزه بجائزة السهرة العربية (لا تسألوني ما هذه الجائزة وما معني هذه التسمية، هكذا جاء في نشرته المباركة الخميس الماضي)، وان نرفع القبعة لمديره العام علي اعادة انتخابه رئيسا لاتحاد الاذاعات العربية التابع لجامعة الدول العربية. سبب رفع القبعة ان السيد حمراوي حبيب شوقي اُعيد انتخابه للمرة الثانية رئيسا للاتحاد وهذه سابقة في تاريخ هذه المؤسسة. مرة اخري، لا تسألوني عن التفاصيل، هكذا جاء في نفس النشرة المباركة. لكن بامكاني ان افيدكم بتذكيركم ان اعادة انتخاب شوقي سابقة لم تحدث منذ اعادة انتخاب فرانكلن روزفلت (1882 ـ 1945) رئيسا للولايات المتحدة (اربع مرات خلافا للفترتين المنصوص عليهما دستوريا) جزاء له علي جهوده العظيمة التي انتشلت البلاد من الازمة الاقتصادية الكبري سنة 1932. مبروك للرئيس المظفر. ننتظر الان ان نشاهد السهرة التي بفضلها نال تلفزيونه الجائزة الاولي.
ہ كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]