الاغتيالات السياسية ظاهرة تاريخية، يهدف مهندسوها إلى تحقيق نتائج محددة، من خلال إثارة صدامات دموية، على خلفيات عرقية أو دينية، فاغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو قاد إلى حرب عالمية، سقط ضحيتها الملايين، واغتيال المهاتما غاندي، أدّى إلى حرب أهلية، وشقّ الوطن الهندي إلى دولتين، وسقط الملايين ضحايا على هذا السبيل! وغالباً ما تكون قد ترسّبت عوامل اجتماعية وسياسية، يعيها جيّدا مهندسو هذه الاغتيالات، ويدفعونها نحو التأزيم، والحلول الدموية، قبل أن تتلمس طريقها نحو حل عقلاني، ينزع فتيل التفجير!على هذه الخلفية، ياتي اغتيال شكري بلعيد، زعيم اليسار التونسي المعارض، وهو أمر مخطط ومدبر، وما تبادل الاتهامات التي تمخضت وبسرعة عن حادثة الاغتيال، إلا القطْر الذي يسبق الغيث، أو الإحماء الذي يسبق الاشتباك، وسواء امتلكت الأطراف المعنية الحكمة الكافية، لتجنب النتائج الكارثية أم لم تمتلكها، فالغالب أنّ هذه الحادثة ستتكرر، لأن العقلية الإجرامية، لن تكتفي بمحاولة واحدة، فهذه العقلية غالبا ما تكرر محاولاتها، إذا لم يُحل بينها وبين ما تريد، بطرق ناجعة وفعّالة، لعلّ على رأسها فهم عوامل التأزيم المترسبة، والسعي إلى تفكيكها، ومقاطعتها في منتصف الطريق، قبل ان يدفع بها مهندسو الشر إلى الذروة، بالدم والاغتيال!من الحصافة أن نتذكر ما دمنا في السياق ذاته، أنّ تونس ليست الدولة العربية الإسلامية الوحيدة الخارجة من رحم ثورة، فليبيا في المرمى القريب، وقد بدأت سلسلة الإغتيالات فيها قبل نهاية الثورة أو قبيل انتهائها، ولا زالت عواقبها تتفاعل على الأرض الليبية!مصر تتفاعل فيها الأحداث بسيناريو موازٍ لما يجري في تونس! وتشكل جبهة معارضة تسرّعت في رفع شعارات الإسقاط ولم تتورع عن توظيف العنف، يشير إلى الحضور الظاهر الخفي، لمهندسي الشرور هؤلاء، فاجتماع السفيرة الأمريكية آن باتيرسون بسوابقها المعروفة بأعضاء هذه الجبهة، لا بل وطلبها الصريح منهم إثبات حجمهم على الأرض، إلا مؤشر صريح وخطير، في اتجاه افتعال التأزيم!الأهم من ذلك هو ما تلا من تعبيرها عن عدم الرضا عن الأداء أوحجم الحضور في الشارع! وهو استفزاز صريح يعمل على سيكولوجية تعويض النقص لدى الهدف من خلال إشعاره بالتقصير، وفي هذا الضوء يمكن فهم سياسة التصعيد العشوائي، الذي لجأت إليه الجبهة، وهي تكرر محاولاتها عبر جمعات متعاقبة، وأخيراً دعوتها إلى عصيان مدني، هو أكبر من حجمها الجماهيري بكثير!ما يمكن أن نتصوره بسهولة، أن سعادة السفيرة تدرك تماما مواضع القصور والضعف لدى المعارضة، ولكنها مع ذلك، تمكث غير بعيد، في مباركة صامتة لما تجترحه أيديهم، حتى وإن كان انقلابا على الديمقراطية المقدسة التي خاضت لأجلها أمريكا الحروب!لا شك أن لسعادة السفيرة هدف آخر، فمهندسو الفوضى الخلّاقة يعتقدون أنّ من لايصلح لاستخدامه كخباز، يمكن استخدامه كحطب!وانّه لا بد من دحرجة الحجارة في مجرى النهر، حتى ندوس عليها لنتمكن من العبور إلى ضفّته الأخرى! وفي ضوء هذا الفهم يمكن أن تكون رموز المعارضة المصرية، هي هدف الإغتيال التالي! فهل تعي جبهة الإنقاذ ذلك، أم أنها ستقذف الذبابة التي تقف على هامة الوطن بصخرة كبيرة، حتى تنقذه من أذى الذُباب؟!نزار حسين راشد[email protected]