الشعر وتحديات الموت والحياة غ1-2فسامي مهدي
أزمة الشعر إذا كان الشعر، في الماضي، قد نجح في التغلب علي تحدي الفلسفة، وعبر عوائق التحريم الديني، فإن مستقبله يبدو اليوم قاتماً، أو غامضاً في الأقل. ذلك أن عصر العلم والثقافة العلمية لم يبق له الكثير. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالشعر نفسه يواجه تحدياً ذاتياً، بل أزمة داخلية، أزمة في الشعر نفسه، بالرغم من أن العالم يعج بعشرات الألوف، وربما مئات الألوف، من الشعراء. وخير ما يعبر عن هذه الأزمة كثرة التساؤلات حول حاضر الشعر ومستقبله.
إن هذه الأزمة ليست اختراعاً نخترعه، أو اكتشافاً خاصاً نكتشفه، بل حقيقة واقعة يتحدث بها شعراء ونقاد غربيون، فيعدها بعضهم، خاصة الإنكليز منهم، حالة ركود، ويراها غيرهم، وخاصة الفرنسيون، أزمة ينبغي التغلب عليها، وقد نراها نحن هنا، في الوطن العربي، بصورة أخري. 1 وربما كانت لكتاب ألفين كيرنان موت الأدب ولكتاب تزيفتان تودروف الأخير الأدب في خطر دلالة في هذا المجال، وإن كانا حول الأدب عامة، وليس حول الشعر وحده. ويبدو منذ الوهلة الأولي أن أزمة الشعر هذه ظاهرة عالمية لا تختص بشعر لغة من اللغات، أو شعر أمة من الأمم، بل هي تشمل الشعر في كل اللغات، وعند جميع الأمم، بما فيها الأمم ذات التراث الشعري الغني والعريق، برغم وجود الاختلافات والتباينات. وواضح أن مصدر هذه الأزمة غربي، أو أوروبي، ولكنها انتقلت بالعدوي إلي كل اللغات، وكل الأمم، لأن الشعر الغربي، بنماذجه ونظرياته ومذاهبه، أصبح هو الملهم للآخرين، بسبب هيمنة حضارة الغرب وتفشي قيمها ومعاييرها. ولهذا سنركز هنا علي تناولها عند مصدرها.
ويمكن وصف هذه الأزمة بإيجاز بأنها: العجز عن كتابة شعر يخرج من أسر الأصوات الأولي المؤسسة في الشعر الحديث، وهيمنة النماذج التي كرستها المغامرات الفردية لشعراء استثنائيين جاؤوا من بعدهم. ولقد ظهرت بوادر هذه الأزمة بعد الحرب العالمية الثانية، وتفاقمت في ما بعد، حتي بلغت ذروتها اليوم. ولعل من أبرز مظاهرها:
ـ غياب المواهب الشعرية الاستثنائية، واختفاء المواهب الكبيرة تدريجياً، وضعف المواهب الجديدة.
ـ تحول الكتابة الشعرية إلي صناعة تلفيقية، أو حرفة صناعية.
ـ تفاقم أزمة العلاقة بين الشعر والجمهور.
سنتناول هذه المظاهر بقراءة خاصة، ولنبدأ بالشعراء. فثمة شعراء مشهورون كثيرون ظهروا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد قرأنا لكل منهم قليلاً أو كثيراً، وأعجبنا ببعض ما أنتجوه، ولكن لا نجد بينهم من يستحق لقب الشاعر العظيم. ونعني بالشاعر العظيم هنا: الشاعر المؤسس، الشاعر الذي يحدث تحولاً ما في الشعر، وينتج أعمالاً باهرة مؤثرة في شعراء جيله والأجيال التالية، أعمالاً تضيف إلي الموروث الشعري العالمي إضافة نوعية تغنيه وتجعل من اسم صاحبها علامة فارقة أو مميزة في تاريخ الشعر وتطوره. فأين هو مثل هذا الشاعر بين شعراء النصف الثاني من القرن العشرين؟!. ثمة شعراء متميزون من دون ريب، ولكنهم زوار عابرون في تاريخ الشعر، وإن نال بعضهم جوائز محلية، أو حتي جوائز عالمية كجائزة نوبل التي كثيراً ما أثيرت حولها التساؤلات. فكل هؤلاء، كما نري، أسري الأصوات الأولي والنماذج المكرسة في الشعر الحديث. وقد بني الكثير منهم شهرته علي غياب المواهب الاستثنائية القادرة علي الإتيان بفتوحات جديدة، أو راكم تلك الشهرة بالتقادم، أو علي أساس وجوده في صحيفة أو مجلة أو دار نشر أو كرسي جامعي أو مؤسسة ثقافية، أو بفضل نشاط يزاوله في وسط سياسي أو اجتماعي معين. أما الآن فقد مات الكثير منهم، وشاخ من بقي علي قيد الحياة فنضب عطاؤه أو توقف. والأدهي من ذلك أننا لا نجد في المشهد الشعري الراهن خلفاء لهم في مثل أوزانهم، وهذا ما جعلنا نقول: إن من أبرز مظاهر أزمة الشعر الراهنة: غياب المواهب الاستثنائية، واختفاء المواهب الكبيرة، وضعف المواهب الجديدة.
هذا عن الشعراء فماذا عن المشهد الشعري نفسه؟
حين ننظر في هذا المشهد نجد، شعراً كثير التنوع في أشكاله وأساليبه، وفي مسمياته ومفهوماته. فهنالك الشعر الموزون بأشكاله التقليدية والمطورة، وهنالك الشعر الحر، وقصيدة النثر، والنص المفتوح، ومحاولات أخري يمكن إدراجها تحت مفهوم ما يسمي بالفرنسية: الكتابة Ecriture . وإلي جانب ذلك ثمة ما يسمي بالشعر الكونكريتي، والشعر الميكانيكي، والشعر الكهربائي، والشعر الحرفي، والشعر الصوتي، والشعر الفضائي، والشعر الإلكتروني، وأخيراً، وليس آخراً في ما يبدو، الشعر الرقمي Digital(2). ويعرض لنا ب. غارنييه في كتابه الفضائية والشعر الكونكريتي 3 نماذج مما يسميه: الشعر المجسم، والشعر المشهدي، والشعر المتعدد الأبعاد، والشعر الميكانيكي، والشعر الصوتي.
أما محمد الماكري فيستعين بغارنييه ويعرض لنا ستة أنماط نصية يسميها: النص الشعري البصري، والنص الشعري المشهدي، والنص الشعري المجسم، والنص الشعري الميكانيكي، والنص الشعري المتعدد الأبعاد، والنص الشعري الدلالي.(4)وأما علي الشوك فيذكر بعض هذه المسميات ويضيف مسميات أخري، فيشير إلي قصائد سينمائية، وفراغية، وفيزيولوجية، ودارجة Pop، ودارجة فوق العادة، وما بعد الدارجة، وقصائد الحدث Event، وقصائد الرسم، وغيرها.(5)وليست هذه كل المسميات المتداولة، بل هناك مسميات أخري تشتبك معها أو تشتق منها أو تكررها بصيغة أخري، قد يكون سبب اختلافها عن غيرها الاختلاف في اجتهادات الدارسين والمترجمين، أو الرغبة في التميز بمسمي يختلف عن المسميات الأخري، ولكنها تقوم كلها تقريباً علي قاعدة واحدة هي: تخلي الشعر عن الكلمة، أو عدم اقتصاره عليها، والاستعانة بوسائل تعبيرية أخري: صوتية، وتشكيلية، وطبوغرافية، وغيرها. ولعلنا نستطيع جمعها كلها تحت عنوان واحد هو: الشعر الكونكريتي، كما فعل غارنييه.
وقد استخدم هؤلاء الكونكريتيون وسائل شتي في إنتاج قصائدهم أبرزها: الرسم، واللصق (الكولاج) والتقطيع (المونتاج) واللعب بشكل الكتابة وشكل الخط والشكل الطباعي، واستعانوا، إلي جانب ذلك، بالآلات الطابعة، والأفلام، وآلات التسجيل، واللوحات المؤطرة، والتقنيات الصوتية، والفديو، والليزر، والحاسوب، وغيرها.
إذن فقد وصل الشعر إلي هذه الدرجة من التنوع، بل أكثر. فما عرضناه هنا ليس سوي مسح سريع، وربما ناقص للظواهر البارزة. ولا ضير في التنوع من حيث المبدأ، غير أن ما نراه ليس التنوع الدال علي الغني، بل الدال علي الارتباك، واختلاط المعايير وضياع البوصلة. ولا نبالغ إذا قلنا أنه يدل علي المأزق الذي وصل إليه الشعر، ذلك أن محاولة الخروج من أسر الأصوات الأولي ومن هيمنة النماذج المكرسة لم تبدأ من داخل الشعر نفسه، بل من خارجه. فقد استولي هاجس المغايرة و التجريب و التحديث علي الشعراء فانشغلوا بتغيير مفهوم الشعر وقواعد كتابته، وليس بكتابة شعر جيد جديد. فلم يعد الشعر لدي التجريبيين نوعاً مستقلاً بذاته وإن استفاد من تقنيات الأنواع الأدبية الأخري، بل أصبح نصاً مفتوحاً لأنماط كتابية مختلفــــة، أو فأراً من فئران التجارب في الورش والمختبرات. فقد أفضت بهـــــم تجاربهم إلي نفق مسدود وقطيعة مع الشعر نفسه، فتحولت الكتابة الشـــــعرية عند نفر منهم إلي صناعة لغوية تحتكم إلي معاييرها الذاتيــــــة وأسرارها الخاصة، وأصبحت عند النفر الآخر ضرباً من أشغال يدوية أو ألعاب تكنولوجية تشيئ الشعر وتتعامل مع اللغة بوصفها مادة Material من المواد، وتحل مفهوم الصناعة محل مفهوم الكتابة وتلغي فكرة العمل الفني بفكرة الإعلام الجمالي (.(6 فصرت تجد نفسك، في الحالة الأولي، أمام نصوص مغلقة، مغرقة في هرمسيتها وأسرارها الباطنية، أو تأملاتها العقلية الباردة، أو تجريداتها الشكلية، نصوص تقول ولا تقول، كما يلاحظ جان ـ ميشيل أوسبتالييه ((7. وصرت، في الحالة الثانية، أمام عروض طارئة كعروض الأزياء الموسمية، تجد مسوغاتها في ضرب من العلموية التي تريد إقحام التكنولوجيا في كل شيء، حتي في ما هو غريب عنها ومتنافر معها كالشعر واللغة.
لا ريب في أن المغايرة مطلوبة، و التجريب ضروري، والخروج علي هيمنة القالب مشروع، ولكن ليس بهذا القدر الذي يخرج بالشعر عن طبيعته ويحوله إلي صناعة حرفية. فلقد أدي هذا التطرف في التجريب واللهاث وراء المغايرة إلي تعميق أزمة الشعر بدلاً من حلها حلاً موضوعياً. ذلك أن هذه التجارب لم تستطع طوال نصف قرن أو أكثر تقديم أعمال مقنعة تسوغ بها نفسها وتضفي مصداقية علي صحة مفاهيمها. فلا هي نجحت في تخطي الأصوات الأولي والنماذج المكرسة وإغرائنا بنسيانها، ولا هي أفلحت في عقد زواج شرعي يسفر عن أجيال جديدة تامة الخلق. ولذلك قلنا: إن من مظاهر أزمة الشعر الراهنة تحويله إلي صناعة تلفيقية تلعب فيها المهارات الحرفية المكتسبة بفعل عادة الكتابة، أو بمعرفة فنون وتقنيات أخري، أكثر بكثير مما تلعبه الموهبة الشعرية الطبيعية.
وأكثر من ذلك أن هذا التنوع المفرط في الأشكال والأساليب والمسميات والمفهومات قد أربك الجمهور وزاده تشوشاً، فلم يعد يدري بأي المفاهيم يثق، وإلي أي الشعراء يتجه، وأي الأعمال الشعرية يختار، وبذلك تفاقمت أزمة العلاقة بينه وبين الشعر، فازداد صدوفاً عنه. فقد كان الجمهور، وما يزال، يعد الشعر الحديث غامضــــاً ومعقداً، وكان هذا الغموض وهــــذا التعقيد من أسباب عزوفه عنه، فكيف به وقد وجد نفسه أمام هذا الطوفان من الأشكال والأساليب والمسميات والمفهومات؟
إن الجمهور لا يعد هذا تنوعاً يتيح له فرصاً متعددة لاختيار ما يلائمه، بل يعده فوضي مربكة في أحسن الأحوال. ولذلك وجد أن من الأفضل له أن يترك الشعراء لعالمهم الخاص، وأن يبحث عن وسائل أخري للمعرفة والمتعة والتسلية غير دواوين الشعر، وهي موجودة ومتيسرة، وفي مقدمتها السينما والتلفزيون والحاسوب. فلماذا يرهق نفسه، وهو المرهق أصلاً بأعباء حياته اليومية، في فك الغاز الشعراء والتعرف علي ألعابهم الخاصة المستحدثة؟
إننا نتحدث هنا بلسان الجمهور ونحاول أن نفسر سبباً آخر من أسباب إعراضه عن الشعر. فليس العلم وحده مسؤولاً عن عزلة الشعر، بل الشعر مسؤول هو الآخر عن عزلته. فهو لا يكاد يكون له جمهور اليوم، وقراؤه في تناقص مستمر، والشعراء أنفسهم في شغل عنه بأنفسهم وبتجاربهم، فهم لا يكتبون للجمهور بل لأنفسهم، يكتبون للشعراء، بل لبعض الشعراء، و لبعض أساتذة الأدب وطلابه والمعنيين بدراسته ونقده ربما. أما دواوينهم فهي اليوم سلعة تجارية بائرة يتردد الناشر في نشرها ويضيق الموزع بتوزيعها، لأنها لا تكاد تجد من يطلبها. وهذا ما يكشف عنه بعض الإحصائيات.
ففي بلد كفرنسا تبلغ مبيعات كتب الشعر بين 300 ـ 700 نسخة في المتوسط. ولا يطبع من دواوين الشعراء الأحياء المعروفين أكثر من 2000 نسخة، أما الأنطولوجيات الشعرية فيتراوح ما يطبع منها بين 5000 ـ 20000 نسخة.
وتبلغ مبيعات دار غاليمار الشهيرة من كتب الشعر سنوياً نحو 400 ألف نسخة من مجموع عناوينها الشعرية البالغة نحو 350 عنواناً.
أما أكثر الكتب الشعرية رواجاً فهو ديوان كحول لغيّـــوم أبولونير، وتبلغ مبيعاته نحو مليون نسخة. وديوان بول إيلوار عاصمة الألم وديوان شارل بودلير أزهار الشر، وتبلغ مبيعات كل منهما نحو 500 ألف نسخة. (8)إن لهذه الإحصائية دلالاتها من دون ريب. فهي تشير إلي ضآلة اهتمام الجمهور الفرنسي باقتناء كتب الشعر. وتزداد صورتها قتامة إذا لاحظنا أن سوق الكتاب الفرنسي ليس فرنسا وحدها، بل كل البلدان الفرانكوفونية، وإذا تذكرنا أن ما يطبع لا يباع كله، وما يباع قد لا يقرأ إلا بعضه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخري تكشف هذه الإحصائية عن قلة ثقة الجمهور بشعر الأجيال الجديدة المولعة بالمغايرة والتجريب وتفضيله قراءة دواوين بعض من أطلقنا عليهم صفتي الأصوات الأولي و النماذج المكرسة. ففي الوقت الذي يباع فيه من دواوين بودلير وأبولونير وإيلوار مئات الألوف من النسخ، لا يباع من دواوين الشعراء الأحياء المعروفين سوي مئات. وفي الوقت الذي يجرؤ فيه الناشرون علي طبع مليون نسخة أو أكثر من ديوان لأبولونير، فإنهم لا يجرؤون علي طبع أكثر من ألفي نسخة من ديوان لإيف بونفوا مثلاً. بل ان هناك شعراء معروفين مثل: ميشيل دوغي، و ج. ب. فاي، وأندريه شديد، وغيرهم لا يطبع من دواوينهم أكثر من 200 أو 300 نسخة.(9)ثم ألا يلفت نظرنا أن يحظي ديوان أبولونير كحول بهذا التقدير عند الجمهور الفرنسي، بينما لا يحظي بمثله ديوانه الآخر رسوم؟ ألهذا علاقة بالشكل الذي كتبت به قصائد هذا الديوان؟
ألا يلفت نظرنا أيضاً ألاّ يحظي شعر رامبو لدي الجمهور بالإقبال الذي يحظي به شعر بودلير، أو أبولونير، أو إيلوار؟
ليست لدينا إجابات قاطعة عن هذه التساؤلات، ولكن كل ما تقدم يشير إلي مدي ما وصلت إليه أزمة العلاقة بين الشعر والجمهور من عمق وتفاقم. وما الحديث عن الشعر الفرنسي هنا سوي حديث عن مثل. وهذا ما جعلنا نقول: إن إعراض الجمهور عن الشعر، وخاصة شعر الأجيال الجديدة، مظهر آخر من مظاهر أزمة الشعر الراهنة.
الشعر لا يموت:
إن هذه الأزمة ترسم للشعر مستقبلاً غامضاً، فهل هي تنذر بموته؟
إذا أخذنا برأي الشكلاني الروسي توماشفسكي عن تطور الأجناس الأدبية، ونظرنا من خلاله إلي المشهد الشعري الراهن، فإننا سننتهي إلي القول: إن الشعر، بوصفه جنساً أدبياً، قد أخذ يتفتت إلي أجناس أخري. فبحسب هذا الرأي إن الأجناس الأدبية تعيش، وتتطور، ثم تتفتت، والأجناس المبتذلة تحل محل الأجناس الرفيعة، أو أن الطرق المبتذلة تغزو الأجناس الرفيعة (… وسيكــون تصنيف الأجناس الأدبية ذرائعياً، ومفيداً، وصالحــاً تاريخياً لوقت معلوم. وسيتمكن المرء حينئذ من توزيع المادة إلي إطارات محددة، وستتوزع المؤلفات علي طبقات واسعة، وستتميز هذه بدورها لتكون نماذج وأنواعاً.(10)ألا ينطبق هذا الوصف علي ما نراه اليوم من تنوع الأشكال والمسميات والمفهومات في المشهد الشعري؟ فالشعر، كما يبدو، يشهد حالة من التفتت إلي نماذج وأجناس كتابية أخري ظهرت باسمه، وعلي هامشه، واتخذت لها مسميات خاصة بها، وكثيراً ما ادعت أنها البديل الموضوعي الشرعي عنه، وحجتها في ذلك أن الجنس الأدبي نظام، وعندما يصبح هذا النظام آلياً، أو عندما يفقد وظيفته، فإنه يموت. فهل الشعر الذي نعرفه اليوم موشك علي الموت إذن؟ نجيب ببساطة بما أجاب به الشاعر البولندي روزفيتش في إحدي المناسبات إن الشعر لم يمت، ولا يمكن أن يموت ((11، ليس لأن الشعراء ما يزالون موجودين بالألوف في كل البلاد، أو لأن الأمهات سينجبن المزيد من الشعراء في المستقبل، نقول: ليس لهذا السبب أو ذاك فقط، بل لأن الشعر حاجة إنسانية متجددة حقاً، ولأنه ما يزال يؤدي وظيفة حيوية في حياتنا، بغض النظر عن ماهية هذه الوظيفة وطبيعتها.
لقد اختلف الفلاسفة والنقاد والشعراء في تحديد وظيفة الشعر و فائدته حتي بدا أنها ليست وظيفة واحدة بل عدة وظائف. فمنهم من رأي أن وظيفته ترفيهية، ومنهم من رأي أنها تربوية، وثمة من قال إنها الإمتاع، وثمة من قال إنها التطهير، وقال بعضهم إن الشعر يكمل ما في الطبيعة من نقص، وقال غيرهم إنه نقد للحياة، وذهب آخرون إلي القول: إنه وسيلة للمعرفة. وهناك من جعل له أكثر من وظيفة. ونحن نميل إلي القول: إنه يؤدي جميع الوظائف المذكورة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد تكون له وظائف أخري غفلنا عن ذكرها، ولكنه يظل في جميع الأحوال حاجة روحية ونفسية للإنسان، وهي حاجة غامضة، وغريزية في ما يبدو، برغم ما طرأ علي البشرية وأنماط حياتها من تطور وتغير منذ العهود البدائية الأولي التي وجد فيها الشعر حتي اليوم. ويصف شاعر بولندي آخر، هو زبغنيو هربرت، هذه الحاجة بأنها الشوق إلي الكلمة السحرية، إلي العلامة، إلي التميمة التي توضح لنا معني الحياة وبحسب قوله إن هذا الشوق سيلازم الإنسانية أبداً، وستبقي الحاجة إليه ملحة كما كانت في السابق.(12)قد يلبي العلم حاجات الإنسان المادية ويبتكر له باطراد وسائل جديدة لحياة يومية أفضل أو أيسر وفق المعايير المادية، ولكن هذا الإنسان لن يجد أفضل من الشعر وعاء لهواجسه ومشاعره وانفعالاته وقلقه الوجودي واحتقاناته النفسية في حياة شديدة التعقيد. وما دام الإنسان مسكوناً بتلك الهواجس والمشاعر والانفعالات، وما دام يواجه أسئلة الوجود الكبري في كل يوم من أيامه، فإنه ستظل به حاجة إلي الشعر في محنته البشرية. فهو لن يجد في غيره ما يجده فيه من حرية السؤال والبحث عن الجواب في ما هو خفي وغامض ومجهول من أسرار الوجود، أو ما هو دفين في أعماق حياته الباطنية المظلمة. فبالشعر، وربما بالشعر وحده، يستطيع الإنسان أن يحقق ما ينقصه من توافق وانسجام مع العالم الخارجي واشتراطاته الصعبة.
ولذا لا بد له من أن يتخذ من الشعر وسيلة أخري للمعرفة وطريقة مختلفة للبحث عن الحقيقة. يقول الشاعر العالم، أو العالم الشاعر، ميروسلاف هولوب إن لكل من الشعر والعلم حقيقته (.(13 وهذا صحيح في رأينا. فالحقيقة ليست واحدة، بل متعددة. وتلك التي يتعامل معها الشاعر في مخاض وجوده ليست هي نفسها التي يتعامل معها العالم في مختبره. فلكل منهما حقيقته، ولكل منهما طريقته الخاصة في البحث عن حقيقته، هذا بحدسه وخياله، وهذا بوسائله المادية ومنطقه العقلاني. وقل مثل ذلك عن الفيلسوف وطريقته. وما دام الثلاثة يعيشون في عالم واحد فإن عمل كل منهم يكمل عمل غيره. ولذا فإن من ضيق الأفق القول: إن العلم قادر علي حل كل الألغاز والإجابة عن كل الأسئلة. والصحيح أن ندع كلاً من العالم والفيلسوف والشاعر وطريقته في البحث عن الأجوبة.
ہ شاعر من العراقالهوامش:(1) يبدو أن هناك شعوراً بوجود مثل هذه الأزمة في الشعر العربي، وهذا ما يوحي به المؤتمر الدولي الأول للشعر الذي عقد في القاهرة في شباط (فبراير) الماضي. فقد نظم المؤتمر تحت شعار الشعر في حياتنا وكان من موضوعاته الشعر حاجة إنسانية متجددة و الشعر في عصر العولمة وغيرها.(2) Jacques Donguy, Nouvelles experimentations, Magazine Lieraire, Mars 2oo1, P. 52-55(3) P. Garnier, Spatialisme et Poesie Concrete, NRF. Gallimard, 1968(4) محمد الماكري / الشكل والخطاب ـ مدخل لتحليل ظاهراتي / المركز الثقافي العربي ـ بيروت /1991/ ص 180 (5) علي الشوك / الدادائية بين الأمس واليوم / المؤسسة التجارية للطباعة والنشر ـ بيروت / بلا تاريخ / ص 185 (6) محمد الماكري / مصدر سابق / ص 182 و 199 وراجع أيضاً ب. غارنييه / مصدر سابق / ص 11 ـ 18 (7) Magazine Lieraire, Mars 2001, P. 18(8) Jean-Marc Baillieu, La poesie dans la cite, Magazine Lieraire, Mars 2001, P.57(9) بول شاؤول / مصدر سابق / ص 36(10) جان ـ إيف تادييه / النقد الأدبي في القرن العشرين ـ 1 / ت. منذر عياشي / مركز الإنماء الحضاري للدراسات والترجمة والنشر ـ حلب /1993 / ص 30 (11) نقلاً عن: د. أبو العيد دودو / الشاعر وقصيدته / المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزائر / 1986 / ص 62(12) نفسه / ص 77 (13) نفسه / ص 113