د. انيس فوزي قاسم يلحظ ان هناك بعض الكتاب يقعون تحت سطوة بعض الافكار التي تسيطر على تفكيرهم، وتتحول هذه الافكار، مع ازدياد سطوتها، من مجرد أفكار تهمّ الرأي العام الى هواجس قوية وتظل تتمدد في خيال الكاتب الى ان تحتله احتلالاً كاملاً، وبالتالي تصبح همّاً فردياً او هاجساً تشترك فيه قلّة من القرّاء. وهذا التسلط ليس مقصوراً على الافراد بل يشمل تفكير الدول وقادتها. ولا أدلّ على ذلك من سيطرة فكرة ‘القاعدة’ و’الارهاب’ على تفكير الادارة الامريكية الى ان اصبحت كابوساً للرئاسة الامريكية واجهزتها الأمنية وتحوّل كل زائر الى اميركا او الى مقرّ السفارات الامريكية الى ‘بن لادن’ الى ان يثبت العكس.
ولدينا في الاردن بعض الكتّاب الذين تتسلط عليهم فكرة ‘الوطن البديل’ وفكرة ‘التجنيس’ وفكرة ‘الديموغرافيا الفلسطينية’ وفكرة ‘المحاصصة’ وفكرة ‘دسترة فك الارتباط او قوننته’، وهي بسبب تسلطها تحولت لديهم الى كوابيس وألغاز، ولم يبادر اي من هؤلاء الكتاب الى تفكيك هذه الافكار والوصول الى تصورات تطبيقية حول ماهية هذه الهواجس وكيفية المخاطر التي قد تلحق بالاردن فيما لو تحققت. ولم يبادر اي من هؤلاء الكتاب على سبيل المثال- الى اجراء مقاربة بين الاطماع الصهيونية في الاردن، وهي اطماع موثقة توثيقاً مؤكداً وثابتاً وقد رسم قادتها خريطة الدولة اليهودية بوثيقة رسمية قدمت الى مؤتمر قمة دولي وبينت الخريطة ان حدود دولتهم الشرقية هو خط حديد الحجاز، وبين شلال الدم الذي يتدفق من عروق الفلسطينيين يومياً في الدفاع عن ارضهم وبالتالي يشكلون سداً منيعاً دون تدفق الطوفان الصهيوني شرقاً. وهل تستوي هذه بتلك؟
ان أخطر ما في تسلط فكرة على عقل صاحبها هو أنها بالضرورة تنعطف به عن الطريق السوي وتؤدي به الى نتائج لا تليق به، وربما لا يقصدها. كتب احدهم مؤخراً قائلاً: ‘غزة اليوم حرّة تحت قيادة حكومة حمساوية… والمعبر المصري مفتوح…… فأين هو التزام الحكومة الحمساوية على الأقلّ تجاه عودة الغزيين الى ديارهم؟’. من اللافت للنظر ان لا أحد تحدث عن أن غزة ‘حرّة’ الاّ الكاتب اياه الواقع تحت تسلط فكرة التوطين، ورئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق، ارييل شارون الذي أعلن امام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اواخر 2005، ان اسرائيل انسحبت من غزة وسحبت المستوطنين منها وان غزة الآن ـ في نظره- لم تعد ارضاً محتلة. وقد قوبل شارون آنئذٍ باستهجان كبير واستهزاء واضح من العديد من ممثلي الدول.
فهل ما قاله الكاتب يعني ترحيل أهالي غزة المقيمين في الاردن الى قطاع غزة لأن معبر رفع مفتوح، وان هناك حكومة حمساوية ملزمة بترتيب ‘حق العودة’ لهؤلاء اللاجئين؟ من المؤكد ان قطاع غزة لم يكن جزءاً من المملكة الاردنية الهاشمية، ولكن يلحظ انه خلال ‘محرقة غزة’ التي جردتها اسرائيل على القطاع في اواخر العام 2008 وأوائل 2009، كانت اول شحنة دم وصلت الى اهالي غزة تبرع بها الملك عبد الله الثاني، وأول بعثة طبية وصلت القطاع كانت البعثة الطبية الاردنية ولازالت تؤدي خدماتها. وهذا دليل لا يقبل الطعن على الشعور بالانتماء والالتزام القومي. وقد سجل الدكتور عصام السعدي في كتابه الثمين ‘الحركة الوطنية الاردنية’ صفحات لا أنصع ولا أجلّ من الالتحام العضوي بين العشائر الاردنية والحركة الوطنية الفلسطينية في مقارعة الصهيونية.
فهل القصد من المطالبة بـ ‘عودة الغزيين الى ديارهم’ هو ان يتم ترحيل اهالي غزة وتحميلهم في شاحنات ونقلهم بوسائط نقل برية وجوية تحت أمرة قوات الأمن الاردنية؟ والسؤال المنطقي هو هل يطيق الاردن الرسمي والشعبي ان تقوم قوات الامن الاردنية بتكديس اهالي غزة في وسائط نقل وتعبر بهم الى العريش ثم الى معبر رفح. أليس في ذلك شبهة ‘تطهير عرقي’، وهو ما يتجافى تماماً مع كل التاريخ المشترك للشعبين؟
وفوق ذلك، لابدّ وان الكاتب على بيّنة تامة ان وجود اهالي قطاع غزة في الاردن، بغض النظر عن اعدادهم، دخلوا البلاد بصورة مشروعة وهو دخول اقتضته ظروف الحرب ولم يكن الاردن فيه استثناءاً، ففي كل ظروف الحروب والحروب الاهلية حدثت حركات نزوح من دولة النزاع الى الدول المجاورة، وهذا ما حدث مع اشقائنا العراقيين اثناء العدوان الامريكي، وما يحدث حالياً مع اشقائنا السوريين خلال النزاع الداخلي، بل سارعت الاردن حسب التقارير الصحفية- الى تجهيز ثلاثة مخيمات تحسباً لتدفق السوريين.
كما انه لابدّ وأن الجميع على بيّنة ان قطاع غزة ما زال أرضاً محتلة، وليس حرّاً او محررّاً، بل ما زال محاصراً حصاراً قاتلاً، فالدخول اليه والخروج منه مازال حتى من معبر رفح- تحت السيطرة الفعلية الاسرائيلية، واتفاقية المعبر للعام 2005 تعطي الاسرائيليين حق المراقبة بالكاميرات ولها حق الاعتراض على الدخول والخروج. وان القطاع محروم من السيطرة على حدوده البريّة والبحرية، حتى ان اتفاقيات اوسلو التي اعطت لصيادي القطاع حق الصيد في مياه غزة لمسافة عشرين ميلاً بحرياً تم اختصار المسافة الى ستة اميال بحرية. ولابدّ وان الجميع على علم ان 80′ من سكان القطاع يعيشون على الهبات والمعونات، وان سجل نفوس القطاع ما زال بيد اسرائيل، وان ما يسمى بـ ‘حكومة حماس’، شأنها شأن ‘حكومة رام الله’، لا تملك من السلطة الا الاسم الخالي من المضمون. وللتذكير، فإن القاضي الدولي، ريتشارد جولدستون، قد اورد في تقريره الدولي الشهير الذي رصد فيه الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل في قطاع غزة اثناء ‘محرقة غزة’، ان القطاع ما زال ارضاً محتلة.
وتتسلط فكرة ‘المواطنة’ و’التجنيس’ على برنامج المتقاعدين العسكريين والذين تقدموا مؤخراً بطلب تأسيس حزب سياسي، وهي خطوة تستحق الترحيب والتشجيع، وان كان عليها بعض المآخذ الموضوعية. وقال مؤسسو الحزب انه ‘لن يستقبل طلبات الانتساب من أي مواطن حاصل على جواز سفر او رقم وطني بعد قرار فك الارتباط…’ ان هذا شرط يتطلب – في تطبيقه- ضرورة حصول طالب العضوية على شهادة من دائرة المتابعة والتفتيش، واذا تعذر ذلك، فهل يقصد الحزب الى تأسيس دائرة متابعة وتفتيش خاصة وملحقة باحدى اجهزته؟ ومع قليل من الشطط، لابدّ وان يتساءل المرء ان كان الحزب الجديد سوف ينشيء مختبراً لفحص الـ DNA لطالب العضوية ان تعذر تشكيل دائرة متابعة وتفتيش جديدة.
لقد سبق لقيادات هذا الحزب ومنظّريه وان أثارت في مناسبات عديدة ان هناك مؤامرة تستهدف الاردن وتحويله الى ‘وطن بديل’ دون تحليل هذه المؤامرة وتحديد العناصر الى تتآمر. وبرغم الاعتقاد ان اطروحة ‘الوطن البديل’ هي مخبثة اسرائيلية لجعل الوضع الداخلي في الاردن قلقاً ومضطرباً مما يسهل على اسرائيل ابتزاز القرار الاردني واحداث شروخ في النسيج الاجتماعي، الاّ ان منظري الحزب الجديد سبق وان طالبوا بقوننة فك الارتباط وتعديل قانون الجنسية الاردني تبعاً لذلك، باعتبار ان فك الارتباط ‘قرار سيادي’. ان اطروحة منظري حركة الاخوة المتقاعدين العسكريين تجمع الصيف والشتاء تحت سماء واحدة، فهي تريد تقنين ما تسميه ‘قراراً سيادياً’ وهو ‘قرار فك الارتباط’ في قانون الجنسية. لم يلحظ المنظرون في قولهم ان قرار فك الارتباط هو ‘قرار سيادي’ يعني انه يقف على قدميه مستقلاً دون ان يحتاج الى ربطه بقانون آخر أو قوننة او دسترة، فهو ـ من اسمه- يتمتع بالسيادة والسمو في مرتبة التشريعات. وهذا المطلب يدلل على تناقضه البنيوي مّما يقوضه من اساسه.
واذا قصد المنظرون تقنين التعليمات والاجراءات والتصرفات التي نشأت على أثر فك الارتباط، فهو مطلب غير قانوني. هذا الوضع الملتبس عبّر عنه افضل تعبير القاضي الاردني، الدكتور فاروق الكيلاني، وكان آنئذٍ رئيساً لمحكمة العدل العليا، وقد اصدر قراراً شهيراً ومعلماً من معالم القضاء الاردني برقم 212/97، حيث تصدى في تلك القضية لقرار الادارة بسحب جنسية مواطن اردني من أصل فلسطيني، حيث قال: ‘وحرمان الاردني من جنسيته عمل غير مشروع ومخالف لاحكام المادة 18 من قانون الجنسية الاردني… وحيث انه لا يجوز نزع الجنسية استناداً لقرارات الادارة، ذلك ان القاعدة ان ما ينظمه المشرع بقانون لا يجوز تعديله الاّ بقانون، ولا يجوز تعديله بقرار اداري او تعليمات، فاذا تمّ ذلك فانها تكون غير مشروعة لأنها نظمت اموراً لا تنظم الاّ بقانون…’ وةذا الذي قاله فارس القضاء الاردني هو القانون، وبالتالي يصبح ما يطالب به المنظرون هو قوننة اللاقانون، وهي احدى المقومات المعيبة التي اسست للفساد الاداري. وقد ذكر الدكتور الكيلاني في كتابه ‘استقلال القضاء’ ان قرار فك الارتباط ‘غير دستوري’ (ص 49، 51) وانه لم يصدر عن مجلس الامة ولا مجلس الوزراء، بل هو خطاب سياسي القاه الملك، وبصفته خطاباً ملكياً ليس له قوة التشريع ولا تنشأ عنه نتائج قانونية.(ص 50)ولو كانت الحكومة آنئذٍ حكومة رشيدة وحكومة مؤسسات وقانون لصدعت لقرار محكمة العدل العليا، الاّ انها، وبسبب الفساد الذي يظهر الان مثل طفح الحصبة الالمانية على جلد بعض مراكز القوى، طلبت من القاضي الكيلاني ان يقدم استقالته مضحيّة بأحد أهم فرسان القضاء في الاردن. وقد سجل القاضي الكيلاني تجربته في كتابه القيّم المشار اليه اعلاه الذي يجب ان يدرج ضمن مناهج التعليم في كليات الحقوق الاردنية لكي ينشأ لدينا جيل من رجال القانون الذين يتصفون بالاستقلالية والشجاعة والنزاهة، وهذه هي الضمانة الكبرى لوقف تدفق الفساد في شريانات الدولة.
ويحاول المنظرون ان يخرجوا من تحت سطوة الافكار المتسلطة وذلك بمقولات ان الاردنيين من اصول فلسطينية والذين يحملون البطاقة الخضراء لم يعودوا اردنيين وان كان لهم حق الاقامة في الاردن وذلك بمقولة فاسدة وغير دستورية مؤداها ان قرار فك الارتباط اصبح واقعاً لا رجعة عنه. أما حملة البطاقة الصفراء، فهم اردنيون لهم كل الحقوق وعليهم جميع الالتزامات. ان هؤلاء المنظرين يعودون في الواقع الى فخ المربع الاول، ذلك ان وجود حوالي 800.000 مواطن أخضر (حسب تقديرهم، وعلى فرض صحته) دون اية حقوق سوى حق الاقامة، سوف يجعل من الاردن بعد بضع سنوات دولة ‘جيتو’ فيه نسبة ملموسة من المقيمين دون اية حقوق. فهل ادرك المنظرون ان الاردن سوف يتحول من ارض ‘الحشد والرباط’ الى دولة جيتو؟ ثم من يضمن لحملة البطاقة الصفراء ان لا يواجهوا بعد بضع سنوات حملة منظرين جدد تجردهم من حقوقهم المدنية والسياسية وتصدر تعليمات سرية بشأنهم لا احد يعلم عنها شيئاً سوى دائرة المتابعة والتفتيش، وتتغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وتمنعها من النظر في اية قضايا ترفع امامها بمقولة انها مسائل تتعلق بالسيادة، كما يجري حالياً؟ الفساد هو الفساد ايها السادة، وهو ليس السطو على المال العام فحسب، بل هو ايضاً السطو على حقوق مواطنين كفلها الدستور.’ خبير قانوني دولي ـ من فلسطين