في عام 2014 أصدرت مجموعتي القصصية «الجنتلمان يفضل القضايا الخاسرة»، ومن ضمن قصصها نص بعنوان «الشطحة الأرمينية» تتناول مسألة الإبادة الأرمينية وتمزج المأساوي بالساخر. لاحقاً عندما قررت العمل على رواية تتناول مجتمع المصريين أصحاب الجذور الأرمينية، لم أجد خيراً من تلك القصة لأوظّفها مفتتحاً للرواية. بدون أن يرفّ لي جفن أو أشعر بأنني في حاجة فعلية لكتابة افتتاحية مغايرة، فقد كانت «الشطحة الأرمينية» مناسبة جداً وصالحة للانطلاق منها إلى رحابة نص سردي طويل.
شغلتني هذه المسألة: الاقتباس الذاتي، أن يعيد الكاتب استخدام مقطع أو شخصية أو فكرة من عمل قديم، في سياق عمل جديد، ولإنتاج قطعة فنية مختلفة عن السابقة. رأيت الأمر مثل قدرة الحرفي على استخدام نوع واحد من البراغي في أكثر من آلتين مثلاً، تؤدي كل واحدة منهما وظيفة مختلفة تماماً عن الأخرى.
اللعب الفني
الروائية المصرية منصورة عز الدين، قدّمت نموذجاً واضحاً، لعملية التماهي مع الذات، أو الاقتباس الذاتي، عن طريق توظيف قصة قصيرة سبق لها نشرها. واستخدامها ضمن سياق رواية لاحقة، هي روايتها «وراء الفردوس»، تقول عز الدين: «في تصوري كان للأمر علاقة بإعلاء شأن اللعب الفني، حين ضمَّنت قصة «زهرة جلاديولس حمراء»، من مجموعتي الأولى «ضوء مهتز» في روايتي «وراء الفردوس». لكن لعل مفردة «تضمين» ليست المفردة الملائمة، فالقصة كفت عن كونها كذلك في سياقها الجديد داخل الرواية، بشكل ما أوجدت علاقاتها وارتباطاتها الجديدة وانفتحت على عالم آخر أوسع من عالمها الأول الضيق. كتبت في الهامش: «يعتمد هذا الحلم على قصة قصيرة للمؤلفة بعنوان «زهرة جلاديولس حمراء» من مجموعتها القصصية الأولى»، وبدت لي هذه الإشارة جزءاً مكملاً للعبة أكون فيها ذاتاً أخرى، تفصلني عنها مسافة ما. في تلك الفترة، كان ثمة مشكلة حقيقية في علاقتي بالقصة القصيرة كفن، مع أنني بدأت ككاتبة فيها. تمثلت المشكلة في أنني كلما قرأت قصة لي بعد نشرها، كنت أشعر بأن فيها مساحات تخييل مضمرة لم تُستغل بعد، وأن عالمها يمكن توسيعه وإدخاله في سياقات جديدة. دفعني هذا أحياناً للتردد في نشر القصص القصيرة، رغم استمراري في كتابتها. كنت أحتاج إلى مزيد من الوقت للتأكد من أنها مكتملة في حالتها النهائية، ولن تغريني بإعادة الكتابة أو تلهمني مساحات تخييلية جديدة. وأظنني قد وصلت إلى حل ملائم ومساحة بينية بين القصة القصيرة والرواية في «أخيلة الظل» ثم «مأوى الغياب». في العموم، يغريني التجريب واختبار مساحات جديدة، وأرى أن الفن أساسه الحرية؛ حرية المبدع في اللعب مع شخصياته وبها بشرط عدم التكرار أو اجترار الذات. والإبداع يختلف عن النقد أو الـ non-fiction في أن مساحات اللعب والتجريب والابتكار أعلى».
يغريني التجريب واختبار مساحات جديدة، وأرى أن الفن أساسه الحرية؛ حرية المبدع في اللعب مع شخصياته وبها بشرط عدم التكرار أو اجترار الذات.
صيّاد الانتحالات الذاتية
منذ سنوات، ينشغل الروائي والقاص والإعلامي العماني سليمان المعمري بمهمة كشف الانتحالات في الصحافة العمانية والعربية، وأصبح صاحب رواية «الذي لا يحب جمال عبد الناصر» أحد المراجع العربية الرئيسة في هذا المبحث.
«الانتحال الذاتي» كان أحد أبرز المحاور التي بذل المعمري معها مجهودات كبيرة، فقد عمل طول السنوات الثلاث الماضية على كشف محاولات البعض لإعادة نشر المقالات نفسها في أكثر من صحيفة بعناوين مختلفة، وبدون إشارة، لذلك كان سليمان المعمري مرجعاً ممتازاً لطرح سؤال عن قيام الكاتب (الأديب هذه المرة) بالاقتباس من نفسه، سواء أكان ذلك باقتباس نص قديم أو شخصية قصصية وتوظيفه في نص جديد. يقول المعمري: «إعادة توظيف نصوص قديمة في نصوص جديدة أمر مشروع طبعاً، ولا غبار عليه. ولن يلومك أحد، في ما أتصور، إن رأيت أن قصة من قصصك التي سبق نشرها قابلة للاشتغال عليها من جديد وتحويلها إلى رواية، أو كما أوضحت هنا وضعها كاملة في سياق نص جديد طويل. مع إنني لو كنت مكانك لفعلت بالضبط ما فعلته منصورة عز الدين: أي إشعار القارئ أن هذا النص سبق نشره من قبل. وإن لم تفعل فلا تثريب عليك. الانتحال الذاتي أمر مختلف تماما، سأقرّبه لك بهذا المثال: أن تعيد نشر قصة «الشطحة الأرمنية» نفسها بعنوان جديد في مجموعة قصصية جديدة لك (مثلاً العنوان الجديد للقصة «أرمني يمشي بمهل») بدون أن تكون فيها أي إضافة أو معالجة جديدة سوى العنوان، فأنت في هذه الحالة دلّست على القارئ وأوحيت له بأنها قصة جديدة في حين أنها ليست سوى قصة قديمة ولكن بعنوان جديد. أما لو فرضنا مثلا أنك بصدد نشر مجموعة قصصية جديدة كل قصصها عن الأرمن وأردت أن تضمن «الشطحة الأرمنية» فيها رغم نشرها من قبل، فهذا أيضا جائز ولكن بشرط أن تخبر القارئ في الهامش أنه سبق نشر القصة».
ما بعد الحداثة
في مقدمة كتابه «أوهام ما بعد الحداثة»، كتب الناقد الإنكليزي تيري إيغلتون: «وأكثر صفة من صفات ما بعد الحداثة تميز هذا الكتاب هي اقتباسه ـ بلا حياء ـ من أعمال سابقة لي. فعلى الرغم من أن أغلب ما في النص جديد، فإنني قد سطوت على بعض كتابات سابقة خاصة بي. وهذه الكتابات ظهرت من قبل في (استعراض لندن للكتب، والملحق الأدبي لجريدة «التايمز»، وتدريبات النصوص، وسجل الاشتراكية). ولا بد أن أشكر ناشري هذه الدوريات لسماحهم لي بسعة صدر أن أعيد طباعة ما كتبت».
يرى الناقد المصري يسري عبدالله، أن استعارة الكاتب من نفسه ونصوصه السابقة قد تحمل نوعا من إتمام الرؤية التي يطرحها العمل.
الروائي والقاص المصري إبراهيم فرغلي، واحد من أصحاب التجربة التي وصفها تيري إيغلتون بـ«الاقتباس الذاتي»، والتي وصفها الكاتب المصري بـ«التكرار»، ولذلك عرضنا عليه مقولة إيغلتون وطلبنا تعليقه.. كتب صاحب «ابتسامات القديسين»: «أعتقد بالفعل أن سمة رئيسة من سمات ما بعد الحداثة هي فكرة «التكرار»، ولكنه ليس تكراراً لتأكيد حالة سابقة وإعادة طرحها بشكل نمطي، بل بإعادة تأمل سؤال جوهري ما من وجهة نظر أخرى، أو من موقع رؤية مختلف. شيء يشبه مثلا تكرار المشهد وتغيير الضوء والظل فقط في العمل التشكيلي، على غرار تجارب بعض الرواد مثل حسن سليمان، أو باستخدام شخص واحد يتكرر في أكثر من عمل كما هي مثلا شخصية ناثان زوكرمان في أعمال الأمريكي فيليب روث.
بالنسبة لي استخدمت قصة بعنوان «فراشات» كانت آخر قصة في ترتيب قصص كتابي الأول لكي تكون المرتكز لروايتي الأولى «كهف الفراشات»، التي تنبني تفاصيلها وأسئلة الراوي فيها على الحالة التي جسدتها قصة «فراشات»، والجزء الحديث أو المعاصر في فصول «كهف الفراشات» جاء كصدى أو انعكاس واقعي للطابع الأسطوري في الأجزاء الأسطورية في النص. كنت أحاول أن أرى امتدادات أو تكامل الأنواع السردية مع بعضها (القصة ـ الرواية)، ثم محاولة تجريب المزج بين التراثي والغرائبي مع الواقعي والمعاصر، في محاولة للالتفات لامتداد السؤال الوجودي الإنساني رغم تغير الظروف وتقدم الزمن.
أعتقد بشكل عام أن الكاتب عموما، لديه أسئلة لها أولوية يحاول أن يجيب عنها في أعمال سردية مختلفة، وأحيانا بأشكال فنية متباينة لو لديه مواهب متعددة، وقد لفت انتباهي قارئ نابه مؤخرا في تقديمي لنص كتابي في الرحلات «الحدود المصنوعة بالدم»، بين تتبعي في المقدمة لقدمي فتاة تضع خلخالا تسير في الرمال، وحنين في «جنية في قارورة»، وتوسيع رؤية ذلك في أفق أكبر له علاقة بالسؤال عن القوة الكبرى في الحياة، وهو ما جعلني أربطها أيضا ببطلة قصة فراشات، ثم في تجليها في «كهف الفراشات». وهو كما بدا لي، كان يتم أحيانا بوعي وقصد كامل كما في تكرار قصة فراشات في نص كهف الفراشات، أو بدون وعي أحيانا كما التفاتة القارئ اتي أشرت إليها، ما يجعل من ذلك نوعا من الهم الفني في التعبير عن موضوع ما، استجابة لإلحاح صورة أو ثيمة أو فكرة يرى الكاتب ضرورة الإلحاح عليها وتجربة قماشة الفن في مدى استيعاب قدرتها على تناول هذا الإلحاح بأشكال مختلفة».
التناص.. المتمم للرؤية
يرى الناقد المصري يسري عبدالله، أن استعارة الكاتب من نفسه ونصوصه السابقة قد تحمل نوعا من إتمام الرؤية التي يطرحها العمل، يقول مؤلف كتاب «جماليات الرواية العربية»: «تنفتح الكتابة على تقنيات متعددة، وآليات جمالية متجددة، وعبر هذا الفهم يمكن أن نجد أدباء يلجأون للتناص مع نصوصهم السابقة، ويتخذ هذا المنحى الفني صيغا جمالية مختلفة، من بينها أن يحيل الكاتب إلى أسماء نصوصه أو يشير إلى نص سابق له أو شخصية من شخوصه، مثلما نرى في رواية «العلم» للروائي المصري فتحي إمبابي التي يحيل فيها إلى روايته الأولى «العرس»، وإلى بعض شخوصها المركزيين في الروايتين مثل «ونيس» المثقف الذي يعاني اغترابا ذاتيا يخفق عبره في أن يكون ما يريده، والذي تزداد مساحة حضوره في الرواية الثانية «العلم»، ويصير بطلا مركزيا لها بعد أن كان من شخوص الرواية الأولى «العرس»، أو نجد أحياناً الشاعر يعارض نصه ويتماس مع نصوصه مثلما يفعل الشاعر المصري جمال القصاص في قصائده الجديدة التي تلت ديوانه «جدار أزرق»، وبما يعني انفتاحا للنص على جملة من الاحتمالات اللانهائية، فضلا عن احتفاء الأدب بذلك النسبي والمحتمل، وتخليه عن اليقين الجاهز والرؤى المعدة سلفا. واللافت في السياقين أن التناص هنا يتم على نحو مغاير، ويصبح متمما للرؤية الفنية وجزءا مركزيا منها، خاصة حين تتجاوز مجرد كونها تقنية يعتمد عليها البناء النصي».
٭ قاص مصري