يعتبر الاقتصادي اللبناني روي بدارو أن «سكين مجموعة غافي» سيبقى فوق رقبة لبنان إلى أن يسير في الإجراءات والتدابير المطلوبة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلّح، ولا سيما بعد صدور مذكرة توقيف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، متحدثاً عن ارتباط وثيق اليوم بين انتخابات رئاسة الجمهورية وتعيين حاكم جديد للبنك المركزي خلفاً لسلامة الذي تنتهي ولايته في تموز/يوليو المقبل، متوقعاً أن تدفع الضغوطات الدولية والتهديد بعقوبات على السياسيين اللبنانيين إلى إنجاز الاستحقاق الرئاسي قبل نهاية حزيران/يونيو، واصفاً تسليم وزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لودريان ملف لبنان بأنه بداية تغيُّر فرنسي في اتجاه سياسة أكثر واقعية.
بدارو، الآتي من عالم الصناعة والذي عمل مستشاراً اقتصادياً لبرنامج الوكالة الدولية للتنمية الأمريكية في العراق وهايتي وأفغانستان، وخبيراً في عدد من الدول، وأعّد ومجموعة خبراء لبنانيين دراسات عن السياسات العامة والاقتصادية في لبنان، يعتبر أن سنة 2023 هي سنة مصيرية على البلاد ومستقبلها، فإما أن نسلك درب الحل الإنقاذي بانتخاب رئيس للجمهورية قبل آخر حزيران/يونيو المقبل يكون على توافق مع رئيس الحكومة وحاكم مصرف لبنان، وإما سنذهب نحو الانحلال التام للدولة وتغيير في النظام المنبثق عن اتفاق الطائف وولادة مشاريع تقسيمية على نقيض للحالة اللبنانية التي نعرفها.
لديه اقتناع بأن لبنان هو «المختبر» الذي بإمكانه أن يُعطي أكثر من نموذج للبشرية جمعاء عبر التعايش المشترك بين الطوائف، وإذا فقد هذا الدور، أصبح بلداً ممكن الاستغناء عنه. لكنه يرى في الوقت نفسه أن تطوراً حصل عند اللبنانيين حين يعبّرون اليوم عن انتمائهم اللبناني، وسيكونون تالياً أمام خيارين عابرين لكل الطوائف: إما خيار الانفتاح على العالم، أو خيار العزلة والانغلاق. وإذ يعتبر أن على الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله أن يُعلن رؤيته لمستقبل لبنان كي يُطمئِن اللبنانيين، يلفت إلى أن أولى مؤشرات السير في الطريق الصحيح هي شخصية «الرئيس العتيد» الذي يجب أن يكون في صلب المشروع السيادي حتى يكون ضمانة للجميع، متحدثاً عن ضرورة عدم حشر «الثنائي الشيعي» في الزاوية وترك خطة خروج له كي يلتحق بمنطق الدولة. وهنا نص الحوار:
○ عقدت مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اجتماعاً خلال أيار/مايو في البحرين، وسبق الاجتماع تسريب معلومات مفادها أن لبنان قد يُوضع على اللائحة الرمادية. سيصدر تقرير المجموعة هذا الشهر، وهناك حديث عن قرار بمنح لبنان فترة سماح لاتخاذ الإجراءات التصحيحية لمعالجة الثغرات التي سيحددها التقرير، هل لديكم معطيات حول ما أفضى إليه الاجتماع؟
•نحن بانتظار التقرير، وأنا شخصياً أعتقد أنهم سوف يضعون «السكين فوق رقبتنا» إلى أن نسير بالإجراءات والتدابير المطلوبة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلّح التي أنشئت من أجلها مجموعة العمل المالي «غافي – فاتف». سيبقى الخطر طالما حاكم مصرف لبنان رياض سلامة موجوداً في مركزه، أما إذا استقال فسيكونون أكثر تعاوناً مع لبنان. نحن لسنا بعد على «اللائحة الرمادية» لكن من المؤكد أننا تحت المراقبة، ولا نستطيع الخروج من الرقابة قبل 14 – 16 شهراً.
هناك شقّان في عملية التقييم، الشق القانوني الذي يحتوي على القوانين الملائمة والمتوافقة مع قواعد الـ»غافي». الشق الأول يتعلق بالبلاد التي ليس لديها القوانين الملائمة، والتي عليها أن تقوم بجهد قانوني وتشريعي. أما الشق الثاني، فهو البحث فيما إذا كانت الدول التي لديها القوانين الملائمة متساهلة أم غير متساهلة بالعملية التطبيقية. في وضع لبنان، المشكلة ليست في عملية سن قوانين بقدر ما هي متعلقة بتطبيقها. ويعرفون جيداً أن العملية التطبيقية متعثرة، وأن وزارتَي العدل والداخلية اللبنانيتين والشرطة القضائية لا يطبّقون القوانين بالصرامة المطلوبة منهم. لذا أمامنا سنة حتى نبدأ بالبرهنة أننا جدّيون في التطبيق.
○ توقعت ذهاب لبنان إلى مرحلة صعبة في حال عدم استقالة سلامة أو إقالته؟ وقلت إن بقاءه لن يكشفه لوحده بل سيكشف مجموعة سياسية كاملة في لبنان؟ ما هي المخاوف الفعلية التي لديك؟
•كنت أُسلّط الضوء على ارتباط تعيين حاكم مصرف لبنان بإنجاز انتخابات رئاسة الجمهورية. هناك ضغوطات وتهديد بعقوبات صارمة على السياسيين إذا لم ينتخبوا رئيساً للجمهورية وإذا لم تتم دعوة الهيئة الناخبة من قبل رئيس المجلس. الرئيس نبيه بري دعا ولكن الدعوة بشكلها الحالي لن تفضي أبداً الى رئيس، إنما ستتحول إلى نقطة انطلاق للمرشح الذي لديه أعداء أقل وليس للذي لديه أصوات أكثر.
موعد حزيران حاسم لأنه علينا قبل انتهاء ولاية سلامة في آخر تموز/يوليو أن نكون قد قمنا بتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، وهذا يتطلب انتخاب رئيس جمهورية وتسمية رئيس حكومة وتأليف الوزارة. هذه الفرصة أو الفسحة مدتها شهر ونصف الشهر قبل الدخول في مرحلة مفتوحة على كل احتمالات الفوضى بعد تموز/يوليو. صحيح أن نائب الحاكم وسيم منصوري سيتسلم الموقع كما تنص القوانين في حال انتهاء ولاية سلامة من دون تعيين حاكم جديد، إلا أن الانتظام الدستوري مسألة أساسية لبدء المسار الصحيح.
○ هل المساعي الحقيقية تهدف إلى انتخاب رئيس جمهورية كيفما اتفق أم إلى صفقة متكاملة تشمل أيضاً رئيس الحكومة وتأليف حكومة وبرنامج إصلاحي؟
•في الحقيقة، طرحت منذ سنة ونصف اعتماد مبدأ الـ Ticket (على الطريقة الأمريكية حيث يكون رئيس الجمهورية ونائبه على توافق تام حول كيفية إدارة البلاد خلال فترة حكمهما). وبرأيي أن الخروج من المأزق لن يتم إلاّ بانتخاب رئيس للجمهورية يكون على توافق مع رئيس الوزراء وأكملتها بعنصر ثالث هو حاكم مصرف لبنان، أي أن يكون الاتفاق على الأسماء الثلاثة دفعة واحدة، ولا سيما أننا رأينا إلى أين أوصلنا الخلاف بين رئاستي الجمهورية والوزارة خلال السنوات السابقة. لكن الفرنسيين، لسوء الحظ، قاموا بعملية Swap «تعطونا واحد ونعطيكم واحد». ولم يأخذوا بمبدأ الـTicket اليوم بعدما فشلوا عادوا إليها واستمعوا إلى المنطق.
○ ماذا يعني تعيين جان إيف لودريان موفداً خاصاً للملف اللبناني؟
•لودريان يعرف مصائب لبنان جيداً ويدرك كيفية الحلول وهو قريب إلى السعودية. وهذا التعيين هو بداية تغيير المناخ الفرنسي الحالي تجاه لبنان إلى سياسة أكثر واقعية بعدما سُحب البساط من تحت قدمَي الفرنسيين نتيجة خطأ في التحليل. وأعتقد أنه سيسعى إلى التقاط ما يمكن الحفاظ عليه من السياسة الفرنسية.
○ هل من اضطرابات أمنية متوقعة في هذه المرحلة؟
•الاضطرابات الأمنية لن تؤدي إلى تسوية يطلبها ثنائي حركة أمل – حزب الله. الظروف التي خلقت اتفاق الدوحة تبدّلت. برأيي، أن «الثنائي» انتقل من فائض القوة إلى فائض الارتباك، ولكن المهم ألاَّ «نحشره في الزاوية» وعلينا أن نترك له خطة خروج من الوضع الذي يتمترس فيه كي يلتحق بمنطق الدولة.
○ هل من إمكانية لاتفاق واضح على معالم الخطة الإصلاحية، وموافقة حقيقية للتعاون مع صندوق النقد الدولي، لأن المعطيات تقول إن ليس هناك قرار بالتعاون؟
•صندوق النقد لم يُخبرنا بشيء جديد، ما أخبرنا به كنا نعرفه ونقوله، إنما صندوق النقد يملك «ختماً سحرياً» يجعل الاستثمارات تتدفق، ونحن لا نريد أن تكون هذه الاستثمارات دَيْناً بل نريدها استثمارات خارجية، وهي لا تأتي إلا إذا كان لبنان خارج اللائحة الرمادية الخاصة بالـ GAFI وأن يتزامن الأمر مع عدالة واستقلالية وسرعة القضاء ومع توفر القابلية لتطوير الاتفاقات الخارجية سواء أكان مع البلاد العربية أم مع الدول الأوروبية. هذه هي الشروط التي يجب توافرها. وأي فريق واع لهذه الأمور ومُواكب لها يعرف أن لا خروج عن خطة صندوق النقد، التي هي بحاجة إلى بعض الإضافات، لأنها هي التي تمنحك «الختم السحريّ». ولكن لسوء الحظ لجنة المال والموازنة في مجلس النواب أفسدت الأمر، وأوصلتنا إلى «شيكات الـ10%» (خسارة الشيكات البنكية 90 في المئة من قيمتها) رغم أنه كان بإمكاننا النهوض من جديد، لكن تعنّت بعض المصرفيين، أوصلنا إلى هذه الحال، واعتقدوا أنهم بذلك يمكنهم الوصول إلى «الليلرة» (تحويل الودائع بالعملة الصعبة إلى الليرة اللبنانية). وكان قائد هذه العملية هو رياض سلامة، وهي تندرج في إطار سياسة الهروب إلى الأمام. ورأينا ماذا حل بالمُودِعين وبالمستهلك اللبناني وباللبنانيين عامة.
○ ماذا كان على لجنة المال والموازنة النيابية أن تفعل؟ وهل كانت لتقوم بذلك وهي انعكاس لتركيبة المنظومة السياسية؟
•كان على لجنة المال وبالتالي مجلس النواب أن يُقرّ بسرعة «الكابيتال كونترول» لا أن يقوم بعمليات التفاف ومن ثمَّ يضع بنوداً تحمي بعض المصارف في الفترة الماضية، وتُحتّم في بنود أخرى على المودعين العودة إلى القضاء، فيما هناك بؤر غير نزيهة في القضاء. والأمر الثاني هو أنه كان يجب عليهم رفع السرية المصرفية فوراً، وأن يكون هناك نضوج ومسؤولية في النظام المالي لنقول لدول العالم كله أن ليس لدينا سرية مصرفية وعندها سيتبخر نحو 30 – 40 مليار دولار من الودائع «القذرة» المخبأة في لبنان، وهي أضرّت بالبلد ولم تنفعه. خروج الودائع «القذرة» غير المستحقة ستسمح بأن يستعيد المُودِع اللبناني الشريف أكثر من الـ100 ألف دولار التي وعدت بها الحكومة. ولكن هذا يحتاج إلى جرأة سياسية وهي غير موجودة عند أحد في هذه الأيام.
○ منْ سيفتح هذا الصندوق الأسود، والذي سيكشف لمن تنتمي الـ30 – 40 ملياراً من الودائع القذرة؟
•ليس مهماً لِمنْ. حين حصلت الأزمة المالية في قبرص، خسر متمولون روس كثيراً من ودائعهم (غير النظيفة) في البنوك القبرصية. وهنا في لبنان، علينا أن نُخسِّر كل مودع لبناني أو غير لبناني لديه أموال قذرة. ما عاد مهماً التركيز على الآثار والمفاعيل الرجعية للقوانين، بل من الضروري معرفة الشروط لبناء لبنان المستقبل بغض النظر عن الكلفة وحتى عن دستورية القوانين التي هي غير مقدّسة. يجب أن نُعيد بناء المستقبل على قواعد مختلفة عن نموذج الماضي.
○ في لغة الأرقام كم هي الفجوة المالية لدى مصرف لبنان، وما هو حجم الديون والودائع سواء النظيفة أو القذرة؟
•هناك رقمان مهمان تعود المسؤولية فيهما حصراً لحاكم المصرف، أولاً تثبيت سعر الصرف الذي كلّف 35 مليار دولار، و«الهندسات المالية» المباشرة وغير المباشرة، الظاهرة والمبطنة، التي تُقدَّر بـ20 ملياراً. هذان الرقمان يُشيران إلى حجم الهوّة الكبيرة.
○ هل كلفة تثبيت سعر الصرف عبر 25 سنة الماضية هي ذاتها أم أضحت مكلفة في زمن محدد؟
• كان يجب أن تظهر نتائج الخلل بالنسبة إلى كلفة الصرف الفعلية أو الحقيقية من قبل. ولكننا اشترينا الوقت من خلال باريس1 (2001) وباريس2 (2002) لدعم لبنان اقتصادياً ومالياً. استمرت سياسة تثبيت سعر الصرف التي بدأت منذ تشرين الثاني/نوفمبر 1997. ما قالوه حينها للبنانيين إن عليهم أن يستهلكوا أكثر من اللازم وعلينا أن نستدين من هذه الأموال أو أن نستدين من الخارج أو نستدين منكم على حساب مستقبلكم. المشكلة الأكبر حصلت عندما دخلت أموال كثيرة إلى لبنان خلال الأزمة العالمية في الـ2008. كان علينا أن نقوم بـ«الكابيتال كونترول» عند دخول الـ Hot Money (الأموال الساخنة المتدفقة من الخارج) وليس عند خروجها. في الـ2020 كان علينا أن نقوم بـ«الكابيتال كونترول» على الأموال الخارجة. ولكن لو قمنا بهذه العملية عند دخولها البلاد في الـ2008 – 2009 لما دخلت هذه الأموال التي لم يكن من بلد آخر مستعد لاستقبالها غير لبنان ولم يكن يدري أين يستثمرها. في 2017، قلت لأحد مسؤولي صندوق النقد الدولي المسؤول المعني بملف لبنان كريس جارفيس إن هناك مبالغة في تقييم قيمة الليرة اللبنانية، فأجابني: نعم وبنسبة 46%. علقت: أشكرك، أنت تُقرُّ بذلك.
الأمور في لبنان كانت واضحة، ورياض سلامة أخفى 14 صفحة من تقرير صندوق النقد الدولي في الـ2016 حول الوضع المالي في لبنان، وهذه جريمة تجاه لبنان عندما تمَّ إخفاؤها. كان بإمكانه أن يدقَّ ناقوس الخطر لبث الوعي لدى المواطنين أو المسؤولين الذين كانوا حينها يتوزعون الحصص في إدخال مجموعات جديدة من الموظفين في القطاع العام عند إقرار «سلسلة الرتب والرواتب» قبل انتخابات 2018. العملية برمتها كانت واجهتها نقدية وداخليتها مصالح سياسية. ولذا كنت أقول دائماً إن هذه الطبقة الحاكمة مسؤولة بالتكافل والتضامن. كان يجب أن يُقال رياض سلامة منذ ذلك الوقت لأنه حمى منظومة سياسية كانت تقول إن الأزمة ستمرّ مع الوقت ونعود إلى ما كنا نقوم به.
○ كان دائماً في البلد رهان سياسي على أن الخارج لن يترك لبنان، ما سيدفع المجتمع الدولي لضخ الأموال. وهناك اعتقاد بوجود فريق يمارس الابتزاز ويستمد قوته من لعبة الابتزاز والتهديد وتخريب المجتمعات…
•إذا كنت تقصدين حزب الله، فتمويله تضاءل، لأنه عندما حصلت ضيقة مالية في إيران، اتجهت بيئته نحو سوق الكبتاغون والمخدرات لتعويض ما كانت تُرسله إيران من أموال بحدود 700 مليون دولار سنوياً، فجعلوها عملية ابتزاز طالما الحرب مفتوحة. أما ابتزاز الدولة فليس «حزب الله «هو المسؤول عنه، بل الكل في الدولة من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة والوزراء واللجان والنواب الذين صوتوا على الموازنات ومرروها. كلهم يتحملون المسؤولية.
○ تعتبر أن 2023 سنة مصيرية ستحدد المستقبل الذي سيكون عليه لبنان، هل ترى أن هناك فرصة أمام البلد لكي يسير على السكة الصحيحة؟
•إما أن ننتخب، قبل آخر حزيران/يونيو المقبل، رئيساً للجمهورية يكون متوافقاً مع رئيس الوزراء وحاكم مصرف لبنان، وأنا لدي الأسماء الثلاثة ولن أبوح بها، وإما نحن ذاهبون باتجاه الانحلال التام للدولة وتغيير ليس فقط في نظام الطائف إنما باتجاه شيء مختلف تماماً لا يُشبه الحالة اللبنانية التي نعرفها.
○ أنت من القائلين إن لبنان بلد يمكن الاستغناء عنه إذا لم يستطع تحديد دوره المستقبلي. كيف؟
•إنْ هاجر اللبنانيون، وهم اليوم يُهاجرون، فستخسر البشرية! لأن لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي لديه المقدرة على التعايش فهو يضم مسيحيين بمذاهب مختلفة، وسنّة وشيعة وحتى يهودًا، ولو أن عددهم لا يتخطى الـ60، وهو «المختبر» الذي بإمكانه أن يُعطي أكثر من نموذج للبشرية جمعاء. التطوّر الحاصل اليوم هو أنك إذا سألت أي مواطن لبناني، أيًا كان مذهبه وحتى لو كان من الذين يحملون العلم الإيراني، فسيجيبون بأن انتماءهم للبنان. هذه الحالة تحتاج إلى وقت طويل. اليوم أصبحت لدينا خيارات مجتمعية ضمن خيارين، فإما خيار الانفتاح على العالم، أو خيار كوريا الشمالية وسوريا وغيرهما. هذه الخيارات عابرة لكل الطوائف وعلينا أن نمرَّ بمخاض سوف يؤدي إلى وصول فريق عمل يستطيع القيام بعملية انتقال خلال العام 2023، ولهذا قلت إن هذه السنة مفصلية.
○ ذكرت أننا قد نصل إلى شيء لا يُشبه لبنان، ماذا سيُشبه؟
•أتمنى ألا نذهب إلى نموذج تقسيمي سواء أكان دينياً أم غير ذلك، فجمال لبنان بتنوعه. نرى رجال دين مسيحيين ومسلمين يتحاورون بشكل راقٍ جداً، لكن السياسيين يقتلون إمكانية التحاور لأنهم وضعوا حتى في المجال الديني أناساً يتعاطون مع الأمور بخلفية سياسية أكثر منها خلفية دينية. ما أتمناه هو تراجع أهل الدين ومن جميع الطوائف عن السياسة، لكنهم يقولون إن المساحة السياسية تحوّلت إلى مشروع سلطوي.
○ في النهاية يجب الوصول إلى حل، هل في الأجواء الإقليمية والدولية المحيطة بنا والأجواء الداخلية ما يشي بأننا أمام فرصة الوصول إلى تسوية وحل ينقذ لبنان ولا نبقى ندور في حلقة دوامة الصراعات كل 20 سنة.
•أنا أتصوَّر أن جدية المرحلة تتمثل بالقفزة النوعية التي قام بها محمد بن سلمان في السعودية والتي هي عبارة عن قفزة لخمسة أو ستة قرون إن لم يكن أكثر. وستتأثر بها دول المنطقة، وستصيب تأثيراتها الجميع ومن بينها إيران والتنظيمات التابعة لها. أنا لا أستبعد أن تتأقلم أيديولوجية حزب الله لجهة ولاية الفقيه مع الواقع اللبناني. وأعتقد أن على السيد نصر الله أن يُعلن عن رؤية حزب الله لمستقبل لبنان وليس فقط عن العملية السياسية، هذا الذي يُطمئن ويخلق أجواء جديدة نحن بانتظارها وإلا سيبقى القلق مسيطراً على الباقين.
○ هناك سؤال محيِّر حيال كيفية قراءة الخارطة الاجتماعية المعيشية المالية للبنانيين اليوم، فحجم التناقضات في لبنان على المستوى المعيشي والحياتي كبير جداً، كيف تقرأ هذا المشهد من الناحية المالية والاقتصادية والاجتماعية؟
•في الماضي كان عندنا تفاوت كبير فأُنشئت حركة المحرومين «أمل» في وقتها لوجود حزام بؤس يحيط ببيروت عندما بدأت الصناعة التي قامت بسواعد يد عاملة رخيصة. أما اليوم فالتفاوت ازداد وخاصة بعد قرار البرلمان ولجنة المال والموازنة بعدم القبول بأرقام الخسارات التي أصدرتها شركة «لازارد» والتي تبيَّن أنها صحيحة.
اليوم بإمكاننا تصنيف اللبنانيين ضمن 5 فئات: الأولى، هي التي تشتري وتبيع بالدولار سواء في التجارة أو الأعمال المهنية، وهؤلاء نحو 20 بالمئة استفادوا من هذا الوضع. الفئة الثانية هي التي تصلها تحويلات من الخارج ابتداء من 500 إلى 5000 دولار، واستفادت من تحويلات أبنائها أو أقاربها الذين هاجروا رغم الكلفة الاجتماعية لهجرتهم. أما الفئة الثالثة وهم موظفو القطاع الخاص الذين يتقاضون جزءاً من رواتبهم بالدولار أو «اللولار» أو بالليرة اللبنانية، حسب إمكانات ربّ عملهم، هذه الفئة كانت تمثل الطبقة الوسطى بينما الآن تعيش حالة اهتزاز وتقف «على الشوار». أما المصيبة فتكمن في الفئتين الرابعة والخامسة. الفئة الرابعة، وهي موظفي الدولة العاجزة عن دفع كل رواتبهم التي يتقاضونها بالليرة اللبنانية. نحن هنا نتحدث عن نحو 330 ألف راتب. والخامسة، وهي المعدومة تماماً، والتي تشكّل 20 بالمئة حسب بيانات البنك الدولي، فدخلها لا يزيد على 2000 دولار سنوياً للشخص وهؤلاء يحصلون على إعانات. أود لفت النظر إلى أن هناك تداخلاً بين الفئات التي تحصل على تحويلات من الخارج وبعضها قد يكون من الفئات الثالثة والرابعة والخامسة.
هذا الأمر يُظهر تفاوتاً كبيراً بين الطبقتين الخامسة والأولى وحتى بين الطبقتين الرابعة والثانية مما ينسف التماسك داخل البلد، نحن لا نستطيع أن نستمر بمبدأ «الشحادة» وطلب الإعانات من البنك الدولي. الحل الوحيد هو أن نبني البلد على أسس صحيحة، تتجلّى بضبط الحدود البرية والبحرية والجوية وتحسين الجمارك وتصغير القطاع العام إلى حدود مقبولة مع أمان داخلي، وصرامة أكثر فعالية في القرارات القضائية، ولا يجوز الإبقاء على عديد 150 ألفاً من قوى عسكرية وأمنية. علينا الاتفاق على كيفية بناء دولة حديثة، وإلا سنبقى في فقر، وسنذهب إلى فقر أكبر. لذا أقول إن هذه السنة مفصلية.
○ اعتبرت أن هذه السنة مفصلية. ولكننا قد نسلك طريق الحل الصحيح بعملية متكاملة، وقد تكون عملية متجزأة لشراء الوقت برهانات ربما خاطئة، متى تظهر نتائج الاتجاه الذي نسلكه وأي إشارات تدل على أننا نسير في طريق الحل الصحيح؟
•سأُبسِّط الأمر، مؤشرات أننا على طريق صحيح هي شخصية الرئيس العتيد، الذي يجب أن يكون في صلب المشروع السيادي حتى يُطمْئِن الجميع.
لا حلول بعملية شراء الوقت لأنها عملية تكاذب. الخشية من عملية حصول تأقلم في لبنان ومما أسميه Depopulation الذي يعني أمرين أساسيين، الأول هو الهجرة. ما يحصل أن الولادات تتراجع والهجرة تتزايد، وهذا معناه أن لبنان يتقلّص، وهذا يُسمى «التصحر الديموغرافي»، لكن الأمر الأخطر على المدى الطويل هو نسبة الإنجاب التي يجب أن تكون بحدود 2.1 بالمئة وأضحت اليوم 1.6 في المئة. كانت الولادات بمعدل 90 ألف ولادة سنوياً والآن أصبحنا بمعدل 60 ألفاً، ويمكن أن نصل مستقبلاً إلى 40 ألفاً، بينما اللاجئون السوريون ينجبون 48 بالمئة من الـ60 ألفاً. وإذا استمر هذا الأمر فستتبدل النسب مع الوقت، بحيث تصبح ولادات اللبنانيين سنوياً 40 في المئة والولادات السورية 60 في المئة وهنا سيظهر التبدل الديموغرافي الذي هو الخطر الأكبر على لبنان.
○ وكأنك تعتبر أن ليس هناك حلاً للأزمة السورية خلال 8 إلى 10 سنوات المقبلة وأن السوريين لن يعودوا إلى بلادهم؟
•أنا أتحدث عن السيناريو السيئ. الجيل الأول من اللاجئين السوريين جاء إلى لبنان منذ بداية الأزمة السورية 2011. هذا الجيل الأول أنجب الجيل الثاني الذي أصبح معدل أعماره 10 سنوات، وبالتالي هذا الجيل الثاني سيتوالد بعد نحو 8 سنوات (كمعدل إنجاب في سن 18) فنصبح في الجيل الثالث الذي اعتاد على طبيعة الحياة اللبنانية وعلى المساعدات الأممية التي تصله شهرياً، فبات صعباً عليه أن يعود إلى بلده. وهنا يحصل استبدال وتغيير ديموغرافي سيدفع ببعض الطوائف إلى الانغلاق على نفسها طلباً للحماية، في إطار فيدرالي أو تقسيمي، سيوصل لبنان إلى مكان لا يشبه لبنان الحالي.
الذي ينقذنا من هذا الوضع هو وجود رئيس جمهورية ورئيس وزراء وحاكم لمصرف لبنان يتمتعون بمواصفات متكاملة، وإلا سنذهب إلى مكان آخر.