بعد الحرب الكونية الثانية اقترفت الدول المنتصرة بقيادة أمريكا والغرب – بين خطايا كثيرة وكبيرة في حق البلدان الأخرى غير الأوروبية’والغربية ـ خطيئة تسمية بلدان العالم الأخرى بالبلدان النامية، لإشعارها بالتخلف والتبعية لها والاعتماد عليها، فتعود العالم على مفهومين سياسيين ‘الدول المتقدمة’ و’الدول النامية ‘، طبعاً تم ذلك بدوافع اقتصادية استنزافية بطلها الدول المنتصرة أو المستكبرة، وضحيتها أو فريستها الدول الأخرى.
في الوقت الحاضر تتعالى صيحات من كثير من المفكرين الاقتصاديين كالصيني لونغ يوغتو، والهندية شالا كومان، بضرورة تطليق مثل هذه المفاهيم، إضافة إلى مفاهيم اقتصادية جديدة أخرى ظهرت خلال العقد المنصرم مثل ‘الاقتصادات الناشئة ‘ و’بركس’، لأنها تنظر إلى دول العالم التي يقدر عددها بمئتي بلدٍ، حسب الناتج المحلي السنوي أو على أساس اقتصاد’دخل الشخص،’والسبب لأن مثل هذه المعايير ببساطة لن تحل مشكلات التنمية في العالم، ولذلك ينبغي استبدالها بمفاهيم ومعايير اقتصادية حضارية إيجابية وموضوعية مشرقة’مثل ‘النمو الاقتصادي الأخضر والمتنوع وذي الجودة النوعية والعيش الكريم للشعوب.’
إذن التحدي الاقتصادي القادم هو الانتقال بالاقتصاد العالمي إلى النمو والتحول والإصلاحات. والمسألة لا تكمن فقط في نبذ تلك المفاهيم فحسب، بل ونبذ كل ما تنطوي عليه تلك المفاهيم من تعالٍ معرفي متوارث في تلك المفاهيم، مثل أنه ليس كل شيء في الاقتصاد الصناعي يعمل بشكل أفضل من الاقتصاد الناشئ .
لا ريبَ في أن أمريكا وأوروبا تنظران بعين المتعلم إلى تجارب الاقتصادات الناشئة، نتيجة الأزمات المالية التي تمر بها معظم أوروبا وأمريكا وتزايد عدد العاطلين عن العمل من فئة الشباب، وانجرار دول أوروبية إلى أمريكا في حربيها الخاسرتين في العراق وأفغانستان التي ـ حسب محللين أمريكيين وأوروبيين ـ كلفت أمريكا أكثر من ستة تريليونات دولار منذ العام 2001، بالإضافة إلى الخسائر الهائلة في الأرواح والتضاريس النفسية الاجتماعية الناتجة عن حالات انتحار للجنود الأمريكيين والبريطانيين، تحديداً في العراق وأفغانستان أو بعد عودتهم إلى بلدانهم، الأمر الذي أدى إلى أن بعض حلفاء أمريكا في أفغانستان، مثل الفرنسيين والهولنديين والدنماركيين والنرويجيين والإيطاليين، آثروا السلامة بالانسحاب من التحالف نتيجة الضغط الشعبي على إثر الخسائر البشرية وتنبههم إلى التضليل الأمريكي الأنكلوسكسوني.
المهم أن التحدي الأعظم الآن الذي تواجهه الاقتصادات الناشئة، ومن ضمنها اقتصادات دول البركس: البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب افريقيا (تجمع بينهم صفات مشتركة كسوق كبيرة ومعدلات نمو سريعة ومستدامة)، هي أن تبدأ في الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر والمنوع، وإعادة النظر إلى العالم من حيث مستويات حماية البيئة والعدالة الاجتماعية.’وإذا لم تستطع هذه الدول التصدي بنجاح لهذا التحدي فإنها ستفشل غالباً في تحقيق التنمية المستدامة خلال السنوات العشر المقبلة.
إذا نحن افترضنا أن الاقتصادات الصناعية والناشئة لديها مشكلات مشتركة بنسب متفاوتة – يمكن القول إذن على الجميع في هذه الحالة الاتفاق على الفرص الاقتصادية الناتجة عن التفاهمات والعلاقات البينية بين الدول بغرض التحول إلى اقتصاد أخضر منوع ومستدام. ومما يساعد على ذلك وجود إجماع عالمي على إعادة النظر في مفاهيم النمو الاقتصادي، بحيث يتضمن بشكل رئيس النمو الأخضر المنوع الذي لا مناص منه لمستقبل الاقتصاد العالمي . ربما الباعث على إعادة التفكير المشار إليها تُعزى بين عوامل أخرى، إلى انحدار معدل النمو للاقتصادات الناشئة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 من 8.5 في 2010 إلى 5.5 في 2012 ‘.
ما يهمنا أكثر هنا هو أين يقف العالم العربي من كل هذه المتغيرات والطروحات الاقتصادية؟ ما نلاحظه أن معظم العالم العربي مطحون في الثورة الشعبية والثورة المضادة لها، التي في الغالب تحركها أجندات أجنبية كما هو واضح صارخ سافر في مصر، إذ أن الدور الإيباكي الصهيوني لم يعد يخفى على أحد في الثورة المضادة للثورة الشعبية المصرية التي أتت بأول رئيس منتخب ديمقراطياً لأول مرة في تاريخ مصر الممتد على مدى اثنتي عشرةَ ألف سنة. لم ‘يرُق ذلك للإيباك وإسرائيل لأنه لأول مرة في تاريخ الصراع تمكنت ‘حماس’ في فرض شروطها على الدولة الأقوى النووية في الشرق الأوسط، ويرجع الفضل إلى وجود نظام حكم وطني منتخب في مصر. ‘
اقتصاديا يمكن لدول الخليج العربي مجتمعة مثلاً أن تحذو حذو دول ‘البركس’ بشرط تحقق سوق خليجية مشتركة، وهي سوق كبيرة في حالة الاتحاد الاقتصادي يرفده غنى دول المنطقة نفطيا وغازيا، والنمو الاقتصادي السريع ونجاح بعض دول المنطقة، كدولة قطر ودولة الإمارات في إنتاج الوقود الخالي من الرصاص للسيارات والمركبات، حماية للبيئة بتقليل تأثيرات الكاربون دايكسايد عن طريق تركيب مصاف، أو اعتماد الفلترة، وانتهاج طرائق وتبني خطط اقتصادية أخرى صديقة للبيئة. ‘
ويبقى ربما الاتجاه إلى مزيد من الخطوات في مجال تخضير الاقتصاد وفي مجال التنويع كأن تهتم بشكل متوازٍ بالإنتاج الزراعي والصناعي المستقل غير المرتبط بالنفط والغاز.’ ‘ ‘ ‘ ‘
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري ‘