على خلفية التوقعات المتشائمة بمدى التداعيات السلبيات لجائحة فيروس كورونا على الاقتصاد الروسي في المستقبل المنظور، تعلن الأوساط الحكومية عن وجود قدرات كافية للتغلب على الأزمة الماثلة، وستقدم وزارة التنمية الاقتصادية في روسيا بحلول 9 نيسان/أبريل الجاري إلى مجلس الوزراء الفيدرالي، سيناريو إنماء الاقتصاد الروسي في ظل وباء فيروس كوفيد-19. صرح بذلك وزير التنمية الاقتصادية مكسيم ريشيتينكوف، وتوقع المسؤول أن تكون عواقب فيروس كورونا على الاقتصاد أكثر شمولا والأضرار أشد مما كان متوقعا في كانون الثاني/يناير الماضي.
ستؤدي الأزمة إلى نمو القطاع العام والتأميم
وفي إشارة إلى العوامل المؤثرة على حالة الاقتصاد الروسي، يلفت الخبراء إلى مواصلة انخفاض أسعار النفط، على الرغم من حقيقة أنها توقفت الأسبوع الماضي عند أدنى مستوياتها منذ 13 شهرًا، بسبب فيروس كورونا، كما انخفض استهلاك النفط في الصين بنسبة 20 في المئة. ويقول محللون إن سعر نوع برنت قد ينخفض إلى 47 دولارا للبرميل. ولا يستطيع الخبراء حتى الآن التنبؤ بعواقب الفيروس المتفشي، على الاقتصاد العالمي، لكنهم يتفقون على أن الضرر سيكون خطيراً.
ومع تشكل أفق غير واعد للقطاع الخاص الروسي، وتلقيه ضربات قاصمة، وعدت الحكومة بتقديم الدعم له، بما في ذلك القطاع الخدمي الذي أصبح المتضرر الأكبر من الإجراءات التي تتخذ في البلاد للحد من انتشار كوفيد-19. وستخصص الحكومة 1.4 تريليون روبل لمحاربة فيروس كورونا والإجراءات المضادة للأزمات الناجمة عنه، كما قال رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين. كما دخل حيز التنفيذ القرار القاضي بوقف حالات إثارة قضايا على إفلاس المؤسسات والأشخاص، لمدة ستة أشهر، وتأجيل الضرائب على الشركات الصغيرة والمتوسطة (باستثناء ضريبة القيمة المضافة) وأقساط التأمين للمشروعات الصغيرة. وقد تم وضع تدابير تقضي بتأجيل الفائدة لمدة ستة أشهر، وأصول القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما يجري النظر في فرض حظر على دفع الغرامات، وفرض حظر مؤقت على تجميد حسابات الشركات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب المشاريع الفردية. ولا يُسمح إرسال مطالب ضريبية حتى الأول من أيار/مايو لقطاعات الاقتصاد الأكثر تأثراً بفيروس كورونا وهي خدمات المطاعم العامة، وخدمات المستهلكين، وشركات الطيران والسفر، والرياضة، والثقافة ودور السينما. وستتمكن الشركات الصغيرة من تحويل مدفوعات القروض لمدة ستة أشهر. أيضا ستكون الشركات الصغيرة والمتوسطة، الأكثر تضررا، قادرة على عدم دفع الغرامات وتلقي العقوبات على المدفوعات المتأخرة عن خدمات الإسكان، وفي حالة المتأخرات، يُحظر تعطيل خدماتها.
وقال ميشوستين أنه تم تخصيص 150 مليار روبل لتوفير القروض والسلف للشركات الصغيرة والمتوسطة لدفع رواتب موظفيها. بالإضافة إلى ذلك، وافقت الحكومة على تأجيل للشركات الصغيرة والمتوسطة في دفع إيجارات الملكية الفيدرالية وفي الوقت نفسه تخفيض الضرائب العقارية على المؤجرين عن طريق خفض أسعار الإيجار أو تأجيل المدفوعات للمستأجرين من فئات تجارية معينة.
تشاؤم
وينظر العديد من الخبراء بتشاؤم ملموس إلى آفاق الاقتصاد في روسيا في المستقبل المنظور في ظل جائحة فيروس كورونا، رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها الحكومة في اتجاه صموده، وضمن هذا السياق يرى الكسندر ديفياتوف كبير المحللين في الشركة المالية “اورال سيبير”: “إن إجراءات الحجر الصحي في روسيا أدت إلى انخفاض حاد في الاقتصاد” وتوقع أن يؤدي الانتشار السريع لوباء فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن تدابير الحجر الصحي التي تم إدخالها في الاتحاد الروسي، إلى انخفاض حاد في الاقتصاد الروسي في المستقبل القريب جدًا. وأضاف ” في رأينا، إن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية لشهر آذار/مارس الماضي، على الرغم من تدهورها، كانت جيدة للغاية في معظم القطاعات. وفي الوقت نفسه، وفرت الزيادة الملحوظة في مبيعات السلع الأساسية أداءً جيدًا في قطاع المفرد، في حين أظهر قطاع الخدمات ديناميكيات سلبية في الشهر الماضي”. وتوقع الخبير: “في نيسان/أبريل، سينخفض الاقتصاد الروسي بحدة، وستتجه وتيرة الركود، في جميع الاحتمالات، إلى الضعف”.
وتدعم هذا الرأي أيضا بوابة “برافدا. رو” ذات الاتجاه اليساري وتقول “إن التدابير الحالية، والحجر الصحي وتعطيل العمل، تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد، ولا سيما على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وأحيانًا الكبيرة”. وفي رأيها أنه وعلى الرغم من حزمة التسهيلات للقطاع الخاص التي أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين، والتأجيلات، وعدم جواز إفلاس الشركات، فإن رجال الأعمال لن يراكموا رأس مالهم، وحتى بالنسبة لأولئك الذين يواصلون نشاطهم العملي على الرغم من كل شيء. لأن الناس يجلسون في المنزل. وإذا خرجوا، فحينئذٍ إلى أقرب المتاجر للحصول على أكثر ما يلزم”.
ويعتقد بعض الخبراء أن الأزمة الاقتصادية في روسيا ستؤدي إلى نمو القطاع العام والتأميم، ولكن هذا الأخير لن يعطي الاستقرار المتوقع. وكما قال المفوض الرئاسي لحماية حقوق رجال الأعمال بوريس تيتوف، فإن تأميم الشركات سيضمن الحفاظ على الوظائف والأجور وإنتاج المنتجات المهمة، ولكن قطاعي الخدمات والتجارة سيظهران عدم كفاءة صارخة. ووصف تيتوف الوضع الحالي في الاقتصاد بأنه صحراء. وقال “في الواقع أن الاقتصاد الروسي، الذي يواجه العواقب السلبية للوباء، وهبوط أسعار النفط، يتعرض لضربة لا يمكن مقارنتها مع 1998 أو 2014”.
وأعربت أولغا ليبيدينسكايا، الأستاذة المساعدة في الجامعة الروسية للاقتصاد، عن رأي مفاده أن الخيار الحقيقي والوحيد في روسيا في الواقع “هو العودة إلى اقتصاد الدولة”. وقالت: أن تأميم بعض المؤسسات الاستراتيجية سيخفف جزئيًا من التوتر في المجتمع، لكن ستكون له آثار سلبية على الحمائية الصارمة”. بيد أن بعض الخبراء يعتقدون أن “نصيب القطاع العام في بلدنا مرتفع للغاية بالفعل”. وكما توضح ناتاليا تشوركينا، المحللة في معهد الدراسات الاستراتيجية المتكاملة، فإن القطاع الأكثر ضعفًا، قطاع الخدمات يتكون من شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، ومن الواضح أن اختفائه “ليس هو ما يحتاجه الاقتصاد المُعافى”. وخلص رئيس منظمة الحق في الدفاع، أندريه تيوتيونين، إلى أن ظهور صالونات تصفيف الشعر الحكومية ومحلات البقالة وشركات المحاماة وشركات السفر سيعيد المجتمع إلى الوراء ويجعل الاقتصاد غير تنافسي.
ورسم خبراء من الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة صورة متشائمة لما ينتظره قطاع وفي رأيهم إن الروس سيفقدون جزءاً من رواتبهم وحتى ستضطر بعض المؤسسات في نيسان/أبريل وايار/ مايو المقبل إلى تسريح العاملين لديها. وبينت الاستطلاعات التي أجريت بين ممثلي الشركات التجارية والصناعية أن ما لا يقل عن 7 ملايين مواطن قد يفقدون مصادر معيشتهم. في الوقت نفسه، سيكون من الصعوبة عليهم العثور على وظائف جديدة، وهذا ما يعني زيادة نسبة البطالة. وهذه المرة، لن تنقذ ما يسمى بالأجور “الرمادية” و”عمليات الظل” أي شخص. وقامت العديد من الشركات في شهر آذار/مارس بتعين موظفين جدد، ولكن من غير المرجح ان تحافظ المؤسسات على هذه السياسة في ايار/مايو. ووفقا لمعطيات تيتوف “يجري التخطيط لخفض الملاك أو تخفيض أجور الموظفين في 49 في المئة من مؤسسات الخدمات (باستثناء السياحة) والتموين و45 في المئة من الفنادق و37 في المئة من المتاجر التي تبيع المواد غير الغذائية و26 في المئة من شركات النقل. وأكثر من 20 في المئة من شركات التصنيع والبناء.