الاقلف لعبد الله خليفة: حاضر وماضي الكبت الجنسي والتطرف الديني في دول الخليج
فيصل عبد الحسن الاقلف لعبد الله خليفة: حاضر وماضي الكبت الجنسي والتطرف الديني في دول الخليجتعود سنة الختان إلي النبي إبراهيم عليه السلام، والختان ميثاق بينه وبين الخالق، وقد ورد ذلك الميثاق في التوراة في النص القائل: ـ وقال الله لإبراهيم: أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم، يخـتـتن كل منكم، فتختنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم، فيكون عهدي في لحمكم عهد أبيا.يضعنا الكاتب البحريني عبد الله خليفة في روايته الجديدة الأقلف في إشكالية الصراع العقائدي ـ الديني ـ مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة، فاستخدم الإرساليات التبشيرية، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق، وأغلب تلك الإرساليات جاءت علي شكل بعثات صحية وتعليمية لمساعدة السكان العرب ومن خلال عملها ذلك كانت تحتك بهم فكريا وعقائديا لتغيير قناعاتهم الدينية والفكرية، بالرغم من أن القائمين علي تلك الإرساليات ـ كما يخبرنا الروائي في متنه الروائي ـ غير مؤمنين بما يقومون به من فعل عقائدي وأن عملهم كان ستارا لتكريس وجود دولهم الاستعماري في المنطقة من خلال البحث عن أتباع محليين يمكن تجنيدهم بمختلف وسائل الإغراء، ومن بين تلك الإغراءات، استخدام الجنس من خلال توظيف الممرضات الأوروبيات الجميلات للتــأثير علي الشباب المحليين من السكـــان العرب وتغيير قناعاتهــم الدينية، كما في حالة علاقـــــة يحيي ـ بطل الرواية ـ و ميري الممرضة في مستشفي الإرسالية الأمريكية واللقاءات الغرامية التي كان يشجعها تومسون الكنائسي والطبيب بالمستشفي بيحيي المشرد الذي لا أصل له ولا عائلة، فتجد فيه ميري النموذج الأمثل، للتنصير، وتأتي الرمزية العالية في الرواية عندما يشير الــــــروائي إشــــارة دالة إلي هذا النموذج الروائي، الطفل يحيي الذي وجد نفســـــه بحالة لم تكن مألوفة في مجتمعه، فهو لم يختن كباقي الأطفال في الحي الذي يعيش فيه، فهو أقلف، لا ينتمي إلي ميثولوجيا وعقائد ـ أهل حيه ـ الذين يعتقدون بنجاسته بسبب ذلك.التطرف الديني وعبد الله خليفة عندما اختار بطله من عامة الناس ومن أكثر الطبقات بؤسا فقد كان يختار النموذج الذي يصلح لممارسة التغيير الديني عليه (التنصير)، فيحيي لقيط وجدته عجوز صماء وبكماء ـ والكاتب هنا يشير إلي أن لا تأثير للتربية العائلية علي بطله ـ وأننا أمام (نموذج خام) يمكن أن يقع تحت تأثير جميع المؤثرات الفكرية المستقبلية، وحدبت عليه هذه العجوز بعطفها وأطعمته ممــــا تلتقــــط كل يوم من المزابل، وكبر يحيي في كوخ يقع بين أكواخ تمـــــتلئ بعبيد سابقين، وفرق الرقص ومنازل الشـــــاذين وشلل القمار والرجال الازكرت ليتراءي له البحر من الشرق وإلي غرب كوخه تمتد مستنـــــقعات وأكواخ متناثرة وبنايات قلــــيلة ومقابر غريبة ـ ص 5 ـ وبالرغــــم من أن دولة البحريـــــن، جغـرافيا ليست لها مساحة كبيرة وشعبها قليل العدد، وعادة تكون البلدان الكبيرة هي الأكثر مادة للروائي حيث يكون متنه الروائي غنيا بالأحداث والشخصيات والصراعات وتشابك المصالح، إلا أن ـ عبد الله خليفة استطاع أن يجد مادة مضطرمة بالتصادمات الفكرية كصراع الأديان من جهة، وصراع الدين الواحد من خلال معتنقيه، وعادة يكون الصراع بين المتطرف دينيا وبين معارضيه من الديانة ذاتها ومعاناة الإنسان العربي بسبب تراكم أحقاب من التخلف، الثقافي والسياسي، والكبت العام الذي يعانيه الشاب العربي في حاجاته الجسدية والنفسية، وبالرغم من محدودية الأجواء التي ينتقل بها بطل الرواية، والتي لا تتعدي الأميال القليلة، التي هي مساحة عالمه الجغرافي إلا أننا شعرنا ـ بسبب استخدام الكاتب للغة شعرية في السرد وحتي في الحوار ـ اننا إزاء مساحة جغرافية مترامية الأطراف، وفي مجتمع ضاج بالمتغيرات والصراعات والحيوات والمستجدات السريعة وصرخة البطل، توضح لنا مدي الأزمة التي عاناها الكاتب ليكتب لنا نصا كـ الأقلف يعتمد الكثير من وجهات النظر المتعارضة، واستمع إلي صرخة البطل، التي هي في وجه من الأوجه صرخة الكاتب ذاته : أنا لا أنتمي إلي هذا الخوص الكالح، ولقضاء الحاجة في الخلاء، وللأبواب الواقفة علي زجاجات تئن، ونهارات رمضان المقفرة، ولحرق جثث الأطفال بالأسياخ ـ ص 85 ـ ويصاب سكان الحي الذين يعيش بينهم يحيي بالذهول عندما يعرفون بتنصيره، فتسأله عائشة المبروكة مدهوشة : ـ هل سيعطونك أرضا وبيتا عندما تصير نصرانيا؟ ـ أبــدا ! !ـ إذن لماذا تعذب نفسك، الناس هنا لا يفهمون ! ـ ص 90 ـومن محاسن المصادفات إني وقعت علي بحث قيم كتبه الروائي عبد الله خليفة بعنــــــوان تطور الوعي الديني في المشرق القديم ہ عالج فيه تطور الوعي الديني في المشـــرق القديم الذي صار فيما بعد وعينا العربي، وقد تناول جوانب البني الاجتماعية والفكــرية وتداخل الظروف الجغرافية بالسيسوتاريخي، ولقد أضاء لي البحث جوانب من أسئلة فكرية كنت أواجهها وأنا أقرأ نصه الروائي، الأقلف ، فمثلا كانت هناك معركة فكرية خفـــية تقع بين (تومسون) مدير المستشفي والذي كان غارقا في جداول خسائر المستشفي المتفاقمة، فعطايا الكنائس البعيدة والمؤمنين فيما وراء البحار شحيحة والمرضي يتدفقون ولا أمل لبروز صور ساطعة لمسلمين يتنصرون وإيمان (ميري) التي كرهت أن يتسرب الإيمان من جداول الربح والخسارة، وأن الحب العميق الذي تعتقده في الإيمان المسيحي غدا سلعة ! والسلعة في العادة تشتري وتباع… والمتابع يري هنا مشكلة حقيقية في فهم البعض للهدف الحقيقي من وراء التنصير للشعوب الأخري التي لها إرثها الديني والعقائدي، وهنا اجتزئ هذا النص من البحث الذي نشره مؤلف الرواية، كأنما يقدم للقارئ الجانب النظري الذي أقام عليه عوالم روايته الإشكالية، فهو يقول فيما يشبه السرد التاريخي لأصل الصراع بين أصحاب الديانة الواحدة : وقد استمر الغليان المسيحي في المشرق، مركز إنتاج الفكر الديني، وظهرت حركات المعارضة المسيحية الكبيرة فيه، مما يعبر عن صراع المصالح، صراع الطبقات، لم توقفه المظلة التسامحية، وعبرت السنطورية عن مهاجمة قلب العقيدة الرسمية التي شكلتها الدولة، فألغت التثليث الإلهي، وهذا ما فعلته الفكرة الأريوسية بإنكار أن يكون المسيح إلها*. ـوللظاهرة أسبابها التاريخية، فهي كما جاء في كتاب العصور الوسطي للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور إن حرية الفكر كانت معدومة في الغرب الأوربي في القرن الثاني عشر أو في العصور الوسطي، فالواقع أن هذه الحرية ظلت أقل مما تصورها البعض عليه، وكل ما هنالك هو أن الناس كانوا أحرارا في تفكيرهم وكتاباتهم داخل نطاق تعاليم الكنيسة ہلمـاذا ؟ لمـاذا ؟ تتشابك المصائر في رواية الأقلف إلي حد أن ميري التي تحمل من يحيي تقرر ترك مستشفي الإرسالية لتعيش مع يحيي في كوخ خاص بهما، رافضة إملاءات تومسون عليها بالرغم من أنها في البداية كانت مشاركة رئيسية في المؤامرة التنصيرية ليحيي، واستمع إليها تأمر يحيي ص 71 : ستحمل الصليب في رقبتك وتجهر بدعوتك.. ولن نتحمل نحن أية مسؤولية، لم نخدعك، لم نغرك، وقد تخرج من المستشفي ومن الكنيسة ولا تراني … ، وقد أصابته هذه الكلمات بالوجع، مما اضطرته أن يصرخ: لماذا؟ لماذا؟ فهو من جهة يريد (ميري) ولا يريد أن يكون أي شيء في الدنيا حاجزا بينهما، وهو مستعد لدفع الثمن المطلوب لذلك، فهي صارت تعني له الحياة بمباهجها الحسية والدنيوية الأخري : كالمأكل والمشرب والملبس، وكان ثمة فكر معارض في أعماقه يرفض الذي تطلبه منه ميري، كأنما كان يستمع لمن يتلو عليه آية القرآن الكريم التي يقول فيها الله تعالي : وإذ قال عيسي ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين *، لذلك جاءت (لماذا) علي لسانه شديدة المرارة والإدانة لما يحدث، وبالرغم من أن مواقف (يحيي) كانت رخوة أمام الإغراءات إلا أنه ولأسباب غير واضحة في النص الروائي أثر بميري أكثر مما أثرت هي به، فهي لم تتخلص من حملها منه بالرغم من الشروط القاسية التي وضعوها لها لتمارس عملها في مستشفي الإرسالية، اسمع تومسون يخبرها بواجباتها ص 111 : ـ أنت يا ميري راهبة قبل أن تكوني ممرضة، لم نحضرك هنا لتقيمي علاقات غرامية فاضحة وشائنة ! منذ أن جيء بهذا الشاب وأنت ملتصقة به.. يمكن أن أبرر علاقتك به قبل أن يتحول، ولكن ما فائدة ذلك الآن؟ .لقد تعرض (يحيي) للاغتيال من قبل صديقه (إسحاق) بعد أن طعنه بالسكين لأنه بدل دينه، وصار نصرانيا، وهذه التضحية لم تحرك شيئا في نفس تومسون ولكنها غيرت ميـــــري، وفضحت دعاة التنصير أمامها، فالغاية لم تكن دينية خالصة، إنها شيء آخر، إنها مزيج من ترسيخ الاستعمار في البلدان المستعمرة واستغفال الناس في عقائدهم، اسمع يحيي يعاتب ميري ص 129 : ثمة أفكار غريبة شكاكة رهيبة تدور في ذهني لقد صدقتك وإلهك.. ولكنني الآن أشك في كل شيء… أنت لست راهبة الآن.. أنت عشيقة رجل شكاك، لديه كلمة طيبة للبشر . لقد لخص العلاقة بينهما، فهي ليست مخلصة لروحه، إنها ليست إلا عشيقة تنام في حضنه… لم تفهم التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن، ومثلها مثل جماعة المستشفي الذين قال فيهم القرآن الكريم مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمينہہمستويـات الروايـــة الأقلف رواية مبنية علي عدة مستويات، المستوي الأول يقارن الروائي فيه بين اهتمامنا كمسلمين بحياة القطيع وتمجيدها ومنع من يحيد عن القطيع من دون الاهتمام الإنساني بالفرد وبين الغربيين الذين يرون أن القطيع لا يأتي إلا من وحدات بنائية مفردها ـ الفرد ـ الذي يجب أن ينال عنايتهم، والمستوي الثاني يأتي من العلاقة المتشابكة التي إحدي بؤرها حاجات الإنسان وفكره من جهة ومصيره المرتبط بحالة وطنه، ومستوي الصراع الثالث في الرواية يركز علي إدانة التطـــرف بكل أنواعه، فهو يدين ما فعــله المتطرفون حين أحرقوا كـــــوخ يحيي لأنه صار نصرانيا، فلم يــــصب ولكن جدته (مربيته البكمـاء) تعرضــــــت لإصابات خطــــــيرة بسبب الحريق المدبر ص 118 جدته كــــــتلة من الفحم والجمر والألم، آهاتها تكهرب جسمه كله والمستـشفي كائن عليل عاجز ويدينهــــــــم بشخص صديقه إسحاق الذي حاول قتــــله قبل ذلك طعنا بالسكين فأصــــابه بجروح خطيرة، أما المســتـوي الأخير في المعالجة الروائية فقد جاء من خلال متابعة ما يحدث في الشارع من أحداث ونقرأ عن ذلك في ص 161 البذلة تتحد بالرماد، والوجه يسبح في الدخان، والروح تتشكل من الحزن الجارف، والقدمان تتسربان بعيدا عن الحشود الهائجة.. الجسر الرابط بين المدينتين ممتلئ بالعابرين والهاربين والجرحي وفي هذه الفوضي يضطر إلي ترك ابنته من (ميري) لمصيرها ويتساءل متألما ص 168 كيف يتخلي عن صغيرته الآن، ويدعها مثلما تركته أمه للصدفة، وللأيدي العابرة وللمحطات غير المرئية المتوقعة للزمن .رواية الأقلف للروائي البحريني عبد الله خليفة إعادة تشكيل لماضي وحاضر الكبت الجنسي والتطرف الديني في دول الخليج العربي و ليس فقط في البحرين او لواقع الإنسان المعزول والمحبط الذي لا يملك شيئا لمصيره بل وحتي لأولئك الذين يعتقدون أنهم ملكوا مصائر وأرواح الناس وأفكارهم واكتشفوا في النهاية أنهم ساهموا في لعبة الحياة خيرها وشرها فقط من دون أن يغيروا شيئا في حيوات غيرهم.كاتب وصحافي عراقي مقيم بالمغربهوامش(1) تكوين: 16 : 9 ـ 13، انظر سيد محمود القمني، النبي ابراهيم والتاريخ المجهول الناشر: مكتبة مدبولي الصغير 1995 ص 12.(2) البحث منشور في مجلة كلمات العدد 20 صيف 2003 والصادرة عن أسرة الأدباء والكتاب في البحرين.(3) المصدر السابق ص 69.(4) ص 167 أوروبا العصور الوسطي ـ ج 2 ـ النهضات والحضارة والنظم ـ تأليف دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور ـ الناشر مكتبة الأنجلو المصرية 1980.(5) آية 6 سورة الصف ـ قرآن كريم.(6) آية 5 سورة الجمعة ـ قرآن كريمرواية الأقلف عبد الله خليفــة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت / لبنان ط 1ـ 2006 ـ عدد الصفحات 172 قطــــع متوســــط.QMK0