الاقليمي والدولي في سياسة ايران الخارجية

حجم الخط
3

لا يلحظ الزائر لمراكز القرار الايرانية حالة استنفار او توتر او انفعال، بل ان الاعصاب الهادئة التي تميز الدبلوماسية الايرانية تفاجىء الآخرين وتدفعهم للتساؤل عن هذا الهدوء غير الطبيعي. فقضايا غزة والعراق وداعش ومجلس التعاون واليمن والغرب وامريكا اللاتينية حاضرة في اذهان المعنيين بشكل تفصيلي، تحظى باهتمامهم وتساهم في توجيه دبلوماسيتهم ازاءها، ولكنها لا تثير فيهم الانفعال او الاستعجال. كما انهم لا ينطلقون من ردود الفعل التي تثيرها تصرفات البعض مما لا يرتضونه، بل يضعون الاهداف الكبرى فوق الاعتبارات الاخرى، العاطفية او ذات الطابع المصلحي الآني. ينزعجون من بعض سياسات حلفائهم في العراق او فلسطين ولكنهم لا يغيرون استراتيجياتهم بسبب ذلك.
يضاف الى هذه الحقائق ان الاطراف المعنية بتلك الاستراتيجيات متعددة، فلا تتغير بتغير الحكومة مثلا، بل ان مجلس الامن القومي (الذي يتمتع الرئيس بعضويته مع رؤساء السلطات الاخرى والمؤسسات الامنية وممثل المرشد الاعلى) صاحب القرار فيها.
فقضايا العلاقات الخارجية والمشروع النووي والعلاقات مع الغرب خصوصا امريكا ودعم حركات التحرر والمقاومة، كل ذلك من ثوابت سياسة طهران، لا تتغير في جوهرها بتغير الرئيس وحكومته، وان كانت تتعرض لشيء من التقليم لتنسجم مع توجهات الاطراف. في طهران ينسجم «الثوري» مع «المصلحي» في اغلب الاحيان، فاذا اختلفا كان قرار المرشد الاعلى هو الفيصل. طهران انزعجت من بعض مواقف الاخوان المسلمين عندما كانوا في الحكم، ولكنها واضحة في موقفها: تدعم المشروع الاسلامي وتسعى للحفاظ على علاقة مع الحكم القائم. وهنا يوجه العتاب للاخوان لانهم لم يبادروا بالشكل المطلوب لتقوية الجسور مع طهران، لأسباب غير واضحة، وعلاقات مع دول عربية واسلامية يعتبرها الاخوان اكثر اهمية لاعتبارات ايديولوجية ومذهبية.
وقبل حرب غزة كان الايرانيون منزعجين من بعض سياسات «حماس» خصوصا تجاه سوريا، ولكن ما ان حدث العدوان الاسرائيلي حتى انبرت الجمهورية الاسلامية لتعبئة كافة امكاناتها لدعم المقاومة وتجاهل «المنغصات» التي حدثت مع حماس. وينسحب هذا التعاطي مع القضايا الحساسة على مواقف طهران تجاه تونس والسودان اللتين ما برحتا خاضعتين للاعتبارات المصلحية والمذهبية. وحتى عندما اعلنت الخرطوم الشهر الماضي طرد الملحق الثقافي الايراني، سعت الخارجية الايرانية لاحتواء الموقف بتصريحات عديدة تقلل من شأن ذلك، خصوصا على لسان السيد عبد اللهيان، نائب وزير الخارجية.
من الذي يصنع القرار الايراني؟ وما الاعتبارات التي تطرح لتوجيهه؟ كيف تنظر طهران لعلاقاتها مع دول مجلس التعاون، خصوصا السعودية؟ وما مدى قناعتها بان تطوير العلاقات مع الرياض سيساهم في تهدئة البيت الاسلامي واضفاء شيء من الايجابية على اجوائه المتشنجة؟ الخارجية الايرانية تعتقد ان تطوير العلاقة مع الرياض ضرورة لتبريد نقاط التماس في العالمين العربي والاسلامي، واحتواء ظواهر التطرف والارهاب والتكفير. وقد استبشروا كثيرا بالحفاوة التي قدمها سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، لضيفه الايراني في زيارته الرياض مطلع هذا الشهر.
وجاء اللقاء بين وزيري خارجية البلدين على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للامم المتحدة المنعدقة في نيويورك، ليضيف عامل تفاؤل آخر بامكان ترطيب الاجواء بين البلدين. ولكن الايرانيين يعلمون ايضا ان السعودية سعت في السنوات الاخيرة لتحريك دبلوماسيتها الاقليمية والدولية، خصوصا بعد ان توترت علاقاتها مع قطر بسبب مواقف الاخيرة من قضايا عديدة.
هذه الدبلوماسية انطلقت لمواجهة ما تعتبره الرياض توسعا للنفوذ الايراني الاقليمي. ولذلك تصدت الحكومة السعودية لثورات الربيع العربي التي اعتبرت ان نجاحها سيكرر سيناريو التغيير الذي احدثته الثورة الاسلامية في ايران قبل 35 عاما. اما الرياض فقد شعرت ان القطار الدبلوماسي يتجاوزها بسرعة نظرا لبطء مبادراتها وعملها الدبلوماسي. وقرأت تجربة الدبلوماسية القطرية طوال ربع القرن الاخير، لتستنتج ان ديناميكية الخارجية القطرية تجاوزت انماط العمل الدبلوماسي الخليجي، وانها استطاعت الاستفادة من قناة الجزيرة لدعم استراتيجيتها السياسية وضمان موقع متقدم للدوحة في القضايا الجوهرية التي تعصف بالامة.
تنظر ايران لمجلس التعاون انه مشروع يكاد يصل نهايته الطبيعية بعد ان اصبح اداة بايدي حكام الرياض، واصبحت العلاقات الخارجية لدوله مستقلة تماما عن بعضها. وفي ما عدا توتر علاقاتها مع السعودية والبحرين، تتمتع طهران بعلاقات ممتازة مع سلطنة عمان، وكذلك مع الامارات وقطر والكويت. يعتقد الساسة الايرانيون ان عهد تصدير ازمة المملكة الى الخارج، الذي تصدره بندر بن سلطان وسعود الفيصل يقترب من نهايته بعد ان بدأت تلك السياسة تنقلب على نفسها وتهدد الامن السعودي. وقد تم ابعاد بندر عن الساحة، فيما ضعف نفوذ الفيصل كثيرا، واستبدل المشروع بآخر يركز على تحقيق الامن الداخلي، يتصدره محمد بن نايف ومتعب بن عبد الله بن عبد العزيز. طهران، في دوائرها السياسية والدبلوماسية كوزارة الخارجية، متفائلة من التقارب مع السعودية، وتعتقد ان ذلك سيخفف من التوتر الطائفي في المنطقة وانه سيخفف حالة الاحتقان في سوريا والعراق ولبنان. وتأمل هذه الدوائر الدخول في حوار اوسع مع السعودية بعد لقاء ظريف مع سعود الفيصل في نيويورك.
المشكلة ان هناك ملفات عديدة تمنع التقارب الحقيقي بين طهران والرياض، في مقدمتها اوضاع اليمن بعد نجاح الحوثيين. كما ان قضية البحرين واحدة من القضايا التي تضغط على العلاقات بين الرياض وطهران، خصوصا انها الثورة التي تواصلت على مدى ثلاث سنوات ونصف برغم التدخل العسكري السعودي.
اما «التيار الثوري» فلا يعول كثيرا على هذه الاتصالات، ويعتقد ان السياسة السعودية هي التي روجت الطائفية واحدثت الشروخ العميقة في الامة وأسست لتنامي ظواهر التطرف والعنف والارهاب، وتآمرت مع بقية قوى الثورة المضادة لافشال كافة الثورات العربية. ايران تسعى لتحقيق توازن بين موقفيها السياسي والثوري، وتأمل ان تكون التهدئة مع السعودية فرصة لالتقاط الانفاس والاستعداد للجولات المقبلة من المفاوضات الصعبة حول مشروعها النووي. وحكومة الرئيس روحاني امام مهمات صعبة، وتعلم ان تحقيق تقدم حقيقي في الملف النووي ليس سهلا، وان العلاقات مع مجموعة 5+ 1 تتجه نحو المزيد من التوتر بسبب اصرار الغرب على منع ايران من امتلاك التكنولوجيا النووية. وبرغم دعوة الغرب طهران للمشاركة في الحرب ضد «داعش» الا ان محاولة ربط طهران مشاركتها بمرونة غربية في المفاوضات النووية لم تلق قبولا لدى واشنطن وحلفائها. وسيكون الرئيس روحاني مشغولا بلقاء نظرائه الاوروبيين في نيويورك هذا الاسبوع حيث يحضر دورة الانعقاد السنوية للجمعية العامة للامم المتحدة.
طهران تعيش هواجس كبيرة خصوصا بعد تمدد نفوذ حركة داعش وظهور ملامح التقسيم في آفاق العراق وسوريا. فبالرغم من نجاح ايران وحلفائها الاقليميين، في اعادة تشكيل الخريطة السورية ومنع سقوط نظام بشار الاسد، فان توسع نفوذ المشروع الطائفي يقلقها كثيرا.
ولذلك تدخلت بقوة بعد تنامي تهديد داعش، وانتهجت استراتيجية عسكرية استطاعت تأمين بغداد والمدن الاخرى ذات الاهمية الدينية مثل كربلاء والنجف، وبذلك وفرت حماية للمناطق الشيعية من الخطر الداعشي. اما المناطق الواقعة تحت نفوذ داعش في شمال العراق فتسعى ايران لتشجيع مواطنيها (من المسلمين السنة) على التصدي لداعش، بتسليحهم ومساعدتهم عسكريا للقيام بذلك، بدلا من التدخل العسكري المباشر.
وثمة بعد آخر للاستراتيجية الايرانية في مواجهة المشروع الطائفي، يتمثل باعادة توجيه الرأي العام العربي والاسلامي لقضية فلسطين واستعادة محوريتها كجامع للمسلمين على اختلاف مذاهبهم، واعادة تعميق مشروع «المقاومة» في مقابل ما تطرحه قوى الثورة المضادة التي تدعو لـ «نزع سلاح المقاومة». هذه الرؤى الايرانية تأتي في فترة عصيبة من تاريخ الامة، وفي ظروف غير مسبوقة من التشوش الذهني والسياسي خصوصا لدى النخب التي سقطت امام اطروحات التقسيم والتفتيت والنزعات المذهبية والعرقية.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية