الالتزام الغربي الفضفاض ازاء الديمقراطية وحقوق الانسان

حجم الخط
2

نعم ليس صحيحا ان تكون سورية عضوا بمجلس حقوق الانسان في ضوء ما يجري في هذا البلد الذي دمرته الحرب الاهلية وما يزال لهيبها يحرق ما تبقى من غوطتها الجميلة وحمصها التاريخية. بل ان اي بلد آخر يخوض حربا، أيا كان شكلها واسبابها، يجب ان لا يتحدى منظومة حقوق الانسان وقيمها ويطالب بان يكون من بين المراقبين والمشرعين في اطار هذه المنظومة.
فلا شك ان انتهاكات فظيعة وجرائم حرب قد ارتكبت في ارض الشام من كافة الاطراف المشاركة في الحرب الاهلية المدمرة، وبالتالي فليس من الذوق بمكان ان يكون اي من اطراف الصراع احد مكونات المشروع الحقوقي الدولي (ان كان هناك ثمة مشروع حقا). فما يقال عن النظام السوري من انتهاكات لحقوق الانسان يمكن قوله كذلك عن العديد من الدول التي حظيت بعضوية المجلس منذ تشكيله في العام 2006. والدول السبع المتنافسة في الوقت الحاضر.
وتجرى في نيويورك في تشرين الثاني الانتخابات السنوية بالجمعية العامة بخصوص مجلس حقوق الانسان المؤلف من 47 دولة ومقره جنيف. وستتنافس دول المجموعات الاقليمية الخمس بالأمم المتحدة لشغل 14 مقعدا متاحا لفترات تستمر ثلاث سنوات من كانون الثاني 2014 . ومن مجموعة آسيا التي تضم الشرق الاوسط وآسيا ستتنافس سبع دول هي الصين وإيران والاردن والمالديف والسعودية وسورية وفيتنام على شغل اربعة مقاعد. من المؤكد ان سورية لن تفوز بمقعد في المجلس، خصوصا ان النفوذ السعودي على المجلس واسع بسبب استخدام المال لشراء مواقف الدول الاخرى. هذا ليس ادعاء او تخرصا بل حقيقة اكدتها قبل فترة مسؤولة كبيرة بالمجلس، وذلك في لقاء خاص ضم عددا من نشطاء حقوق الانسان. اما ايران فقد سحبت ترشحها لعضوية المجلس لعلمها سلفا بنتيجة التصويت في ظل نفوذ المال السعودي في العالمين الحقوقي والسياسي.
وفي عالم اصبح مرتهنا للدولار النفطي، ليس مستبعدا فوز السعودية بمقعد بالمجلس برغم وجود اكثر من عشرة آلاف سجين سياسي لديها بدون محاكمات او زيارات عائلية، وبرغم الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان وسجن النشطاء في محاكم تفتقر لادنى مقومات المحاكمات العادلة. ففي 28 يونيو الماضي قضت المحكمة الجزائية في بريدة بالسعودية بسجن الشيخ عبدالكريم الخضر أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة، جامعة القصيم، ثماني سنوات. وكان الخضر قد تولى رئاسة جمعية الحقوق المدنية والسياسية المعروفة باسم ‘حسم’ بعد سجن اثنين من قادتها قبل ثلاثة أشهر. وقد أسست ‘حسم’ عام 2009 من قبل مجموعة من النشطاء والأكاديميين والمحامين السعوديين قبل أن تصدر محكمة قرارا بحلها في أذار/مارس الماضي. وحكم على محمد فهد القحطاني و عبد الله حمد بالسجن عشر سنوات لاتهامات منها إشاعة الفوضى والإخلال بالأمن والطمأنينة العامة والإساءة لسمعة البلاد. وفي السابع من هذا الشهر أصدرت السلطات السعودية، أحكاماً بالسجن تتراوح بين 5 و 10 سنوات والمنع من السفر بحق ناشطين عبر المواقع الاكترونية بعد إدانتهم بالانضمام لحركة شباب 4 مارس الاحسائية وحركة أحرار الاحساء على الشبكة العنكبوتية.
ومع الاعتراف بعدم صلاحية سورية لعضوية المجلس، فان مما يثير الاستهجان ان يكون من بين الدول المعارضة لترشح سورية كل من الولايات المتحدة و’اسرائيل’، ولكلا البلدين ملفات سوداء كالحة في مجال حقوق الانسان. فالولايات المتحدة ما تزال تدير سجن غوانتنامو بعد مرور اكثر من خمس سنوات منذ ان قطع الرئيس اوباما على نفسه عهدا بغلقه في غضون عام واحد من فوزه بالرئاسة. ووفقا لما نشرته صحيفة ‘التايمز’ البريطانية يوم الجمعة الماضي فقد تعرض احد قياديي تنظيم ‘القاعدة’ لمعاملة قاسية وما يزال محتجزا في سجن سري. تقول الصحيفة ان خالد الشيخ محمد ‘ تعرض لتحقيقات قاسية في بولندا حيث كان محتجزا بموقع سري تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي. آي. أيه) بعد القبض عليه في 2003. وقد حرم من النوم 180 ساعة وتعرض لأسلوب يسمى ‘الايهام بالغرق’ 183 مرة، حسب ما جاء في تقرير المفتش العام للوكالة، ومن هناك نقل الى موقع بالعاصمة الرومانية، بوخارست’. واستخدم ‘الايهام بالغرق’ بحق عضو آخر بالقاعدة اسمه ابو زبيدة 83 مرة. وتعتبر المنظمات الدولية التحقيق باستخدام طريقة ‘الايهام بالغرق’ تعذيبا.
وهذا هو رأي الخبراء الحقوقيين والسياسيين ومسؤولي الاستخبارات والقضاة العسكريين. وفي 19 يوليو 2008 وصف ديفيد ميلليباند، وزير الخارجية البريطانية آنذاك ‘الايهام بالغرق’ بالتعذيب. كما ان وزارة الخارجية الامريكية اعتبرت في تقريرها حول تونس في 2005 استخدام طريقة ‘الايهام بالغرق’ تعذيبا. اما الامم المتحدة فقالت في تقرير لجنة مناهضة التعذيب الذي صدر في نوفمبر 2006 بان ‘على الاطراف الموقعة على معاهدة منع التعذيب عدم استخدام اية وسيلة كالايهام بالغرق التي تعتبر تعذيبا ومعاملة قاسية وغير انسانية وحاطة بالكرامة الانسانية’.
اما ‘اسرائيل’ فما ابعدها عن احترام حقوق الانسان، وهي التي ما برحت تهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، وتقصف المناطق المكتظة بالسكان وهم نائمون، وتعتقل الاطفال وتعذب المناضلين الفلسطينيين. وفي الاسبوع الماضي اتهمت جماعة إسرائيلية تدافع عن حقوق الإنسان الجيش الإسرائيلي باحتجاز طفل فلسطيني يبلغ من العمر خمسة أعوام بشكل غير قانوني لإلقائه حجرا في مدينة الخليل بالضفة الغربية. ويظهر مقطع فيديو سجلته جماعة ‘بتسيلم’ للحادث الذي وقع يوم الثلاثاء 9 يوليو الطفل (وديع مسودة) وهو يبكي ويحيط به جنود اسرائيليون في أحد شوارع الخليل. واقتيد الطفل بعد ذلك إلى سيارة عسكرية ومعه فلسطيني بالغ. ثم أخذوا الطفل الى منزله وألقوا القبض على والده واحتجزوهما لنحو نصف ساعة أخرى قيدوا خلالها الوالد وعصبوا عينيه. وسلم الإثنان فيما بعد الى الشرطة الفلسطينية التي استجوبتهما ثم اطلقت سراحهما. وفي اليوم العالمي لدعم ضحايا التعذيب الذي يصادف 26 يونيو من كل عام، قالت هيومن رايتس ووتش إن إسرائيل تورطت في ممارسات تمييزية في الضفة الغربية المحتلة. وفي عام 2012 قامت قوات الأمن الإسرائيلية بمخالفة القانون وهدم مئات المنازل والبنايات الفلسطينية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ومنعت سلطات الاحتلال سكان الضفة الغربية من الفلسطينيين من الوصول إلى الموارد الطبيعية والمرافق الأساسية، وشردت نحو 900 شخص، طبقاً لتقديرات الأمم المتحدة. في الوقت نفسه، أدى توفير إسرائيل خدمات جيدة وأعمال التخطيط مثل الموافقة على الآلاف من وحدات الإسكان الاستيطانية الجديدة ومنح ‘التصريح’ بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية الجديدة أدى إلى تشجيع وتيسير استيطان المدنيين في الأراضي المحتلة، في خرق لاتفاقيات جنيف. كما قامت القوات الإسرائيلية بقمع المظاهرات الفلسطينية اللاعنفية واستخدمت القوة المفرطة ضد المتظاهرين ومنعت بشكل تعسفي مدافعين عن حقوق الإنسان من السفر، وحدّت بصفة غير قانونية من قدرة المزارعين الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم.
وفي ديسمبر/كانون الأول داهمت القوات الإسرائيلية مقرات عدة منظمات مجتمع مدني في رام الله. أما نظام العدالة العسكري الإسرائيلي الذي يُعفى المستوطنون منه فقد عرّض الفلسطينيين وبينهم المدافعون عن حقوق الإنسان، للاحتجاز التعسفي لمدد طويلة، وأخضعهم لاعترافات منتزعة بالإكراه ومحاكمات غير عادلة. وفي أغلب القضايا أخفقت السلطات الإسرائيلية في إدانة أي شخص على الهجمات التي يظهر أن مستوطنين إسرائيليين نفذوها وأضرت بفلسطينيين أو بممتلكات فلسطينية.
ازاء هذه الحقائق يتضح ان ايا من الدول المذكورة لا يتمتع بموقع اخلاقي رفيع يؤهلها لمحاكمة الدول الاخرى في مجال حقوق الانسان. وهنا يجدر طرح ظاهرة اخرى متوازية مع هذا السجال. فالواضح ان الدول الغربية في السنوات الاخيرة قد تخلت عن دعامتين اساسيتين كانت تعتبرهما ضرورة لنظام الديمقراطية الليبرالية الغربية، وهما ترويج الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان. الواضح في ضوء نتائج ثورات الربيع العربي ان ترويج الديمقراطية في العالم العربي ليس هدفا او اولوية، بل ان هذه الدول قادرة على التعايش مع انظمة الاستبداد وربما مساعدتها، في بعض الحالات، على التصدي لمعارضيها. ومنذ سنوات بدا ذلك واضحا من سياق مواقف الدول الغربية وسياساتها تجاه العالم العربي. الديمقراطية مطلوبة اذا كانت ستؤدي لفوز اطراف صديقة للغرب، ومرفوضة اذا كانت ستأتي بالاسلاميين. ومنذ العام 1992 عندما انقلب عسكر الجزائر على الممارسة الديمقراطية بعد فوز جبهة الانقاذ الاسلامية في اول انتخابات برلمانية حرة. ولم يكتف الغربيون بالصمت بل دعموا العسكر سياسيا وماديا. الديمقراطية اصبحت شعارا يستخدم عند الحاجة لتسجيل مواقف ونقاط ضد الفرقاء، ولم يعد قيمة انسانية تستحق التضحية بشيء من المصالح مع الانظمة الديكتاتورية من اجلها. اما منظومة حقوق الانسان فقد اصبحت هي الاخرى في بعض الاحيان اداة للضغط على الآخرين خصوصا من ذوي الايديولوجيات المغايرة او الداعية للاستقلال والتحرر من الهيمنة الغربية. فانظمة الاستبداد العربية تواصل انتهاكاتها الفظيفة لحقوق الانسان، ولكنها لا تتعرض لضغوط حقيقية لوقف تلك الممارسات.
في الاسبوع الماضي وقفت فتاة بحرانية محجبة امام المحكمة وقالت للقاضي واصفة ما مارسه المحققون المعروفون باسمائهم ورتبهم: لقد جردوني من ثيابي مرتين، فرفض ‘القاضي’ الاستماع لقولها او اتخاذ اي اجراء بحق الضباط الذين ارتكبوا الجريمة. وكان ممثلون عن بعض السفارات الغربية حاضرين في المحكمة، كما حضروا في السابق وسمعوا تفصيلات التعذيب كما سمعوها عشرات المرات، ولكن ذلك لم يحرك حكوماتهم لاتخاذ مواقف تمنع التعذيب او المعاملة الحاطة بالكرامة الانسانية.
في العقد الاخير اكتشف الغربيون ان مبادىء حقوق الانسان اصبحت معوقا امام علاقاتهم مع انظمة الاستبداد والقمع خصوصا من ذوي الدولار النفطي، فكان عليهم ان يختاروا بين التصدي للانتهاكات والالتزام بمبدأ حماية حقوق الانسان وما يترتب على ذلك من اضرار بمصالحهم المادية، او مسايرة الانظمة القمعية والتستر على جرائمها. وتؤكد مجريات الامور ان الغربيين انحازوا للخيار الاسهل، فاصبحت قيم حقوق الانسان فرقعة اعلامية لا تنعكس على الواقع. لقد تم تهميش هذه الحقوق حتى اصبح مجلس حقوق الانسان وبقية الجهات المرتبطة بالعالم الحقوقي بدون مخالب. ومع رفض دول مهمة كالولايات المتحدة توقيع بروتوكولات روما التي تنظم عمل المحكمة الجنائية الدولية، اصبحت دول كالسعودية والبحرين قادرة على رفض التصديق على المحكمة الجنائية الدولية، فاصبح الحكام قادرين على ممارسة الانتهاكات الفظيفة لحقوق الانسان وارتكاب الجرائم ضد الانسانية بدون الخشية من ردة فعل دولية مناسبة. ولذلك لم تجد الدول القمعية صعوبة في رفض زيارات المقررين الخاصين حول الاعتقال التعسفي او التعذيب او المرأة او حقوق الطفل، لان ‘العالم الحر’ لم يعد متحمسا لتفعيل مبادىء حقوق الانسان. وعندما يجتمع مجلس حقوق الانسان في الخريف المقبل فلن تجد اشد الدول انتهاكا لحقوق الانسان صعوبة في كسب عضوية مجلس حقوق الانسان، الذي اصبح يمثل مصالح الانظمة ولا يستطيع تقديم شيء للشعوب المضطهدة. والامر نفسه ينطبق على مفوضية حقوق الانسان والمفوضة العليا لحقوق الانسان، السيدة نافي بيلاي. فليس هناك افق لمنح هذه الاطراف مخالب تردع الحكومات والانظمة التي تمارس التعذيب او الاعتقال التعسفي او القتل خارج اطار القانون. وبذلك تم افراغ منظومة حقوق الانسان، وهي الانجاز الاكبر في مجال التطور الحضاري الذي كان مرتقبا بعد كوارث الحرب العالمية الثانية.
ان تهميش منظومة حقوق الانسان من جانب الحكومات الغربية سيؤثر سلبا على اوضاع العالم العربي، ولكن تأثيراته السلبية ستهدد المجتمعات الغربية نفسها. فالحكومة البريطانية تدرس بشكل جاد التنصل من الميثاق الاوروبي لحقوق الانسان لتتحرر من القيود والضوابط حين تتعامل مع قضايا مواطنيها وحقوقهم.
ومنذ الحرب الامريكية ضد العراق قبل عشرة اعوام انتهجت واشنطن سياسة التهاون في احترام حقوق الانسان بدعوى ضرورة ذلك لمواجهة الارهاب. بينما يرى الكثير من الخبراء ان الاساليب التي مارستها القوات الامريكية للتحقيق مع اعضاء تنظيم القاعدة لم تكن ضرورية للحصول على المعلومات، بل شوهت سمعة امريكا بدون مردودات امنية تذكر. العالم يتجه نحو التحرر من القيم الانسانية التي لم تتحقق الا بعد كفاح شديد وتضحيات جسيمة، ومن غير المنطقي التضحية بها من اجل تحقيق مصالح سياسية او اقتصادية فورية بدون النظرة البعيدة المدى. حان الوقت لتقويم النظرة الغربية تجاه حقوق الانسان والديمقراطية، فاما ان يتطور العالم في المجالين فيعم الامن والاستقرار وحرية الشعوب والعدالة، او ينتكس الجميع في مجال القيم والاخلاق والحقوق، وبذلك تتداعى الانسانية خصوصا في بلدان العرب والمسلمين.

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية